د. طلال الحربي
لا يصلك الإنذار على جوالك في لحظة الخطر بضغطة زر عابرة، بل هو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من العمل المهني المنسّق تشارك فيه جهات عدة، وتتولى المديرية العامة للدفاع المدني إيصاله إليك في الوقت المناسب وبالصياغة الواضحة التي تحفظ أرواح الناس. وهذه المهمة الجليلة ليست إلا واحدة من مهام كثيرة تؤديها المديرية على أرض الواقع بصمت، وقلّما ينتبه الناس إلى حجمها إلا حين يحتاجون إليها.
فحين نتحدث عن إطفاء الحرائق، يتبادر إلى الذهن رجل يحمل خرطوماً ويواجه النار، لكن العمل الحقيقي لا ينتهي بانطفاء اللهب. بعد أن تهدأ النيران تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية: بحث وتدقيق عن أسباب الحريق، وتحليل لطريقة اندلاعه وانتشاره، ثم وضع الحلول الكفيلة بعلاجه ومنع تكراره. وهنا يتحول رجل الإطفاء إلى محقق وخبير وقائي، يحوّل الحادثة إلى درس يحمي غيره من المصير ذاته.
وللدفاع المدني حضور لا يغيب في الأزمات الكبرى حين تهطل الأمطار وتجري السيول وتفيض الأودية، فيكون رجاله في مقدمة الصفوف للإغاثة والمساعدة في حالات الطوارئ. وتمتد مهام الإنقاذ إلى تفاصيل صغيرة في ظاهرها، كبيرة في أثرها على من يعيشها: شخص احتُجز في مصعد معطل، أو يد علقت في آلة فرم، أو خاتم صغير التصق بإصبع حتى بات يهدد صاحبه. هذه المواقف قد تبدو بسيطة لمن يسمع عنها، لكنها لمن يعيشها لحظات خوف وألم، ويد الدفاع المدني فيها هي يد الطمأنينة.
أما السلامة فهي الوجه الأقل ظهوراً والأوسع أثراً في عمل المديرية. فلا يكاد يوجد مبنى في المملكة، حكومياً كان أو تجارياً أو سكنياً تجارياً كالشقق المفروشة والعمارات والأبراج، إلا وتخضع متطلبات السلامة فيه لمراجعة الدفاع المدني. أدوات الإطفاء ووسائل الإنذار والمخارج الطارئة والسلالم، كلها تفحص وتقاس بمعايير ومواصفات محددة، لأن المبنى الآمن لا يُقاس بجمال واجهته بل بقدرته على إخراج ساكنيه سالمين وقت الشدة. وكم من كارثة تفادتها المدن بفضل ملاحظة دونها مفتش على مخرج طوارئ مسدود أو طفاية منتهية الصلاحية، دون أن يعلم بها أحد.
ولأن الوقاية خير من العلاج، تحرص المديرية على نشر الوعي بين الناس عبر البرامج التوعوية والمعارض، وزيارات المدارس والمراكز التجارية للتعريف بطرق الوقاية والسلامة. فهي تدرك أن المجتمع الواعي شريك أصيل في حماية نفسه. وفي الجانب ذاته يؤدي معهد الدفاع المدني دوراً محورياً في تطوير كفاءة منسوبيه عبر برامجه التدريبية، ويفتح أبوابه للجهات الحكومية والخاصة لرفع مستوى الوعي والجاهزية لديها، فتتسع دائرة الأمان لتشمل المؤسسات كما تشمل الأفراد.
ولم يكن لهذا كله أن يتحقق لولا الدعم السخي الذي يحظى به الدفاع المدني، كغيره من الجهات، من لدن القيادة، حفظها الله، فوفّر له أحدث المعدات والتقنيات التي انعكست على مستوى الأداء وسرعة الاستجابة ودقتها. ويأتي ذلك بمتابعة حثيثة من صاحب السمو الملكي وزير الداخلية، الذي يولي هذا القطاع، كسائر قطاعات الوزارة، كل اهتمام ودعم. وبين يدي هذه الرعاية يقدّم منسوبات الدفاع المدني ومنسوبوه، من جنود وضباط صف وضباط، بإدارة سعادة مدير الدفاع المدني، كل ما في وسعهم لخدمة كل مقيم وزائر لهذه البلاد، بما يضمن سلامتهم وأمنهم، وذلك كله انطلاقاً من توجيهات القيادة الرشيدة.
وإن كنا نشكر أصحاب هذه البدلات الذين يقفون في وجه الخطر حين يفر منه الناس، فإن الشكر الأجدر بهم أن نقدّر عملهم حق قدره، وأن نلتزم بإرشاداتهم، ونتعاون مع فرقهم، فالأمان مسؤولية مشتركة، وهم أول من يذكّرنا بذلك، وآخر من يطلب شكراً.