د. عيسى محمد العميري
ما فتئت المملكة العربية السعودية تعزز حضورها الثقافي على الساحة الدولية، من خلال اهتمامها المتنامي بحماية التراث الإنساني، وصون المواقع التاريخية، وإبراز الموروث الحضاري الذي يعكس عمق تاريخها وتنوع ثقافتها، ويأتي هذا الحضور في إطار رؤية المملكة 2030، التي جعلت الثقافة والتراث من الركائز المهمة للتنمية الوطنية، وأحد المسارات التي تسهم في تعزيز مكانة السعودية عالمياً. ويبرز التعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» بوصفه مجالاً مهماً لتوثيق هذا الإرث وإيصاله إلى العالم، فقد سجلت المملكة ثمانية مواقع في قائمة التراث العالمي، من بينها موقع الحجر الأثري، وحي الطريف في الدرعية، وجدة التاريخية، والفن الصخري في منطقة حائل، وواحة الأحساء، ومنطقة حمى الثقافية، والمنظر الثقافي لمنطقة الفاو الأثرية، إضافة إلى محمية عروق بني معارض الطبيعية، ولا تقتصر أهمية هذه المواقع على قيمتها التاريخية، بل تمتد إلى ما تقدمه من فرص للتعريف بالحضارات التي تعاقبت على أرض الجزيرة العربية، ومسارات التجارة القديمة، وأنماط الحياة التقليدية، والعلاقة بين الإنسان والبيئة، وتأتي العلا في مقدمة الوجهات التي تجسد هذا التنوع، بما تحتضنه من نقوش أثرية وشواهد حضارية تعكس تواصل المجتمعات وتبادل المعارف عبر القرون، كما تسهم الجهود البحثية والتوثيقية في حفظ هذه الشواهد وإتاحتها للأجيال المقبلة.
وفي مجال التراث الثقافي غير المادي، حققت المملكة حضوراً لافتاً عبر تسجيل عناصر تعبر عن هويتها وتقاليدها الاجتماعية، مثل القهوة العربية، والعرضة السعودية، والخط العربي، وفن القط العسيري، والصقارة، والنخلة، والسدو، والبشت، وممارسات الحناء، وثقافة الورود الطائفية. وتمثل هذه العناصر صورة حية لقيم الكرم والضيافة والإبداع والارتباط بالأرض، كما تؤكد أن التراث ليس مجرد آثار محفوظة، بل ممارسات تتناقلها الأجيال وتظل جزءاً من الحياة اليومية. وعلى الصعيد الثقافي، تفتح المتاحف والمعارض والمهرجانات والفعاليات التراثية أبواباً واسعة أمام الجمهور للتعرف على تاريخ المملكة وفنونها التقليدية، كما تسهم ورش الحرف اليدوية، وبرامج تعليم الخط العربي، وعروض الفنون الشعبية، والأنشطة التعليمية الموجهة للشباب والطلاب، في تعزيز الوعي بالهوية الوطنية وتشجيع الأجيال الجديدة على المشاركة في حماية الموروث الثقافي وتطويره، وتنعكس هذه الجهود كذلك على السياحة الثقافية والاقتصاد الإبداعي، من خلال استقطاب الزوار، ودعم الحرفيين والمنتجين المحليين، وخلق فرص عمل جديدة، وتطوير تجارب سياحية تجمع بين المعرفة والترفيه، ويعزز التعاون الدولي تبادل الخبرات في مجالات الترميم والتوثيق وإدارة المواقع التاريخية، بما يساعد على تحقيق التوازن بين المحافظة على التراث والاستفادة منه بصورة مستدامة. إن تنامي الحضور السعودي في اليونسكو يؤكد أهمية الثقافة باعتبارها جسراً للتواصل بين الشعوب، وأداة لتعريف العالم بتاريخ المملكة وإنجازاتها الحضارية. ومع استمرار المبادرات الوطنية والشراكات الدولية، تمضي السعودية في حماية إرثها وتقديمه برؤية معاصرة، لتبقى مواقعها التاريخية وتقاليدها الأصيلة شاهداً على حضارة عريقة تتطلع بثقة إلى المستقبل. والله ولي التوفيق.
** **
- كاتب كويتي