باسم سلامة القليطي
لم يعد الطالب اليوم مضطراً إلى أن يقضي وقتاً طويلاً أمام سؤال صعب، أو أن يبحث في أكثر من مصدر، أو أن ينتظر حتى يسأل معلمه عن مسألة لم يفهمها. يكفي أن يكتب سؤاله في أداة من أدوات الذكاء الاصطناعي، ليحصل خلال ثوانٍ على إجابة مرتبة، وشرح واضح، وحل جاهز. يبدو الأمر رائعاً في ظاهره: وقت أقل، وجهد أقل، ونتيجة أفضل. لكن ماذا لو كان الطالب قد نجح في إنجاز واجبه، بينما خسر في المقابل شيئاً أهم: التعلّم نفسه؟
فالمدرسة لا تتمثل غايتها في أن يصل الطالب إلى الإجابة الصحيحة فحسب، وإنما في أن يتعلم الطريق إليها؛ أن يفكر، ويحاول، ويخطئ، ويكتشف خطأه، ثم يصححه، وأن يمتلك من الفهم ما يمكنه من الوصول إلى الإجابة حين لا تكون جاهزة أمامه. فالغاية ليست أن يعرف الطالب الإجابة، وإنما أن يصبح قادراً على الوصول إليها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الذكاء الاصطناعي مفيد للطلاب أم ضار؟ وإنما: ماذا يحدث لتعلّم الطالب عندما يستخدمه؟ وربما تكشف الأرقام عن المفارقة أكثر مما تستطيع الانطباعات أن تفعل.
تُقدم دراسة حديثة شملت 26,811 طالباً وطالبة في الصين، وتابعتهم على مدى 30 شهراً، نتيجة لافتة: ارتفعت درجات الواجبات بنحو 18%، وانخفض وقت إنجازها بنحو 30 %. لكن عندما انتقل الباحثون إلى الاختبارات الشهرية، انخفضت درجات الطلاب بنحو 20 % خلال ستة أشهر، كما ظهر لاحقاً تراجع في اختبارات القبول. المفارقة إذن واضحة: الذكاء الاصطناعي جعل الطلاب أسرع وأفضل في إنجاز الواجبات، لكنه لم يجعلهم بالضرورة أفضل تعلّماً.
وتشير الدراسة إلى أن الخسارة ارتبطت أساساً باستخدام الذكاء الاصطناعي لتفويض الواجبات، بينما كانت محدودة لدى الطلاب الذين استخدموه مع استمرارهم في بذل الجهد والمراجعة الذاتية. فكيف يمكن أن يتحسن الواجب بينما يتراجع التعلّم؟
ربما تكمن الإجابة في أننا خلطنا بين إنجاز المهمة وتحقيق غايتها. تخيل طالباً أمام مسألة رياضية صعبة. حاول حلها، ثم اكتشف أنه لا يعرف كيف يبدأ. بعد ذلك استعان بالذكاء الاصطناعي، فشرح له الفكرة، ثم أغلق الإجابة وحاول حل مسألة مشابهة بنفسه. هنا أدت التقنية وظيفة تعليمية جيدة؛ لأنها جاءت بعد المحاولة، وساعدت الطالب على تجاوز عقبة في طريق تعلّمه. لكن ماذا لو لم يحاول الطالب أصلاً؟ ماذا لو أصبح كل سؤال صعب سبباً كافياً لفتح الذكاء الاصطناعي، ونسخ الإجابة، وتسليم الواجب؟
هنا يفقد الطالب الجزء الأهم من المهمة. فالدقائق التي يقضيها وهو يحاول فهم السؤال، ويربط المعلومات، ويستبعد الاحتمالات، ويكتشف خطأه، ليست وقتاً ضائعاً ينبغي التخلص منه؛ إنها عملية بناء العقل نفسه.
فالواجب لا يُقصد به أن يُؤدَّى وينتهي، بل أن يبقى أثره. وعندما تختصر التقنية هذه الرحلة كلها، فإنها قد تختصر معها شيئاً لا يظهر في درجة الواجب: القدرة على التفكير المستقل.
ولهذا فالمشكلة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في نوع الاستخدام. يمكن للطالب أن يجعله بديلاً عن جهده، فيطلب منه حل الواجب كاملاً، ثم يكتفي بالنتيجة. ويمكنه، في المقابل، أن يجعله أداة توسّع قدرته على التعلّم: يحاول أولاً، ثم يستعين به عندما يتعثر، ويراجع ما يقدمه، ويختبر فهمه، ثم يعود ليؤدي المهمة بنفسه. والفارق بين الاستخدامين كبير؛ ففي الأول، الذكاء الاصطناعي يحمل عبء التفكير، وفي الثاني، الطالب يحمل عبء التفكير، والذكاء الاصطناعي يساعده على حله بصورة أفضل.
وهنا تظهر قيمة الدراسة؛ فهي لا تقول لنا إن الذكاء الاصطناعي عدو للتعليم، وإنما تحذر من أن اختصار وقت التعلّم ليس دائماً مكسباً. فقد يكون بعض الوقت الذي نحاول توفيره هو الوقت الذي يتكون فيه الفهم. ولهذا ينبغي أن نعلّم الطالب قاعدة بسيطة: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي أن يؤدي المهمة التي تريد أن تتعلم أداءها.
فما فائدة الذكاء الاصطناعي إذن؟ فائدته أن يجعل الطالب يتعلم بصورة أفضل، لا أن يتعلم أقل. أن يشرح له حين يتعثر، ويختبره حين يظن أنه فِهم، ويناقشه حين يحتار، ويقدم له أمثلة حين يحتاج إلى مزيد من التدريب، ويكشف له ما لم ينتبه إليه، ويعيد ترتيب المعلومات في جداول وخرائط ذهنية ورسومات توضيحية، ويربط بين الأفكار المتفرقة بطريقة تكشف له الصورة الكاملة، ويعرض المفهوم بأكثر من طريقة حتى يجد الطالب المدخل الأقرب إلى فهمه.
وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تقدم الإجابات إلى أداة تساعد الطالب على رؤية المعرفة بصورة أوضح؛ فيحوّل النص إلى جدول، والمعلومة إلى خريطة، والمفهوم إلى مثال، والعلاقة بين فكرتين إلى مخطط. وهذه قيمة حقيقية حين يكون الطالب حاضراً بعقله؛ لأن الأداة لا تقوم بالتفكير عنه، وإنما تساعده على تنظيم ما يتعلمه، وربط أجزائه، ورؤية ما قد لا يراه في عرضه التقليدي.
فالذكاء الاصطناعي يتحدث بثقة، لكنه قد يخطئ. والطالب الذي يفهم المادة يستطيع أن يراجع ما يقدمه، ويكتشف الخطأ، ويسأل سؤالاً أفضل. أما الذي لا يعرف، فقد يتعامل مع الإجابة الجاهزة بوصفها حقيقة نهائية. ولهذا، كلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي، ازدادت حاجتنا إلى طالب يعرف كيف يفكر.
في التعليم، ليست كل دقيقة نوفرها مكسباً. فقد يوفر الذكاء الاصطناعي على الطالب وقتاً ثميناً، لكن بعض الوقت الذي نظنه عبئاً هو في الحقيقة الوقت الذي يتشكل فيه الفهم: وقت المحاولة، والخطأ، والتفكير، والبحث عن الطريق. لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: كم أنجز الطالب؟ وكم من الوقت وفّر؟ بل نسأل سؤالاً أعمق: ماذا بقي في عقل الطالب بعد أن انتهت المهمة؟
إذا كان الذكاء الاصطناعي قد أنجز الواجب، بينما بقي الطالب عاجزاً عن حل مسألة مشابهة دونه، فقد ربحنا سرعة الإنجاز وخسرنا غاية التعليم. أما إذا استخدمه الطالب ليشرح له ما استعصى عليه، ويختبر فهمه، ويربط له المعلومات، ويكشف له ما لم ينتبه إليه، ثم عاد ليحل ويفكر بنفسه؛ فقد أصبحت التقنية امتداداً لعقله، لا بديلاً عنه.
وربما هنا تكمن الفائدة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في التعليم: أن يجعل الطالب أكثر قدرة على التعلّم، لا أقل حاجة إلى أن يتعلم. فالمستقبل ليس للطالب الذي يعرف كيف يطلب من الآلة أن تجيب، وإنما للطالب الذي يعرف كيف يسأل، وكيف يفكر، وكيف يحكم على الإجابة حين تأتيه.