سلطان بن نايف الحربي
لقد ورثونا من عصور الإدارة القديمة وَهماً كبيراً مفاده أنَّ التنافس هو الوقود الذي يشعل الطموح، وأنَّ المنظمات إنْ لم تتحول إلى ساحات حرب، فلن ينهض العمل، ولن يتفوق أحد؛ ولذلك تحولت منظماتنا -وبخاصة التربوية- إلى مسارح تُدار على طريقة مباريات المصارعة الحرَّة: مدير يضع القوانين، موظفون يتنافسون وكأنهم خصوم وليسوا زملاء عمل ومهنة، معلمون يحاربون على الحوافز، والمناصب حتّى الطلاب أنفسهم يتم إقحامهم في سباق الدرجات كأنَّهم في مضمار خيل، ومن المضحك المبكي أنَّ شعار هذه المرحلة كان الجودة، فإذا بالجودة تختزل في من يفوز بالتقرير الأجمل وليس العمل الأصدق.
إنَّ التَّنافس في منظَّماتنا إذا تجاوز حدُّه، فإنَّه يتحول -إن صحَّت التسمية- إلى صراع الدِّيكة: كثيرٌ من الضَّجيج، كثيرٌ من الرِّيش المتطاير، والمتفرجون وحدهم من يعرف لماذا بدأت المعركة؟!
يدخل المعلم إلى غرفة المعلمين في بيئة كهذه، وهو أكثر حرصاً على فكرته من حرص التَّاجر على بضاعته عندما يسأل نفسه من سيأخذها؟ من سيعرضها غداً؟ ومن سيعرف كيف يجعل إنجازه الشخصي أكبر من العمل الذي اشترك فيه الجميع؟
أما المدير الَّذي يفهم القيادة على أنّها إدارة للمنافسة بين المرؤوسين، فقد يجد في هذا التَّزاحم راحةً خفيّة، فما دام النَّاس منشغلين بمقارنة بعضهم البعض، فلن يبقى لديهم وقت طويل ليسألوا لماذا صُمِّمت الُّلعبة بهذه الطريقة أصلاً؟ وهكذا تنشأ ثقافة الحرب الصغيرة، الجميع يتحرك، والجميع يتعب، ثم تكتشف المنظمة في النهاية أنَّ كثرة الحركة لم تكن دليلاً على أنها ذهبت بعيداً.
وما أخطر أن يتحول التعليم الذي وجد ليبني الإنسان إلى ساحة سباق لا تنتهي. ترى فيها الطَّالب ينظر إلى زميله كخصم عليه أنْ يهزمه ليحظى بالمرتبة الأولى، وترى المعلم يخفي أوراقه وأفكاره كمن يخفي كنزاً لأنَّ مشاركة الخبرة قد تفتح الباب لغيره ليبرع أكثر منه، وترى الإداري يحرص على كتم الأخطاء، وتغطيتها لكيلا يسجل إنجاز الإصلاح باسم منافس له، فأيُّ منظمة هذه؟! هي منظَّمة تشبه بيتاً يشتعل فيه الحريق، وأهل البيت يتشاجرون، ويتساءلون فيما بينهم: من الّذي سيحمل الدَّلو أولاً ليظهر كبطلٍ أمام الآخرين؟!
ولقد عايشتُ بنفسي واقعةً بقيت في ذاكرتي لأنَّها تكاد تختصر هذه الفلسفة كُلها في مشهدٍ واحد، ففي إحدى السَّنوات أطلقت وزارة التعليم مسابقةً كبيرةً للمدارس، وكانت الجائزة الكبرى لمدير المدرسة الفائزة سيارة من نوع «BMW» بينما يحصل فريق المدرسة على مكافأة مالية محدودة موزعة بينهم. اشتعل الحماس في المدارس وتحرَّك المعلِّمُون، وتشكَّلت الفِرق، وتسَابقت الإدارات، وكُنتُ شاهدًا على تلك المرحلة في مدرسةٍ شاركت في المسابقة ثمَّ فازت بالجائزة الكبرى!
كانَ الفَوز في ظَاهِره انتصاراً لمدرسة كاملة، فالمسابقة لم يدخلها المدير بمفرده، بل بواسطة فريق كامل توزع المسؤوليات فيما بينه حتَّى جاءت لحظة التتويج، وتسلَّم المدير السيارة، وعندما طلبت منه الإدارة التعليمية – بحسب ما شاهدته آنذاك- أن يتنازل عنها رفض ذلك، واحتفظ بالجائزة لنفسه.
وهنا تكمن المفارقة الّتي تستحق التَّأمل، فقد نلقي مئة محاضرةٍ عن روح الفريق ثم نهدمها بجائزةٍ واحدةٍ صممت على نحو خاطئ، ونستطيع أن نكتب على جدران المدرسة عبارة «معاً نحو التميز» ثم نبني نظام الحوافز بطريقة تجعل كل فرد يسأل في سرّه: وإذا وصلنا معاً فمن سيأخذ المفتاح؟
إنّ المشكلة إذن أعمق من أخلاق الأشخاص، فتصميم الحوافز نفسه قد يربي النَّاس، فإذا كانت المكافأة الكبرى فردية في عمل لا يتحقق إلا جماعياً، فلا ينبغي أنْ نندهش إذا تعلَّم النَّاس حماية إنجازاتهم الفردية، وإذا كانت التَّرقية والظُّهور، والتَّقدير تذهب دائماً إلى الاسم الأكثر بروزاً؛ بينما يذوب الفريق خلفه؛ فإنَّ المنظّمة قد تكون ألقت على موظفيها محاضرةً عمليةً في الفردية مهامها كثرت في أدبياتها كلمة «التعاون».
ولِهذا؛ فَإنَّ الانتقال من التَّنافس إلى التَّعاون لا يبدأ بطلب المزيد من المحبَّة بين الموظفين، فالمنظّمات لا تدار دائماً بالنَّوايا الطِّيبة وحدها، ولِحسنِ الحظِّ أنَّ هناك من أدرك أنّ الحرب الدَّائمة لا تبني حضارةً، وأنّ الانتصار الحقيقيّ لا يكون على حساب الزُّملاء؛ بل يكون معهم، حينها فقط تتحول المنظَّمة ببطءٍ شديدٍ من ساحاتِ حربٍ إلى حدائق، والحديقة الَّتي أعنيها ليست صورةً شاعريةً بل فلسفةً كاملةً.
ففي الحديقة كلّ شَجرةٍ لها مكانها، وكل زهرةٍ لها لونُها، وكل عصفورٍ له صوته، فالأشجارُ لا تحتاج أنْ تقاتل بعضها لتثبت وجودها، ولا تحتاج الأزهار أيضًا أنْ تطغى على غيرها لتزهر. يكفي أنْ تتعاون لتصنع لوحةً منسجمةً، ويكفي أنْ تتكامل لتصنع جمالاً لا يستطيع فردٌ واحد أنْ يصنعه وحده.
بعضهم يعتقد أنَّ «التّعاونَ» شعارٌ يُكتب على جدار المُنظَّمة؛ لكنَّ «التّعاونَ» في الأصل يعدُّ ثقافةً تُزرع في أرواح النَّاس، التَّعاون الَّذي أعنيه هو أنْ يدرك المعلم أنَّ نجاح زميله هو نجاح له، وأنَّ الطَّالب عندما يساعد زميله على الفهم، فهو في الحقيقة يُثبت فهمه هو، وأنَّ المدير حين يفتح المجال للجميع، فهو لا يفقد بالضرورة سلطته؛ بل يضاعف قوَّته، فالتَّعاون ليس ضَعفاً كما يتوهم البعض؛ بل هو القوة المحرِّكة للمنظَّمة الَّتي تجعلُ الجميع رابحين. ففي الحرب هناكَ خاسرٌ دائمٌ أمَّا في الحديقة، فالكل ينمو معاً.
وأقولها ساخراً: لقد حاولت بعض الإدارات أن تطبق التَّعاون بطريقتها البيروقراطية الخاصة، فأنشأت لجاناً للتعاون، ووزعت نماذج لتقييم التَّعاون، ثم طلبت تقارير عن مستوى التعاون؛ فإذا بالتعاون يتحول إلى ملفٍ جديدٍ يوضع على مكتب المدير بينما في الواقع ظلَّ كل موظف يغلق بابه على نفسه ويعمل وحده، التَّعاون الحقيقيُّ لا يُفرض من الأعلى بتعميم إداريٍّ، التَّعاون الحقيقيُّ يتولَّد من خلال الثِّقة الَّتي تُبنى بالعدل، والاحترام، والمصداقية.
وهنا تظهر قيمة «المنظَّمة المتعلِّمة» بمعناها الحقيقيّ، فهي ليست المنظَّمة الَّتي تكثر فيها الدَّورات، ولا الَّتي يستطيع موظفوها جمع أكبر عدد من شهادات الحضور، وإنَّما الَّتي تستطيع أنْ تجعل خبرة الفرد معرفةً متاحةً للجماعة، وأن تحوِّل الخطأ إلى فرصةٍ للتَّعلم، وأنْ تمنع المعرفة من أنْ تموت بخروجِ صاحبها، ففي «المدرسة المتعلمة» لا يخشى المعلم مشاركة تجربته، ولا يخاف الطَّالب من الخطأ، ولا تتعامل الإدارة مع نفسها بوصفها قمَّةَ هرم تنزل منه المعرفة إلى الآخرين، وإنَّما بوصفها جزءاً من شبكةٍ تتعلم من كل أطرافها.
قد يكون التنافس شرارةَ انطلاق؛ فَالإنسان بطبيعته يقارن، ويتطلَّع، ويريد أنْ يتفوق؛ لكنَّ الشَّرارة الَّتي لا نعرف كيف نضبطها قد تصبح حَريقاً، والمُنظَّمة الَّتي تجعل موظفيها في سباقٍ دائمٍ ستكتشف يوماً أنَّها حصلت على أفرادٍ أسرع؛ لكنَّها خسرت فريقاً أقوى، وستجد أنَّ كلَّ واحدٍ منهم أصبحَ ماهراً في الوصول وحده؛ بينما لم يعد أحد يعرف كيف يصل إلى الجماعة!
فهل آن لنّا أنْ نحمل المَعاول، ونهدم أسوار الحرب بين المكاتب، ونزرع بدلها شيئا من الثِّقة؟ وهل نستطيع أن نصمم مدارسنا، وحوافزنا، وجوائزنا بحيث لا نقول للنَّاس تعاونوا ثمَّ نهمس لكل واحدٍ منهم: لكنّ الجائزة لمن يصل أولاً.
أم أنَّنا سنظل نعيش أسرى لمعاركَ صغيرةٍ تستهلكنا حتى نصحو ذاتَ يومٍ، فلا نجدُ منظّمةً ولا تَعليماً ولا مُستقبلاً؟