«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي - جدة:
لم يكن يعلم أن زيارته العائلية إلى جدة ستغير مسار حياته، وأن العودة المؤقتة من الولايات المتحدة ستتحول إلى بداية مشروع مهني يمتد لأكثر من نصف قرن. ففي عام 1975، عاد الدكتور المهندس زهير حامد فايز من الولايات المتحدة، حيث كان يتابع دراساته العليا في جامعة ميشيغان، منشغلاً ببحث أكاديمي حول التنمية والتغير الاجتماعي، قبل أن يجد نفسه في قلب التحول العمراني الذي كانت تشهده المملكة، ويقرر أن يكون جزءاً من صناعته.
وتكشف شهادة شخصية نشرها الراحل في مجلة «أرامكو وورلد» في عدد مايو ويونيو 1979 عن بداية غير تقليدية لتجربته؛ إذ أوضح أنه عاد لحضور زفاف شقيقته وجمع بيانات بحثية لأطروحته، لكنه وجد نفسه أمام مكتب هندسي نما عدد العاملين فيه إلى نحو 40 موظفاً خلال عام واحد. لم يكن يخطط لهذا التحول، كما قال، غير أن ما كان يشهده من تغيرات متسارعة في المملكة جذبه، وأثار حماسته للمشاركة في بناء البلاد.
من هذه العودة التي تحولت إلى نقطة انطلاق، تتضح ملامح تجربة زهير فايز؛ رجل لم ينظر إلى العمارة باعتبارها مهنة لتشييد المباني فحسب، بل مجالاً لفهم تحولات المجتمع، والمشاركة في بناء مؤسساته، وتحويل المعرفة الأكاديمية إلى خبرة وطنية مستدامة.
من جدة إلى الجامعات الأمريكية.. تكوين يتجاوز حدود المبنى
ارتبطت رحلة الراحل بمدينة جدة، ومنها انطلق إلى الولايات المتحدة لاستكمال تعليمه، حيث حصل على بكالوريوس العمارة من جامعة كولورادو عام 1970، ثم الماجستير في العمارة والتصميم الحضري عام 1971، قبل أن يلتحق بجامعة ميشيغان عام 1972 لمتابعة الدكتوراه في العمارة.
ولم تكن دراساته العليا بعيدة عن أسئلة الواقع السعودي؛ فقد انصب اهتمامه البحثي على الإسكان والتحليل العمراني والعلاقة بين المكان والتحولات الاجتماعية. وهي موضوعات تضع الإنسان في قلب التفكير المعماري، وتتجاوز الشكل الجمالي للمبنى إلى فهم احتياجات السكان، وكيف تتغير أنماط السكن والحياة بتغير المجتمع والاقتصاد والمدينة.
كما اكتسب خبرة مهنية في الولايات المتحدة من خلال العمل مع مكاتب معمارية متخصصة، قبل عودته إلى المملكة حاملاً تكويناً يجمع بين المعرفة الأكاديمية والممارسة العملية، في مرحلة كانت فيها المدن السعودية تشهد توسعاً متسارعاً، وتتزايد الحاجة إلى خبرات وطنية تواكب متطلبات التنمية.
1975.. من مبادرة فردية إلى مؤسسة هندسية
في جدة، أسس زهير فايز عام 1975 شركة «زهير فايز ومشاركوه» (ZFP)، لتبدأ من مكتب هندسي رحلة مؤسسة استشارية توسعت عبر العقود في مجالات العمارة والهندسة والتخطيط وإدارة المشاريع.
ولم تكمن أهمية التجربة في تأسيس شركة تحمل اسمه فحسب، بل في النموذج المهني الذي عمل على ترسيخه؛ إذ جمع تخصصات متعددة تحت مظلة واحدة، وربط التصميم بالتخطيط والإشراف وإدارة المشاريع، مستثمراً في الكفاءات والأنظمة التي تجعل العمل الهندسي منظومة متكاملة، لا جهداً فردياً محدوداً.
ومن مكتب بلغ عدد العاملين فيه نحو 40 موظفاً خلال عامه الأول، وفق شهادته المنشورة عام 1979، اتسعت الشركة في العقود التالية، ونفذت مشاريع في المملكة والمنطقة. وأوردت مجلة MEED عام 2010 أن عدد العاملين فيها تجاوز 2900 بين المتخصصين والكوادر المساندة، في مؤشر على حجم التوسع الذي بلغته آنذاك.
وتشير بيانات الشركة إلى امتداد خبرتها لأكثر من خمسة عقود، وتنفيذها مشروعات كبرى في قطاعات متعددة. ومن المحطات اللافتة في مسيرتها حصولها عام 1996 على شهادتي الجودة ISO 9001 وTickIT، وتذكر الشركة أنها كانت أول مؤسسة استشارية متخصصة في العمارة والهندسة بالشرق الأوسط تحصل عليهما.
وتكشف هذه المحطات عن اهتمام مبكر بترسيخ ثقافة مهنية تقوم على الجودة وتكامل التخصصات وتراكم الخبرة؛ بما يجعل المؤسسة بيئة قادرة على إعداد الكفاءات وتطوير الممارسة والاستمرار، بعيداً عن ارتباطها بخبرة مؤسسها وحده.
العمارة.. حوار بين الإنسان والمكان
تقدم بعض الأعمال المعمارية الموثقة في أرشيف العمارة العربية مدخلاً لقراءة جانب من رؤية زهير فايز؛ فهي لا تكشف عن حلول وظيفية فحسب، بل عن اهتمام بالعلاقة بين المبنى ومحيطه، وبين متطلبات الاستخدام والهوية المعمارية.
ومن أبرزها مسجد أرامكو في الظهران، الذي ارتبط اسمه بتصميمه، ويجمع بين ملامح مستلهمة من العمارة الإسلامية وعناصر حديثة. فقد استلهم التصميم فكرة الفناء التقليدي للمسجد، ووظف الزجاج والعناصر المعاصرة، ليستوعب نحو 600 مصلٍ، مع إمكانية التوسع لاستقبال أعداد إضافية.
وفي مقابلة منشورة بمجلة متخصصة في التصميم، سُئل فايز عن مشروعه المفضل، فأجاب: «منزلي بالطبع!»، قبل أن يختار مسجد أرامكو بوصفه المشروع الثاني الأقرب إليه. إجابة شخصية تكشف جانباً من علاقته بالمهنة؛ فالمعماري الذي ارتبط اسمه بمشروعات كبرى ظل يرى في المنزل، بما يمثله من خصوصية وذاكرة وانتماء، قيمة تتجاوز حدود التصميم.
ومن الأعمال التي يوثقها الأرشيف مجمع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في الرياض، المنفذ عام 1984، والذي جمع أربعة قطاعات وزارية في مجمع واحد اتخذ شكلاً مربعاً يلتف حول فناء داخلي، في معالجة معمارية نظمت الوظائف الإدارية ضمن تكوين متماسك.
كما ارتبط اسمه بتصميم مركز معارض النفط التابع لأرامكو في الظهران، الذي فاز تصميمه بمسابقة ونُفذ عام 1997. وتبرز في هذا المشروع علاقته بالتضاريس المحيطة؛ إذ جاء متناغماً مع طبيعة الموقع الصخرية والتلال، مستخدماً واجهات خرسانية مسبقة الصب بألوان وملامس قريبة من البيئة الطبيعية، ليبدو المبنى امتداداً للمكان لا عنصراً طارئاً عليه.
وتكشف هذه النماذج عن تصور للعمارة يجمع بين الوظيفة والبيئة، والحداثة والهوية؛ وهو تصور يتصل باهتمامه الأكاديمي بالتخطيط الحضري والإسكان، حيث لا ينفصل المبنى عن حياة الإنسان والمدينة.
من هندسة المكان إلى بناء البيئة التعليمية
امتد اهتمام زهير فايز إلى التعليم، بوصفه ركيزة أساسية في بناء المجتمع وتطوير قدراته. وكان من الأعضاء المؤسسين لجامعة دار الحكمة في جدة عام 1997، وتولى رئاسة مجلس أمنائها، مشاركاً في مسيرة مؤسسة تعليمية سعت إلى توسيع فرص التعليم العالي للفتيات وإعداد كفاءات تسهم في التنمية.
ولا تتوقف أهمية هذه المشاركة عند التأسيس والموقع الإداري؛ إذ تشير مادة متخصصة في التصميم السعودي إلى اهتمامه بأعمال طالبات التصميم الداخلي في الجامعة، وحرصه على تطوير الفرص الأكاديمية المتاحة لهن، إلى جانب طموحه لتطوير قسم العمارة وبرامج الدراسة الخارجية.
وتكشف هذه التفاصيل عن اهتمام يتجاوز دعم المؤسسة التعليمية إلى متابعة ما تنتجه من معرفة ومواهب؛ فقد رأى في الجامعة مساحة لربط الدراسة بالممارسة، وإتاحة فرص أوسع أمام الطالبات لاكتساب خبرات متخصصة في التصميم والعمارة.
كما ارتبط اسمه بمدارس دار الفكر ومجالس أكاديمية واستشارية، في امتداد لاهتمامه بالتعليم وتطوير الكفاءات، وإيمانه بدور المؤسسات التعليمية في إعداد أجيال قادرة على المشاركة في مسيرة التنمية.
خبرة هندسية في المجال الوطني
امتد حضور الراحل إلى المشاركة في الشأن العام؛ إذ شغل عضوية مجلس الشورى خلال دورته الأولى بين عامي 1993 و1997، كما شارك في مجلس منطقة مكة المكرمة خلال الفترة من 2005 إلى 2009.
وارتبط كذلك بعدد من المؤسسات المهنية والاقتصادية، من بينها مجلس المهندسين السعودي ومجلس الأعمال السعودي الأمريكي والغرفة التجارية الصناعية بجدة، بما أتاح له توظيف خبرته في قضايا تتصل بالتنمية والاقتصاد والقطاع الهندسي.
وتعكس هذه المحطات انتقال خبرته من الممارسة المهنية إلى المشاركة في مؤسسات العمل الوطني، حيث تتقاطع المعرفة المتخصصة مع احتياجات المجتمع، وتتصل العمارة بالتخطيط والاقتصاد وتطوير المؤسسات.
حين اتسع مفهوم البناء إلى التقنية والإبداع
ومن الجوانب اللافتة في مسيرة زهير فايز اهتمامه بمجالات الترفيه المعرفي والتعليم التفاعلي والتقنيات الحديثة، بعد عقود من العمل في العمارة والاستشارات الهندسية.
فقد امتدت استثماراته ومشروعاته إلى مجالات الرسوم المتحركة، والواقع الافتراضي والمعزز، والتجارب التعليمية والترفيهية، من خلال مشروعات وشركات من بينها «Barajoun Entertainment» و«Midwam» و«Alif Baa International Systems»، وفق ما أوردته سيرته في مصادر متخصصة.
وتعكس هذه التوجهات انفتاحاً على توظيف التقنية في إنتاج المحتوى وصناعة تجارب جديدة للتعلم والتفاعل، بما يتجاوز الإطار التقليدي للاستشارات الهندسية. فالرجل الذي بدأ بتصميم المباني وتخطيط المساحات اتجه إلى استكشاف البيئات الرقمية والتجارب الإبداعية، موسعاً اهتمامه من تشكيل المكان المادي إلى ابتكار مساحات جديدة للتعلم والخيال.
جدة تودع أحد أبنائها
امتدت أصداء رحيله في جدة إلى الأوساط الرسمية والاجتماعية والهندسية، حيث قدم أمراء ومسؤولون ووجهاء وأعيان واجب العزاء إلى أسرته، في مشهد عكس ما حظي به من تقدير خلال مسيرته المهنية والاجتماعية.
وكان في مقدمة المواسين الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، والأمير عبدالرحمن بن تركي بن عبدالعزيز، والأمير سعود بن جلوي محافظ جدة، والأمير فيصل بن عبدالله الفيصل، والأمير فيصل بن سلطان العبدالله الفيصل، إلى جانب عدد من المسؤولين والشخصيات العامة ورجال الأعمال والأعيان.
والفقيد زوج السيدة سميرة محمد نيازي محمد مراد، وشقيق كل من محمد فايز، رحمه الله، والمهندسين سامي وحسين حامد فايز، ووالد در وبدر وعبدالله وعمرو وأحمد ومريم.
وأُديت الصلاة عليه فجر الجمعة في مسجد الجفالي بجدة، ووُوري جثمانه الثرى في مقبرة أمنا حواء، فيما استقبلت أسرته المعزين في منزل الشيخ صالح كامل، رحمه الله، بحي الشاطئ.
إرث يتجاوز الاسم والمبنى
في استعادة تجربة زهير فايز، تبدو الشهادات والمشروعات والمناصب ملامح لمسيرة أوسع؛ مسيرة رجل عاد من الجامعات الأمريكية في مرحلة كانت فيها المملكة تعيد تشكيل مدنها ومؤسساتها، فحوّل المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى مؤسسة، ثم امتد باهتمامه إلى التعليم والتقنية والمجالات الإبداعية.
وتتعدد دوائر أثره بين أعمال معمارية تحفظها ذاكرة المكان، ومؤسسة هندسية أسهمت في تطوير قطاع الاستشارات، ومشاركة في تأسيس بيئة تعليمية، وحضور في العمل الوطني، واهتمام بآفاق التقنية والمعرفة.
فالمدن لا تُبنى بالحجر وحده، ولا تقاس نهضتها بعدد منشآتها، بل بما يتشكل فيها من مؤسسات وخبرات وعقول قادرة على مواصلة العمل وتطويره. ولعل القيمة الأعمق في تجربته أنه لم يحصر إنجازه في حدود تخصصه، بل سعى إلى تحويل خبرته إلى عمل مؤسسي وفرص معرفية تتجاوز عمر صاحبها.
رحل زهير فايز، وبقيت حكايته جزءاً من ذاكرة التحول العمراني والمؤسسي في المملكة، ومن ذاكرة جدة التي انطلقت منها رحلته؛ حكاية رجل آمن بأن العودة بالعلم لا تكتمل إلا بتحويله إلى عمل، وأن الأثر الحقيقي يمتد إلى ما يتركه الإنسان للآخرين من خبرات وفرص ومسارات للمستقبل.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان.
{إنا لله وإنا إليه راجعون}.