الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الجزيرة
Monday 12th September,2005 العدد : 122

الأثنين 8 ,شعبان 1426

قراءة في كتاب
تاريخ الأدب العربي
عبدالله بن حمد الحقيل*

لقاؤنا هذا مع أحد رواد الفكر والأدب الذين صحبهم جيلنا من أيام الطلب من خلال ما ينشر في مجلة الرسالة ذلكم هو الأستاذ أحمد حسن الزيات (1302 وتوفي سنة 1388هـ) أديب موهوب من أئمة البيان في لغة القرآن يختار أسلوبه المتميز به والحافل بألوان موسيقية متنوعة مع اهتمامه باللغة وحرصه على الوضوح والتشويق والربط بين القديم والحديث والصور الخيالية وهو يرى أنها مظهر قوة العاطفة وصدقها.
لقد كان الزيات في الأدب إماماً من أئمة النثر الفني مؤلعاً بجمال التعبير وقوته، أصدر مجلة الرسالة فكانت ميدانا للأدب والفن واللغة والاجتماع ومن مؤلفاته التي عرف بها (وحي الرسالة) وذلك في أربعة أجزاء، و(دفاع عن البلاغة) و(في أصول الأدب) و(عبقري الإسلام) ومن مترجماته (آلام فرتر) و(روفائيل) وغيرها وكتابه (تاريخ الأدب العربي) الذي نحن بصدده قسّمه على خمسة أبواب:
الباب الأول: العصر الجاهلي مشتملاً على عدة فصول:
الفصلة الأول: نشأة اللغة العربية.
الفصل الثاني: النثر وأنواعه ومميزاته.
الفصل الثالث: الشعر تعريفه وأنواعه ومميزاته.
الفصل الرابع: الشعراء الجاهليون وطبقاتهم ومكانتهم.
أما الباب الثاني: فهو عن عصر صدر الاسلام والدولة الأموية ومصادر الأدب الإسلامي والشعراء وطبقاتهم والخطباء والكتاب.
والباب الثالث: عن العصر العباسي مستعرضاً اللغة والكتاب والشعراء ونماذج من الشعر العباسي في الحكم والحماسة والرئاسة والهجاء والشعراء في الشام والعراق والأندلس ومصر وأشار إلى الأدباء والنحاة والمحدثين والفقهاء والفلاسفة والمقامات والقصص في الأدب العربي.
أما الباب الرابع: فقد تحدث فيه المؤلف عن العصر الحديث ووسائل النهضة الحديثة كالجامعات والصحافة والطباعة والمجامع الأدبية واللغوية والفن القصصي والروائي مستعرضاً أساطين النهضة الحديثة في مصر والشام والعراق والمغرب من أدباء وخطباء وشعراء وخاتمة عن الاستشراق والمستشرقين وأشهرهم.
وهذا الكتاب يدل دلالة واضحة على جهد كبير في البحث وهو من الكتب الأدبية الجيدة التي تستحق التقدير واهتمام الباحثين والدارسين فمن يلق نظرة على هذا الكتاب يلمح في ثناياه أصالة الأديب وأمانة المؤرخ وإبداع الكاتب وبراعة الأديب ودقة الباحث حيث استعرض فيه تاريخ الأدب العربي في شتى العصور منذ العصر الجاهلي حتى العصر الحديث ولنستشهد بنص من نصوص نثره حيث كتب عن الحياة قائلاً: الحياة جميلة وليس جمالها مقصوراً على قوم دون قوم ولا على طبقة دون طبقة وإنما الجمال وضاءة الفن الإلهي أشاعه الله في الأرض والسماء وحباه المدارك للاستغراق فيه والاستمتاع فمن كان ذا سمع وبصر وقلب وجده في منظر وأحسه في كل حالة. فهؤلاء الذين يمرون عليه وهم معرضون عنه وقد فسدت فيهم طبيعة الحياة وتبلدت فيهم ملكة الحس فانقطع ما بينهم وبين الوجود الحق والوجدان الصحيح. إن الجمال وسيلة الطبيعة لحفظ الحياة وبقاء النوع وهو سرور النفس ونور القلوب وسلام الروح. كن جميلا تر الجمال في كل شيء حتى في الدمامة... فالسعادة بالجمال أضعاف السعادة بالمال.. الخ.
لقد كان الزيات من أرباب البلاغة ويوصف أسلوبه بأنه السهل الممتنع وصاحب ديباجة ناصعة نقية تشع أناقة وجمالاً وكان فارساً من فرسان البيان وصاحب قلم يجذب القلوب بأسلوبه الجميل وبيانه الساحر وثروته مع المحافظة على اللغة وبنائها فهو بحق من عمالقة البيان ورواد الأدب والفكر والذوق الأدبي الرفيع والأسلوب المشرق الجميل فله من الشعر خياله المجّنح وعواطفه ووشيه وجرسه العذب ومن النثر أسلوب متسق بارع في فنه وانسجامه وبلاغته وعمقه مما يذكرنا بقول ابن المقفع (البلاغة هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها فإذا حاول عجز) وأسلوب الزيات نقرأه في كتبه ومؤلفاته بالغ الأثر مبنى ومعنى. لقد أخرج لنا عدداً من المؤلفات تفيض بعلمه وفكره وطبعه وحسه وبيانه وفنه حتى صدق عليه ما قاله ابن الأثير بالبحتري من أنه أراد أن يشعر فغنّى. وذلك يعود إلى قوة بيانه وجرس ألفاظه وتصيد جمال العبارات وحسن المعاني ودقائق الألفاظ والأفكار ونراه يقول(الأسلوب إنما هو خلق مستمر، خلق الألفاظ والمعاني والتفنن فيها جميعا) ولنا أن نقول في أسلوبه ما قاله ابراهيم بن العباس الصولي الكتاب في شعر العباس بن الأحنف (ما رأيت كلاماً محدثاً أجزل في رقة ولا أصعب في سهولة ولا أبلغ في إيجاز من شعر العباس) ويقول الأديب الزيات في صدر فصل من كتابه (دفاع عن البلاغة) ما نصه (آفة الفن الكتابي أن يتعاطاه من لم يتهيأ له بطبعه ولم يستعن عليه بأداته وأكثر المزاولين اليوم لصناعة القلم متطفلون عليها أغراهم بها رخص المداد وسهولة النشر وإغضاء النقد فأقبلوا يتملقون بها الشهرة أو يقضون بها الفراغ أو يطلبون بها العيش وكل جهازهم لها ثقافة ضحلة وقريحة محلة ومحاكاة رقيمة ومن هنا شاع المبتذل وندر الحر ونفق الرخيص وكسد الغالي وكثر الكتاب وقلت الكتابة).
كما ترجم في عام 1920م ألام فرتر لجتيه وفي عام 1925م ترجم روفائيل للامارتين فتوغل في أدب الغرب ليعود بخلاصة أدبية وبلغ بذلك مستوى رفيعا ويستعرض موضوعية الأدب ورسالته إذ يقول: (ليس الأمر في الأدب كالأمر في العلم، الأدب للنفس والعلم للناس، الأدب مواطن والعلم لا وطن له، الأدب روح وجسد ودم في العروق يكوّن شخصية الفرد فيحيا مستقلا في نفسه ويبرز شخصية الشعب فيحيا متميزا بأفراده. الأدب جنس ولغة وذوق وبيئة وعقلية وعقيدة وتاريخ والعلم غير أولئك كله فإذا جاز طبعا أن نأخذ من غيرنا ما يكمّل نقصنا من العلم فلا يجوز قطعا أن نأخذ من هذا الغير ما يمثل أنفسنا في الأدب).
وإلى جانب ذلك نراه يدافع عن اللغة العربية ولا يتساهل في شأنها فاختط لنفسه مذهبا يقول فيه (ومذهبي في مجمع اللغة العربية إعادة الفصحى بما تزخر به العامية من ألفاظ الحضارة وتراكيبها التي دخلت في الحياة العامة حتى تضيق مساحة الخُلف بين اللهجتين وينتهي بها الأمر إلى لغة واحدة عامة فيها من الفصحى السلامة والجزالة والبلاغة والسمو وفيها من العامية الدقة والطبيعة والحيوية والتجدد والوضوح) ولقد احتل أدبه جانبا من دراسات المستشرقين والاهتمام بتاريخ المسلمين في الأندلس فنراه مفسراً قوة الاسلام في الأندلس خلال القرون الأربعة الأولى من دخوله إياها (إنه كان ينبثق من مصدر متحد ويشرق في صحو شامل فلا غيوم كانت تحجب ضوءه ولا عواطف كانت تبدد سناه).. وهكذا دواليك تراه في كتبه ومؤلفاته وكتاباته يجسد لوحات فنية يوزع ظلالها وينسق ألوانها لتأخذ بمجامع القلوب وتأسر الأفئدة والنفوس والوجدان لما لها من جمال أخاذ وتوهج وتألق وأخيراً فإن الزيات بمؤلفاته وكتبه مفكر أديب له أثر وأياد غر على اللغة العربية وآدابها وكتبه في هذه الميادين كثر ليس إلى حصرها من سبيل.


*أمين عام دراة الملك عبدالعزيز الأسبق

الصفحة الرئيسة
شعر
فضاءات
نصوص
تشكيل
كتب
مداخلات
الثالثة
مراجعات
اوراق
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved