الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الجزيرة
Monday 06th November,2006 العدد : 175

الأثنين 15 ,شوال 1427

(حكاية الجنية) لغازي القصيبي تدعم فكرة التمييز ضد المرأة العربية «1-2»
(النص الرديء أكثر إثارة لتحريض شهوة التأويل)
سهام القحطاني
لعل إطلاق الحكم بالفشل والنجاح على أي نص أدبي، هو حكم خاطئ لاعتبارات عدة، منها أن ناتج حكم تقويم أي نص أدبي كمفهوم نقدي، يدور داخل دائرة الجودة والرداءة، لا النجاح والفشل، وهذا يعني بدوره أننا بموجب هذا المفهوم النقدي نعمل وفق مقاييس وضوابط فنية لتعريف العمل وتقدير جودته ورداءته، وهو تقدير غالباً تتحكم فيه نسبية توافر الضوابط والمقاييس من انفلاتها. بمعنى أن الرداءة لا تعني العدمية كما تعنيها دلالة الفشل. أما الفشل والنجاح فهما اعتباران تقويميان عادة لا يتأثران بجودة تطبيق مقاييس وضوابط الفن الأدبي، بل يتأثران بعوامل عدة أغلبها يعود لحاجات المتلقي التعبيريّة. وهذا يعني أيضاً أن دلالتي الفشل والنجاح كحكم تقويمي دلالة جماهيرية، في حين أن دلالتي الجودة والرداءة هو حكم فني يعني أن تقدير العمل بالجودة والرداءة يختلف عن الحكم عليه بالفشل أو النجاح. وهذا ما يجعل العديد من الأعمال الأدبية تنجح جماهيرياً مع أنها ضعيفة فنية، والعكس صحيح. وتلكم مزدوجة متناقضة يطول الحديث عنها والحفر تحت صخورها، ولا أريد أن أتعمق فيها، فتأخذ بعض حق من حكاية الجنية لأستاذنا القصيبي.
عادة القارئ قبل أن يبدأ قراءة أي نص أدبي يخبئ في ذهنه سؤالاً يظل يتطور مع استمرار قراءة النص الأدبي حتى يكتمل نضوجه، بنهاية النص الأدبي، وهو (ماذا يريد الكاتب أن يقول)؟ والقول هاهنا أو القضية، أو المغزى الخبري الذي يحمله النص الأدبي، لا يمثل الحق الأدبي للحكاية فقط، بل أيضاً يمثل اعتبار حق التزام الكاتب نحو عقلية القارئ ومفاهيمه ومعتقداته. والالتزام بحق الاحترام، لا أعني به التطابق مع مفاهيم عقل المتلقي، كما أن هذا النفي لا يدعم إثبات حرية المبدع في تهميش عقلية المتلقي، فهناك دوماً حدّ أدنى من علاقة الاحترام الفكري المتبادل بين المبدع والمتلقي، والتي تضمن للعمل الأدبي فرصة قبول فهمها واستيعابه والتمتع به. لا أعني بهذه الإشارة أيضاً حكاية الجنية، لأستاذنا القصيبي فقط بل هي إشارة عامة تمثل إحدى مسلّمات القيمة الإنسانية للعمل الأدبي وهي عادة ما تغيب عن ذهن المبدع عندما يغوص في غيبوبة الكتابة.
تقوم حكاية الجنية على فكرة (جدل العلاقة بين الرجل والمرأة) في مستوياتها المختلفة الصراع والتنافس والاضطهاد، وأشكالها المعقدة في البساطة، الحب والرغبة والسلطة، من خلال الفكرة الأزلية الكامنة داخل دهاليز وعي الرجل العربي بأن يملك (جنية) يستمتع بها، وكما أن (الحور العين) كمعادل موازٍ لوظيفة الجنية في الموروث الديني للعربي، تعتبر أقوى ثواب جنسي يحصل عليه العربي المسلم في الجنة، وبذلك فالجنية والحور تكمن في لا وعي الرجل العربي كدلالة جنسية في مستواها الأقصوي، يسقطّها الرجل العربي بالتواتر على كل امرأة جميلة، ويظل ذلك الإسقاط متوارثاً عند الرجل العربي. فالجمال حافز لرغبة الرجل نحو المرأة وهو ما يعبر عنه هذا النص من خلال تقمّص الجنية عيشة لجميلات السينما العالمية والعربية لتأجيج رغبة بطل الحكاية وإمتاعه، فهي تارة صوفيا لورين، ومارلين مونرو، واليزابيث تايلور. هذا التكريس لفكرة (جسد المرأة) في النص وتغيب فكرها ووعيها العقلي والمعرفي، وهو تغيّب متعمّد في النص، فالجنية عيشة تتعاطى السحر والشعوّذة، وآبي تعاني من عقدة الاضطهاد الجنسي، ومريم الفتاة السعودية ترفض الاندماج مع المجتمع الجديد وترفض تعلم اللغة الجديدة وتحسين وتطوير الذات. في حين أن بطل الحكاية تعلم في أمريكا وحصل على أعلى الشهادات وأعلى البرامج في تحسين الذات، إذن لديَّ نماذج من النساء ولديَّ نموذج رجل واحد، والتعددية مقابل الأحادية، تعني ثبات حالة الاختلاف التي تمثلها المرأة، والأحادية التي يمثلها الرجل، فالرجل سيظل هو الوعي القادر على استيعاب التغير والاندماج معه والقدرة على التفعيل الايجابي. إن الوقوف أمام هذه الإشارات تدعم لنا دلالات التمييز بين الرجل النموذج العاقل والواعي والمتعلم والقادر على تفهم التغير والحضارة، من خلال بطل الحكاية النموذج الإيجابي الذي ذهب إلى أمريكا وتعلّم واستوعب التغير وتطوير الذات وأحب وتزّوج بأكثر من امرأة، والمرأة النموذج الآخر السلبي في الحكاية، الشبقة والمستسلمة والجاهلة التي ترفض كل جديد والمضطهدة والمعقدة العاجزة جنسياً. إن (ثيّمة الجنية) كنص حكائي موغلة في التراث العربي منذ حكايات ألف ليلة وليلة، وقبلها في أدبيات الشاعر الجاهلي، وقد استطاعت حكايات ألف ليلة وليلة أن توظّف الجنية كشخصية حكائية، هذه الأنسنة للجنية، حولتها غالباً إلى مصدر لضمير رفيقها وخبراته، إضافة إلى إخضاعها لقانون الاستبدال والتناص التي اعتمدت عليه الرواية الحديثة، والتي أعادت من خلالها إحياء ثيّمة الجنية من أجل السخرية من الإنسان المُعصّرنّ وإشكالياته الفكرية الرجعية التي لم تستطع العصّرنة من تذويبها غالباً، كالسحر والشعوذة والاعتقاد بالخرافة، كما عبرت عنه حكاية الجنيّة للقصيبي.
أقول تقوم فكرة حكاية الجنية على (علاقة الرجل بالمرأة)، وهو موضوع مكرر، بل أنه يرتدي ذات الزيّ الكلاسيكي للعلاقة الرأسية بين الرجل والمرأة، التي تتضح ملامح فحولتها منذ البدء من خلال رمزية اسم بطل الحكاية (ض،ض،ض) أو ضاري ضرغام الضبيّع، اسم مغرق في أصالة اللغة التي يمثلها حرف الضاد، أصالة يستمر توغلها في عقلية فحولة الرجل العربي، تلك الفحولة التي تؤدي دورها من خلال المرأة، كأعلى رمز للأنوثة والخصوبة، وهو رمز تنعكس صورته من خلال أسماء نساء (ض،ض،ض) فاطمة الزهراء، عائشة، مريم، غزلان، أسماء هي بدورها مغرقة في أصالة التاريخ النسوي العربي بكلاسيكيته الشكلية والمضمونيّة، والتاريخ العاطفي للرجل العربي، وميراثه الشعري، الذي يسربه لنا القصيبي من خلال شعر (ناجي) شاعر الحب والرغبة الأول في عصره، إضافة إلى تحديد مركزيّة الأنثى والأنوثة التي يحلم بها وعي الفحل العربي من خلال بلاد (المغرب)، والمغرب هنا يتجاوز الموقع الجغرافي ليحظى في وعي الكاتب ووعي القارئ بخارطة نسقية متشابكة وخاصة فيما يتعلّق بالمرأة، أو ما يسمى بالاديولوجيم إحدى تقنيات السرد، أي الطابع الثقافي للمكان، والذي ظل مسيطراً علة فضاء الحكاية. فالمغرب بلاد السحر الأصيل، يتناسب مع ثيمة الحكاية، كما هي موطن أنسنة الجن كما وضح ذلك قنديش، ومسقط رأس النساء المُثيرات اللائي احترفن فن الإغراء والجنس والإثارة، أو كما عبرّت عنها الحكاية (هناك المرأة المغربية، وهناك المرأة المغربية العاشقة، أما العاشقة فلا توجد امرأة أخرى في الدنيا تشبهها) ص180 وهو ما يتداول في وعي الرجل العربي عامة والسعودي خاصة ويُفرّغ من خلال تعابيرنا الرمزية اليومية (النكتة)، وهي دلالات تحملها أسطورة عيشة قنديشية، التي تتربص بالرجال وتضاجعهم ثم تقتلهم، وتقول فاطمة المرنيسي عنها أنها (جنية وروح شريرة أنثى، شديدة الشبق دائمة السعي وراء الشبان الذين تسحرهم)، ولهذه الأسطورة قراءات عدة كما عرضتها الحكاية عبر مصدر الخبرة (قنديش بن قنديشة)، والتي تضفي فعل الخير والشر على سلوك الكائن الجنيّ، وإن كان النموذجين الجنيين اللذين اعتمدت عليهما الحكاية (قنديش بن قنديشة)، (وعيشة ق) يعتبران (سفيري النوايا الحسنة) لعالم الجن عند عالم الأنس، أو هكذا أرادت الحكاية لهما، وهذا ما رفع أسهم سذاجة حكاية الجنية، إذ إن التلاعب بمسلمات الوعي هو أمر لا يخلو من الخطر، وقضية الجن والشياطين كمسلمة من مسلمات الوعي العربي الديني والتراثي، الذي ظل الأدب العربي يتناوب على إعادة توزيع وحركة علاقتهما بالإنسان وبوعيه، إضافة إلى أنها شائكة ومغرقة في الميتافيزيقية، تحتاج إلى مهارة فنية عالية لدرامّة دراما إعادة توزيع وحركة العلاقة بين الجن والأنس، وغير ذلك لا يختلف السارد عن المشعوّذ الذي نجده عند أبواب المتاحف.
الصفحة الرئيسة
فضاءات
تشكيل
مسرح
الملف
الثالثة
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved