أحمد آدم
تترقب منطقة الشرق الأوسط والعالم لحظة فارقة تُصاغ فيها خريطة النفوذ والقوة من جديد؛ ففي الوقت الذي يتطلع فيه الملايين إلى أن تحسم صناديق الاقتراع في واشنطن وتل أبيب خروج الكبار من مشهد السلطة وتنهي حقبة من التهور السياسي، تشير المعطيات الحاكمة إلى أن أخطر فترات الصراع لم تبدأ بعد.
إن تقاطع التوقيتات بين نتائج الانتخابات وتاريخ تسلم المقاعد، يفتح «نافذة لا-محاسبة» زمنية قد تدفع نحو خيارات عسكرية غير مسبوقة. فهل تشهد المنطقة انفجاراً إقليمياً في أسابيع «البطة العرجاء»، أم أن كوابح المؤسسات الأمنية العميقة والقوى الدولية ستنجح في فرملة هذا الاندفاع قبل فوات الأوان؟.
أولاً: حسم الكنيست وسباق الكونغرس.. قراءة في خريطة المشهد المأزوم
1 - الأوضاع في إسرائيل: وفقاً لما رصدته وكالات الأنباء العالمية مثل فرانس برس (AFP) والجزيرة وصحيفة هآرتس، تشهد الساحة الإسرائيلية انقساماً شعبياً حاداً تجسد في الشارع كالآتي:
أ - تظاهر آلاف الإسرائيليين (نحو 2000 متظاهر في ساحة هابيما بتل أبيب وحدهما، بالإضافة إلى تجمعات في القدس وحيفا وقيسارية). رفع المتظاهرون لافتات كُتب عليها: «67 مقعداً - معاً ننتصر»، و»العرب واليهود سيفوزون معاً فقط». تهدف هذه التجمعات إلى الضغط على «كتلة التغيير» والمعارضة لعدم التردد في إشراك النواب العرب بدلاً من الذهاب لجولة انتخابية أخرى أو تشكيل حكومة وحدة مع اليمين.
ب - في المقابل، خرج المئات من أنصار بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف في مسيرات مضادة بنفس المواقع. رددوا شعارات مثل «إما اليمين أو فلسطين» وهاجموا النواب العرب، معتبرين أن أي حكومة تعتمد على الصوت العربي تعد «كارثة ومرفوضة».
جـ - على الرغم من الضغط الشعبي، فإن قادة المعارضة الرئيسيين (غادي أيزنكوت، نفتالي بينيت، وأفيغدور ليبرمان) ما زالوا يبدون تحفظات شديدة وخطوطاً حمراء تجاه الدخول في ائتلاف رسمي مباشر مع الأحزاب العربية. في المقابل، بدأ رئيس حزب «الديمقراطيين» (يسار الوسط) يائير غولان خطوات عملية، حيث أجرى اتصالات ولقاءات مع قادة الأحزاب العربية (منصور عباس، يوسف جبارين، وأحمد الطيبي) لبحث صيغ العمل المشترك لقطع الطريق أمام عودة نتنياهو. الكرة الآن في ملعب رئيس الدولة إسحق هرتسوغ الذي سيتلقى النتائج الرسمية لتبدأ بعدها المهلة القانونية لاستشارات التكليف.
2 - الأوضاع في أمريكا: الأمتار الأخيرة من السباق الانتخابي: تتزايد الأجواء سخونة في الولايات المتحدة مع بدء يوم الاقتراع. يواصل دونالد ترامب جولات انتخابية مكثفة، متبنياً خطابات هجومية تركز على قضايا الهجرة ونظريات المؤامرة.
علاقة ترامب ونتنياهو: أفادت تقارير إعلامية بوجود تواصل هاتفي بين ترامب ونتنياهو لبحث مستجدات الصراع مع إيران، تزامناً مع وجود أنباء تشير إلى تباين في وجهات النظر بين الطرفين بشأن استئناف الضربات ضد طهران.
تراجع الدعم للدولة العبرية: أظهرت مؤشرات استطلاعات الرأي (مثل مركز بيو للأبحاث) تراجعاً تاريخياً ملحوظاً في شعبية إسرائيل داخل أوساط الحزب الديمقراطي والمستقلين، مما يشكل ضغطاً على أي حكومة إسرائيلية قادمة لإعادة بناء الدعم الثنائي في الكونغرس.
3 - استمرار نتنياهو رغم الخسارة المتوقعة لمنصبه: بناءً على القوانين والممارسات الدستورية المعمول بها في إسرائيل (قانون الأساس: الحكومة)، فإن بنيامين نتنياهو لن يترك منصبه فوراً بمجرد بدء المباحثات، بل سيبقى في منصبه رئيساً لوزراء حكومة تسيير أعمال لفترة تتراوح بين شهر ونصف إلى شهرين ونصف تقريباً (من 45 إلى 75 يوماً) من تاريخ بدء الاستشارات الرسمية، وحتى اللحظة التي تؤدي فيها الحكومة الجديدة اليمين الدستورية أمام الكنيست.
4 - تسلم الديمقراطيين مقاعدهم بعد انتهاء الانتخابات: سيتسلم الفائزون الجدد في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مقاعدهم رسمياً في الثالث من يناير لعام 2027 عند الساعة 12:00 ظهراً بتوقيت واشنطن.
بموجب التعديل العشرين للدستور الأمريكي، ينتهي تفويض الكونغرس الحالي (الـ119) ويبدأ عمل الكونغرس الجديد (الـ120) في هذا الموعد المحدد تماماً. ومع ذلك، هناك بضعة تفاصيل إجرائية مهمة تصاحب هذا اليوم:
أ - بما أن يوم 3 يناير 2027 يصادف يوم أحد، يمتلك الكونغرس المنتهية ولايته الحق القانوني في تمرير تشريع بسيط لتأجيل الجلسة الافتتاحية والقسم لبضعة أيام (مثلما حدث سابقاً وتأجلت إلى 4 أو 6 يناير) لتجنب الانعقاد في عطلة نهاية الأسبوع.
ب - لا يمكن لأعضاء مجلس النواب الجدد أداء اليمين الدستورية إلا بعد انتخاب «رئيس مجلس النواب. وتبدأ الجلسة الأولى تحت إشراف أمين المجلس لتصويت الأعضاء، وبمجرد انتخاب الرئيس الجديد، يقوم بأداء القسم أولاً ثم يشرع في تسمية وقسم بقية النواب جماعياً.
جـ - نظراً لأن مجلس الشيوخ يُوصف بأنه «مجلس مستمر» (يُجدد ثلثه فقط كل عامين)، فإن الأعضاء المستمرين يباشرون أعمالهم فوراً، ويقوم نائب رئيس الولايات المتحدة (بوصفه رئيساً لمجلس الشيوخ) بالإشراف على قسم الثلث الجديد المنتخب.
تُسمى الفترة الممتدة ما بين يوم الاقتراع (نوفمبر) وحتى تسلّم المقاعد في (يناير) فترة «البطة العرجاء». وخلالها يحتفظ النواب الخاسرون أو المتقاعدون بكامل صلاحياتهم التشريعية حتى دقيقة واحدة قبل ظهر يوم 3 يناير.
ثانياً: نافذة «اللا-محاسبة».. كيف تحول فترة ترامب إلى حقل ألغام؟
أخطر السيناريوهات، حيث تلتقي الحسابات السياسية والنزعات الشخصية لزعيمين يواجهان مأزقاً وجودياً، مما يرفع احتمالات التصعيد العسكري إلى ذروتها في تلك الأسابيع الحرجة بين نوفمبر وديسمبر ويناير. وبناءً على التقييمات العسكرية والتحليلات الجيوسياسية، فيما يلي قراءة لكيفية تحول هذا الجدول الزمني والديناميكيات النفسية إلى حقل ألغام في الشرق الأوسط:
1 - تقاطع التوقيتات وحرية الحركة (نافذة اللا-محاسبة):
أ - يدرك نتنياهو أن خسارته للحكومة تعني عودته لصفوف المعارضة واستئناف محاكماته القضائية التي قد تؤدي به إلى السجن. بالتالي، فإن بقاءه في منصبه حتى يناير يمنحه دافعاً لخلق «حالة طوارئ قصوى» تؤجل انتقال السلطة أو تخلط الأوراق السياسية داخل إسرائيل لإفشال تحالف أيزنكوت.
ب - في النظام الأمريكي، يمتلك الرئيس وفريقه في فترة الرئيس ترامب (إذا خسروا التجديد النصفي) كامل الصلاحيات الدستورية كقائد أعلى للقوات المسلحة. النرجسية السياسية هنا قد تدفع نحو مبدأ «بعدي الطوفان» أو الرغبة في ترك «إرث حاسم» غير قابل للإلغاء من قِبل الإدارة القادمة، خاصة فيما يتعلق بإنهاء التهديد النووي الإيراني.
2 - الاندفاع نحو إيران: عمليات غير مسبوقة: من الناحية العسكرية، تقاطع مصالح الرجلين في هذه الفترة قد يترجم إلى ضربة استراتيجية مشتركة وموسعة ضد طهران تشمل (المنشآت النووية الحيوية مثل نطنز وفردو - البنية التحتية النفطية والاقتصادية لإضعاف النظام بالكامل - مراكز القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري)، والزعيمان قد يريان في هذه الخطوة مخرجاً لفرض أمر واقع جديد لا يمكن للقادة الجدد (أيزنكوت في إسرائيل أو الإدارة الديمقراطية في واشنطن) التراجع عنه.
3 - العقيدة الإيرانية الجديدة: «بلا خطوط حمراء»: في المقابل، تؤكد التصريحات والتحركات الاستخباراتية أن إيران غيرت استراتيجيتها من «الصبر الإستراتيجي» إلى «الردع الوجودي». إذا شعرت طهران أن الضربات تستهدف بقاء النظام، فإن ردها سيتجاوز بالفعل قواعد الاشتباك السابقة:
أ - الرد لن يقتصر على إسرائيل، بل سيستهدف القواعد الأمريكية في المنطقة ومصادر الطاقة في الخليج لشل الاقتصاد العالمي.
ب - تحريك شامل لكافة الجبهات في وقت واحد (لبنان، العراق، اليمن) لإحداث صدمة عسكرية مشبعة لمنظومات الدفاع الجوي.
4 - تعليمات المرشد: الرد الإيراني سيكون بلا حدود جغرافية: تحذيرات طهران الأخيرة بشأن رد «بلا حدود جغرافية» تشمل بشكل رئيسي جمهورية أذربيجان التي تمثل بالنسبة للمخطط العسكري الإيراني «خاصرة رخوة» ومصدر تهديد إستراتيجي مباشر.
عملياً، لا تقتصر التهديدات الإيرانية لأذربيجان على مجرد التلميح، بل تحولت إلى واقع ميداني مشحون بالرسائل العسكرية المباشرة:
أ - ما الذي ترصده إيران في أذربيجان؟ تستند التحذيرات الإيرانية المتصاعدة إلى رصد مكثف لثلاثة ملفات حاسمة:
- رصدت منصات ملاحية (مثل فلايت رادار 24) في فترات التصعيد قيام القوات الجوية الأمريكية بتسيير عشرات رحلات الشحن العسكري المكثفة وبوتيرة تصاعدية إلى منطقة القوقاز (أذربيجان وأرمينيا). تفسر طهران هذا التحرك بأنه محاولة أمريكية لتطويق جبهتها الشمالية وتجهيز بنية تحتية هجومية.
- تتهم طهران باكو صراحة بالسماح لجهاز «الموساد» ووحدات الكوماندوز الإسرائيلية بإنشاء مواقع مراقبة وسرقة وثائق حساسة واستخدام مطاراتها كقواعد انطلاق متقدمة لطائرات استطلاع أو مسيرات تابعة لخصوم إيران.
- تشير تقارير استخباراتية وتصريحات لمسؤولين إيرانيين (مثل حجة الإسلام ساراي، ممثل المرشد في تبريز) إلى أن إيران تمتلك معلومات عن إمكانية منح أذربيجان إذنًا أو تسهيلات لوجستية للقوات الأمريكية والمنظومات الدفاعية لمواجهة طهران في حال اندلاع جولة جديدة من الحرب.
ب - الرسائل الميدانية: ضربة «نخجوان» كنموذج: التلميح تحول سابقاً إلى تبادل رسائل خشنة؛ حيث شهد جيب «نخجوان» التابع لأذربيجان هجوماً بطائرات مسيرة انتحارية (مثل مسيرات أراش-2) طال محيط مطار نخجوان الدولي. ورغم النفي الإيراني الرسمي للعملية واعتبارها «راية كاذبة»، إلا أن الرسالة المبطنة لباكو كانت واضحة: منشآتكم الحيوية ومطاراتكم ستكون في مرمى النيران إذا استُخدمت جغرافيتكم ضدنا.
جـ - الموقف الأذربيجاني الحذر: السير على حبل مشدود: تدرك باكو خطورة الانزلاق إلى هذا المستنقع، لذلك تحاول المناورة. فقد بعث الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف برسائل واضحة لطهران وواشنطن يطلب فيها تحييد بلاده تماماً عن الصراع. كما أبلغت باكو القادة العسكريين الإيرانيين (عبر قنوات تنسيق شملت تركيا) أنه لا توجد قواعد عسكرية أمريكية رسمية أو دائمة فوق أراضيها مخصصة لضرب إيران.
ومع ذلك، فإن العلاقات العسكرية الوثيقة بين باكو وتل أبيب، والاعتماد الأوروبي المتزايد على الغاز الأذربيجاني كبديل للغاز الروسي، يجعل من أذربيجان هدفاً استراتيجياً عالي القيمة ضمن عقيدة «الرد الجغرافي المفتوح» الإيرانية.
إدراج جبهة القوقاز (أذربيجان) إلى جانب جبهات الخليج العربي والبحر الأحمر يعني عملياتياً أن إيران قامت بالفعل بتحديث «بنك أهدافها» ليشمل طوقاً جغرافياً كاملاً يحيط بها من الشمال والجنوب، لضمان ألا تنطلق أي ضربة ضدها دون دفع ثمن فوري باهظ.
5 - الضرر الشديد على دول الشرق الأوسط: اشتعال المنطقة في هذا التوقيت بالذات سيصيب دول الجوار بأضرار بالغة على عدة مستويات:
أ - اقتصادياً: قفزة جنونية في أسعار النفط، وتوقف حركة الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، مما يضرب سلاسل الإمداد ويفجر التضخم.
ب - أمنياً وسيادياً: دول مثل العراق، سوريا، ولبنان ستتحول إلى ساحات معارك مفتوحة، بينما ستواجه دول الطوق الأخرى ضغوطاً هائلة لحماية أجوائها وحدودها من الصواريخ والطائرات المسيرة العابرة.
هذا السيناريو يجعل من شهرين «انتقال السلطة» في واشنطن وتل أبيب الفترة الأكثر حساسية وخطورة على الأمن الإقليمي والعالمي منذ عقود.
ثالثًا: الارتدادات الاقتصادية والمصرفية..
عندما تنتقل الحرب من الميدان إلى الأسواق
لن تتوقف تداعيات السيناريو العسكري المحتمل عند حدود الخسائر البشرية والعسكرية، بل قد تتحول المواجهة الممتدة من نوفمبر وحتى مطلع يناير إلى صدمة اقتصادية ومالية تضرب المنطقة والعالم، خصوصًا إذا تزامن التصعيد مع اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، أو استهداف منشآت الطاقة والموانئ والبنية التحتية الحيوية.
1 - صدمة الطاقة والتضخم العالمي: إن تعرض صادرات النفط والغاز الخليجية للتهديد، أو تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، سيؤدي إلى ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة، وقد يدفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات تضغط على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة.
ولا تقتصر المشكلة على ارتفاع أسعار الوقود، بل تمتد إلى تكاليف الإنتاج والنقل والكهرباء والأسمدة والصناعات الغذائية، بما يهدد بإعادة إشعال موجة تضخمية عالمية، ويضع البنوك المركزية أمام معضلة صعبة بين احتواء التضخم والمحافظة على النمو الاقتصادي.
2 - اختناق التجارة وسلاسل الإمداد: إن تزامن اضطراب الخليج مع اضطراب البحر الأحمر وباب المندب سيضاعف المخاطر على حركة التجارة الدولية، ويرفع تكاليف التأمين والشحن ويطيل فترات وصول البضائع. وستكون الاقتصادات العربية المستوردة للغذاء والمواد الخام والسلع الوسيطة من أكثر الاقتصادات تعرضًا لهذه الصدمة، كما ستواجه الشركات الصناعية والتجارية صعوبة في الحفاظ على انتظام عمليات الإنتاج والتوريد.
3 - ضغوط العملات الأجنبية والاحتياطيات: قد يؤدي ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة والغذاء والشحن، بالتزامن مع احتمال خروج الاستثمارات قصيرة الأجل من الأسواق الناشئة، إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية والضغط على الاحتياطيات الدولية.
وتتضاعف المخاطر لدى الدول التي تعاني بالفعل من ارتفاع أعباء الدين الخارجي أو محدودية مصادر النقد الأجنبي، بما قد يفرض عليها المفاضلة بين تمويل الواردات الأساسية والوفاء بالالتزامات الخارجية.
4 - انتقال الأزمة إلى الجهاز المصرفي: يمثل انتقال الصدمة الجيوسياسية إلى محافظ الائتمان والسيولة المصرفية أحد أخطر التداعيات المحتملة؛ إذ قد تتعرض الشركات العاملة في قطاعات الاستيراد والتصدير والنقل والسياحة والصناعة لاضطرابات في التدفقات النقدية، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتأخر تحصيل مستحقاتها.
وقد تنعكس هذه التطورات على قدرة بعض العملاء على سداد التزاماتهم المصرفية، وتؤدي إلى زيادة طلبات تجديد التسهيلات الائتمانية، وارتفاع مخاطر التعثر، فضلًا عن زيادة احتياجات البنوك إلى السيولة بالعملات الأجنبية. ولا ينبغي للبنوك العربية أن تقصر تقييم المخاطر على مواقع عملائها الجغرافية، بل يجب أن يمتد إلى الموردين والمشترين وشركات الشحن والممرات البحرية التي تعتمد عليها سلاسل التوريد الخاصة بهؤلاء العملاء.
5 - التوصيات الاقتصادية والمصرفية لاحتواء الصدمة
أ - على الحكومات والبنوك المركزية إعداد اختبارات ضغط اقتصادية تتضمن سيناريوهات ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والشحن، وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي، وزيادة الطلب على العملات الأجنبية.
ب - مراجعة كفاية الاحتياطيات الدولية ومصادر تمويل الواردات الاستراتيجية، وتأمين خطوط تمويل تجاري بديلة تحسبًا لتعطل الممرات البحرية.
جـ - إلزام البنوك بإجراء مراجعة عاجلة لانكشافاتها الائتمانية على القطاعات الأكثر تعرضًا للمخاطر الجيوسياسية، مع تحديد العملاء الذين تعتمد تدفقاتهم النقدية على مناطق الصراع أو الممرات البحرية المهددة.
د - تعزيز احتياطيات السيولة بالعملات الأجنبية، ومراجعة آجال استحقاق التمويلات والاعتمادات المستندية، وإعداد خطط استمرارية الأعمال المصرفية في حالات الطوارئ.
هـ - إنشاء آلية تنسيق اقتصادي عربي بين البنوك المركزية ووزارات المالية والتجارة والطاقة لتبادل المعلومات، وتأمين إمدادات السلع الأساسية، وتوفير ترتيبات تمويل طارئة للدول الأكثر تعرضًا للصدمة.
و - تجنب اتخاذ قرارات نقدية أو ائتمانية متسرعة استجابة للصدمات المؤقتة، مع الحفاظ على القدرة على التدخل السريع إذا تحولت الضغوط إلى اختلالات مستمرة في أسواق العملات والسيولة.
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في ارتفاع تكلفة الحرب، بل في انتقال آثارها إلى ميزانيات الدول والشركات والبنوك، وتحول الصدمة العسكرية المؤقتة إلى أزمة مديونية وسيولة ونمو قد تستمر آثارها لسنوات بعد توقف العمليات القتالية.
رابعاً: فرملة الاندفاع.. هل تنجح الدولة
العميقة والقوى الكبرى في تصفيح الإقليم؟
المنعطف المشترك بين نتنياهو وترامب، والاندفاع المحتمل نحو تصعيد عسكري غير مسبوق ضد إيران، يضع المؤسسات الأمنية العميقة والقوى الدولية أمام اختبار حقيقي لمنع انهيار الشرق الأوسط.
1 - كبح الاندفاع (آليات «الدولة العميقة» والمؤسسات العسكرية): في الأنظمة المؤسسية مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، لا يمتلك الرئيس أو رئيس الوزراء حرية مطلقة لتفجير حرب إقليمية شاملة دون المرور عبر قنوات معقدة. إذا استشعرت الأجهزة الأمنية وجود «جنون نرجسي» أو قرار متهور، فإنها تمتلك أدوات قوية للفرملة:
أ - في الولايات المتحدة (البنتاغون والاستخبارات)
- يمتلك رئيس هيئة الأركان المشتركة وقادة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) الحق الدستوري في رفض أي أمر عسكري يُصنف بأنه «غير قانوني» أو «غير مبرر استراتيجياً». وقد رأينا نموذجاً تاريخياً لذلك في أواخر عهد ترامب الأول، عندما اتخذ الجنرال مارك ميلي إجراءات سرية لضمان عدم إطلاق سلاح نووي أو شن حرب مفاجئة دون موافقته.
- يستطيع البنتاغون والمخابرات المركزية (CIA) إبطاء التنفيذ عبر طلب خطط بديلة، أو المبالغة في تقدير الخسائر البشرية والاقتصادية لإجبار البيت الأبيض على التراجع، أو تسريب الخطط للإعلام لإحداث ضغط شعبي ودبلوماسي دولي يجهض العملية قبل بدئها.
- يستطيع الكونغرس، حتى في فترة «البطة العرجاء»، التلويح بـ «قانون صلاحيات الحرب» لتقييد أي تمويل عسكري لأي حرب غير معلنة.
ب - في إسرائيل (الجيش والشاباك والموساد)
- يحظى رؤساء الأجهزة الأمنية (رئيس الأركان، رئيس الموساد، رئيس الشاباك) بوزن قانوني وسياسي هائل في إسرائيل. إذا وجدوا أن قرار نتنياهو نابع من رغبة في البقاء السياسي وليس لحماية الأمن القومي، فبإمكانهم رفض تقديم التغطية العملياتية، وإبلاغ «المجلس الوزاري المصغر» (الكابينيت) صراحة بأن العملية تشكل خطراً وجودياً على إسرائيل.
- يمتلك المستشار القانوني القدرة على إعلان أن قرار رئيس الوزراء «غير قانوني» لأنه اتُّخذ في ظل حكومة تسيير أعمال تفتقر إلى التفويض الشعبي لشن حروب كبرى، مما يشل قدرة نتنياهو الدستورية على إصدار الأوامر للجيش.
2 - مواقف القوى الإقليمية والعالمية (جدار الصد الخارجي): إذا فشلت الكوابح الداخلية في واشنطن وتل أبيب، سينتقل ثقل منع الكارثة إلى القوى الدولية والإقليمية التي ترفض تماماً اشتعال الشرق الأوسط:
أ - القوى العالمية (روسيا والصين)
- روسيا (الحليف العسكري لإيران): موسكو لن تقف متفرجة؛ نظراً للتحالف الاستراتيجي المتنامي مع طهران (تزويدها بمسيرات وصواريخ وسلاح جوي). قد تقوم روسيا بتزويد إيران فوراً بمنظومات دفاع جوي متطورة مثل S-400 ومعلومات استخباراتية حية عبر الأقمار الصناعية للتشويش على الهجمات الأمريكية -الإسرائيلية، بالإضافة إلى استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن لإدانة أي تحرك.
- الصين (المستهلك الأكبر للنفط): ترى بكين في الشرق الأوسط شرياناً حيوياً لطاقتها ومبادرتها «الحزام والطريق». سقوط المنطقة في حرب شاملة يهدد بانهيار اقتصادي صيني. ستستخدم الصين نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي الهائل، وقد تهدد بعقوبات أو سحب استثمارات وضغوط مالية على السندات الأمريكية لفرملة واشنطن.
ب - القوى الإقليمية (الدول العربية الكبرى ودول الخليج)
- رفض استخدام الأجواء والقواعد: ستعلن دول الخليج (وعلى رأسها السعودية والإمارات) موقفاً حاسماً وحازماً برفض استخدام أجوائها أو قواعدها العسكرية المتركزة على أراضيها لشن أي هجمات ضد إيران. هذا الإغلاق للأجواء سيصيب الخطط العسكرية الأمريكية والإسرائيلية بصعوبات لوجستية بالغة.
- قنوات خلفية مع طهران: ستبادر هذه الدول إلى فتح خطوط اتصال ساخنة ومباشرة مع إيران للتأكيد على حيادها التام في هذا الصراع، وذلك لحماية بنيتها التحتية النفطية والاقتصادية من أي رد فعل إيراني انتقامي «بلا خطوط حمراء».
- الضغط الدبلوماسي: ستقود الدول العربية حراكاً دولياً مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة للضغط من أجل وقف فوري لإطلاق النار، وإيجاد صيغة دولية ملزمة تضمن عدم انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة.
إن «النزعة النرجسية» للاندفاع نحو الحرب ستصطدم بجدار سميك من الكوابح المؤسسية في الداخل، ومقاومة شرسة من شبكة المصالح الدولية والإقليمية في الخارج، مما يمنع أو على الأقل يعقد بشدة تحول هذا السيناريو الانتحاري إلى واقع ملموس.
في النهاية يمكننا القول: إن المنطقة لا تقف اليوم أمام مجرد انتقال رواد السلطة في واشنطن وتل أبيب، بل أمام اختبار تاريخي لإرادة المؤسسات والقوى الإقليمية في مواجهة مغامرات اللحظات الأخيرة.
إن الأسابيع القادمة لن تحسم فقط مآلات الشتاء الساخن، بل ستصيغ قواعد اللعبة الجيوسياسية في الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة؛ فإما حكمة تفرمل اندفاع النرجسية السياسية على عتبة «البطة العرجاء»، وإما تدحرج نحو مواجهة مفتوحة لا خطوط حمراء فيها ولا غالب فيها إلا الدمار.