د. ياسين علي محمد عزي
وقعت عيني على مقطع للإعلامي السعودي حسين الغاوي بعنوان «أسرار خيمة العلا 2021». شدني العنوان، فشاهدته كاملًا، ثم تابعت البحث في أصل الرواية، وقرأت ما تيسر من كتاب بريت ماكغورك وأحاديثه عن لقائه بسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ولرواية التحديات وقع مختلف حين تسمعها بعدما رأيت وطنك يتجاوزها؛ تعرف شيئًا مما تحقق، ثم تعود إلى وقت كان على القيادة أن تختار فيه، قبل أن تعرف كيف ستنتهي الأحداث.
لعل أبرز ما استوقفني في مجمل الحديث ذلك الشعور العميق بالمسؤولية عن سيادة الوطن؛ أن تحمل مستقبل بلادك وأنت تواجه قرارات من الخارج تمس قدرتها على حماية حاضرها، وأن تناقش أمن شعبك وأنت تعرف ما تريد أن تتركه لأبنائه بعد سنوات. لذلك وجدت في موقف العلا ما يدعوني إلى الكتابة، وفاءً بموقف يستحق أن تعرفه الأجيال عن قادة هذه البلاد المباركة؛ فالأبناء الذين نرجو أن يقرؤوه غدًا، كان أمنهم وحقهم في الحياة الكريمة من أمانة ولي العهد وهو يناقش مستقبل وطنهم.
في بعض مقتطفات كتاب ماكغورك، الذي يمكن ترجمة عنوانه إلى «على الحافة»، يروي المؤلف كيف كُلّف بنقل توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة إلى القيادة السعودية، ومنها إجراءات تتعلق بالسلاح والحوثيين، مع تجنب قطيعة في العلاقة. وكان يرى أن إضعاف طرف واحد في الصراع اليمني قد يرجح كفة الحوثيين بدل أن يحقق السلام والاستقرار. فقد أدرك، وهو يستعد لنقل تلك القرارات، أنها قد تزيد الخطر على الدولة التي طُلب منه الحفاظ على العلاقة معها.
وفي حديثه إلى شبكة بي بي إس الأمريكية، روى ماكغورك أن ولي العهد سأله عن الفرق بين السلاح الهجومي والدفاعي، حين عرض عليه توجه الإدارة لوقف مبيعات أسلحة تصنفها بالهجومية. سؤال يعيد النقاش إلى ما كان ينبغي التثبت منه أولًا؛ فمن السهل أن تتداول السياسة وصفًا حتى يبدو معناه محسومًا، ثم تُبنى عليه قرارات يتحمل الناس نتائجها.
فالذي يملك تسمية الفعل يستطيع التأثير في الحكم عليه. ومتى قُبل التصنيف دون مناقشة، مضت القرارات مستندة إليه، وربما أغفلت ظروف التهديد ومسؤولية من يواجهه. في سؤال ولي العهد مطالبة بتفسير المعيار قبل ترتيب العواقب عليه؛ فأمن السعودية وأهلها لا يستوفيه وصف للسلاح يغفل ظروف استخدامه، وما تحتاج إليه البلاد لدفع الخطر عنها.
ومن حق الدولة أن يُسمع تقديرها لأمنها. فالمملكة تعرف طبيعة ما يهددها، وتتحمل واجب دفعه، ومن حقها أن تناقش ما يقدمه الشريك من أحكام تمس قدرتها على الحماية. وتزداد الشراكة ثقة حين يطمئن كل طرف إلى أن أمنه مأخوذ بجدية، وأن اختلاف التقديرات لا يُسقط ما تفرضه العلاقة من مسؤوليات.
ما زلت أذكر أصوات الاعتراضات الجوية في سماء جازان. كان انقضاء الصوت يعيدني إلى ما كنت أفعله، ثم يبقى في نفسي امتنان لقوة حالت، بتوفيق الله، بين الاعتداء وبين من نحب. ومن تلك التجربة أدركت ما يعنيه سؤال ولي العهد عن السلاح؛ فما تسميه السياسة هجوميًا أو دفاعيًا تتعلق به حياة أناس يريدون أن يطمئنوا إلى بيوتهم وغدهم. وفي خيمة العلا، منح الأمير محمد بن سلمان هذه الحياة حقها في النقاش، حين طالب بتفسير تصنيفٍ سيُبنى عليه قرار يمس وسائل حمايتها.
«ألا لا يجهلن أحدٌ علينا»؛ أستعيد كلمات عمرو بن كلثوم وأنا أتأمل سؤال محمد بن سلمان، فازداد اعتزازًا بالطريقة التي أخذ بها الحديث إلى ما يعنيه لأمن وطنه. جاء المبعوث بقرارات تحمل تصنيفاتها معها، فكان سؤال ولي العهد كافيًا لأن يصبح التصنيف نفسه موضع نقاش. وما أعتز به هنا أن أمن المملكة حظي بمن يعرف قيمته في حياة أهلها، ويناقش ما يمسه بثقة تليق ببلاده. وللسعودي مع وطنه صلة صنعتها أعوام عاشها مطمئنًا، وأحلام وجد في بلاده ما يعينه عليها؛ لذلك يستمع إلى هذا الموقف وهو يعرف شيئًا من قيمة ما يصونه ولي عهده حفظه الله. وتزداد كلمات الشاعر قربًا منه حين يجد عزة وطنه حاضرة في حجة قائده وثباته.
وفي بقية رواية ماكغورك ما يمنح اللقاء أهمية أخرى؛ فقد وصف ولي العهد بأنه كان يتحدث بمنطق صناعة السلام، مستعرضًا إمكان بدء حوار مع إيران عبر بغداد، والعمل على إنهاء الصراع اليمني. وبينما تدور المحادثة حول إجراءات أمريكية ضاغطة، كان الأمير محمد بن سلمان يناقش ما يمكن أن تصبح عليه المنطقة خلال السنوات المقبلة.
كان المبعوث يحمل ما تعتزم إدارته فعله، وكان محمد بن سلمان يعرف ما يريد لوطنه. وحين سأله عن السعودية بعد سنتين أو ثلاث، تحدث ولي العهد عن الحوار مع إيران وإنهاء الصراع اليمني، وعن تعاون البلدين لإنجاح هذه الجهود. وأحسب أن ما يستحق التأمل هنا هو قدرته على الاحتفاظ بتصوره للمستقبل وهو يناقش إجراءات تمس أمن بلاده؛ فلم يستغرقه الخلاف عن عرض ما يمكن العمل عليه، ولم يمنعه اهتمامه بالتعاون من مساءلة ما جاء به شريكه.
وفي ذلك ما يفسر اعتزازي بالموقف؛ فقد بقي تقدير المملكة لأمنها حاضرًا في الحديث، وبقي معها ما تطمح إلى إنجازه. فالبلاد التي تبني لعقود مقبلة تحتاج إلى أن تحمي وقتها أيضًا، وألا تستنفده في الاستجابة لما يقرره الآخرون. ومن هذه الجهة تتضح قيمة ما طرحه ولي العهد؛ إذ دعا إلى أعمال يمكن أن تقلل أسباب الصراع، وتمنح المملكة والمنطقة أعوامًا أقدر على البناء. وللسيادة هنا معنى يعيشه الناس في مستقبلهم: أن تظل لبلادهم القدرة على بلوغ ما اختارته لنفسها.
وللسعودية مشروع يتحدث عن كثير من اختياراتها. فما تقوم عليه رؤية السعودية 2030 من استثمار في الإنسان والاقتصاد يحتاج إلى عمل يمتد أعوامًا، وإلى ثقة تشجع الناس على التخطيط والمبادرة. وكلما اتسعت الحرب في المنطقة، نالت من هذه الثقة، وأهدرت موارد كان يمكن أن تخدم حياة شعوبها. ولذلك يحمي العمل من أجل الاستقرار ما تبنيه المملكة اليوم، وما سيعتمد عليه أبناؤها غدًا.
فالإنسان المطمئن إلى وطنه يستطيع أن يبدأ مشروعًا يحتاج إلى سنوات، وأن يخطط لتعليم أبنائه، وأن يعمل لثمرة قد يتأخر قطافها. وحين يستولي الخوف على أيامه، تضيق علاقته بالمستقبل حتى تصبح النجاة من يومه أكبر ما يرجوه. ولعل من أرفع ما تؤديه القوة أن تحفظ للناس قدرتهم على اختيار ما يفعلونه بأعمارهم، وأن يبقى للغد نصيب من جهدهم.
لقد أصابت الاعتداءات الحوثية مدنًا سعودية، ولمن تضرر منها ألم لا ينقضي بانقضاء الخبر. وتبقى مسؤولية الاعتداء على مرتكبيه، وحق المملكة في حماية مجتمعها قائمًا. وقد يطمع المعتدي، إلى جانب ما يحدثه من أذى، في أن يجعل الناس أسرى توقع هجومه المقبل. وحين تواصل السعودية تعليم أبنائها وبناء اقتصادها، فإنها تحمي حقهم في أن تستمر حياتهم، وألا يصبح التهديد هو الذي يقرر ما يستطيعون فعله.
وكان اتفاق استئناف العلاقات السعودية الإيرانية، المعلن في بكين في مارس 2023، مما أعادني إلى حديث ولي العهد في العلا عن إمكان الحوار مع إيران. ففي ذلك اللقاء كان يناقش ما تحتاج إليه المملكة لحماية أمنها، ويتحدث عما يرجوه للمنطقة بعد سنوات. ثم جاء الاتفاق مؤكدًا احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها؛ وهما أساسان لا يستقيم الجوار دونهما. ومن يعتز بحزم محمد بن سلمان في الدفاع عن وطنه، يجد ما يعتز به أيضًا في سعيه إلى تجنيبه أسباب الصراع، مع بقاء أمن المملكة وحقوقها موضع العناية في الحالتين.
وحملت زيارة سمو وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان إلى طهران، برفقة ممثلي دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، جهدًا سعوديًا لتجنيب المنطقة مزيدًا من التصعيد. فقد أوضحت وزارة الخارجية، في 26 أكتوبر 2026، أن الزيارة تأتي لتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم جهود الوساطة القطرية والباكستانية. وللسعي السعودي هنا قيمة يعرفها من شهد ما تتركه الحروب في أهلها؛ فخلف حسابات التصعيد أسر تخشى على أبنائها، وأناس قد تتبدل حياتهم بقرار مواجهة. لذلك أجد في تحرك المملكة ما يستحق الاعتزاز؛ دولة تستخدم ثقلها لإقناع الأطراف بالتفاوض، وتعمل كي لا تدفع الشعوب ثمن ما كان يمكن تجنبه.
أما فلسطين، فقد أثبتت المواقف تمسّك المملكة بحق الشعب الفلسطيني في أرضه ودولته. وأكدت موقفها للإدارة الأمريكية بوضوح: لا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ما لم يتم الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب وقف العدوان على غزة وانسحاب قوات الاحتلال منها. ولهذا الموقف تبعات تعرفها المملكة وتتحمل مسؤوليتها؛ ففي خضم الضغوط والمصالح، تتمسك بحق الفلسطينيين في أن يكونوا أصحاب السيادة على أرضهم. ومن هذا الالتزام تمضي جهودها لحشد الاعتراف بدولتهم وإنهاء الاحتلال، حتى يستطيع أبناؤهم أن يكبروا في وطن يملكون فيه أمرهم، ويأمنون فيه على حياتهم ومستقبلهم.
لذا اليوم أعود إلى خيمة العلا وقد ازددت اعتزازًا بموقف محمد بن سلمان؛ فقد ناقش ما يمس أمن بلاده، وفي ذهنه ما يريد إنجازه لها خلال السنوات المقبلة. وأجد في هذا ما يفسر اطمئنان السعودي إلى قيادته؛ فالأعمال التي يرجو ثمرتها، والآمال التي يعقدها لأبنائه، تحظى بمن يعرف قيمتها وهو يتخذ موقفه أمام الآخرين.
هذا الموقف العظيم يستحق أن يعرفه أبناؤنا في مدارسهم. يتابعون سؤال ولي العهد عن السلاح، وحديثه عن الحوار مع إيران وإنهاء الصراع اليمني، فيدركون ما يقتضيه حفظ الوطن من دقة في التفكير وقدرة على التعامل مع الخلاف. وحين يقرؤون الرواية، سيعرفون أن أمنهم الذي يألفونه، ومستقبلهم الذي يستعدون له، كانا أمانة يحملها ولي عهدهم في ذلك المجلس. ومع هذه المعرفة يكبر اعتزازهم بوطنهم، ويدركون قيمة ما ورثوه من أمن وسيادة، ومسؤوليتهم عن صونه للأجيال التي تأتي بعدهم.
في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، تبني السعودية ما تطمح إليه، وتصون حقها في أن تقرر طريقها. وللمواطن نصيبه من هذا الحق في اطمئنانه إلى غده، وفيما يتعلمه وينجزه، وما يرجوه لنفسه ولأبنائه. فالسيادة تبلغ حياة الإنسان حين يستطيع أن يرتب مستقبله على ثقته بوطنه، ويجد في استقراره ما يعينه على الوفاء بما بدأه من علم وعمل.
اليوم، ومع كل يوم نعيشه مطمئنين في هذا الوطن، يزداد اعتزازي بقيادة محمد بن سلمان، ويزداد تقديري لموقفه في خيمة العلا؛ فقد ناقش قرارًا في السلاح وهو يحمل أمانة أمن شعبه، وتحدث عن السلام وهو يفكر فيما تستطيع بلاده إنجازه خلال السنوات المقبلة. وفي هذا الموقف ما يستحق أن تتعلمه الأجيال عن السيادة؛ فحين يصون القائد حق وطنه في تقرير طريقه، يحفظ كذلك حقوق أناس لم يولدوا بعد. سيعيشون نتائج قرارات اتُّخذت قبلهم، ويبنون طموحاتهم على ما حُفظ لبلادهم من أمن واستقلال. وتلك أمانة أدّاها ولي العهد في ذلك المجلس؛ أن يبقى السعوديون آمنين في وطنهم، وأن يرث أبناؤهم وطنًا يملكون فيه أمر مستقبلهم.