الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الجزيرة
Monday 18th September,2006 العدد : 171

الأثنين 25 ,شعبان 1427

مساقات
(مفهوم النصّ) لدى نصر حامد أبي زيد «1»
د. عبد الله الفَيْفي

وحديثنا هنا عن كتاب (مفهوم النصِّ: دراسة في علوم القرآن)، للدكتور نصر حامد أبي زيد، (بيروت الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005). ولسنا بصدد مدِّ الجدل المتطرِّف مع أو ضدّ الذي نال أبا زيد ما ناله منه من أذى؛ فما الرجل في رأينا إلا مجتهد، من حقِّه البحث والتفكير، ومن حقنا مناقشة طرحه، بعيداً عن المصادرات المتشنِّجة وغير العلمية.
إن أبا زيد في كتابه هذا لا يتجاوز حقّ البحث والاجتهاد، كما لم يأت قط حسب اطّلاعي بما يسوّغ ما قيل فيه. بل أن خطابه حافل بالإشارات المؤكّدة أن الشبهات المثارة حوله لا أساس لها، إلا الغلوّ في الحكم على كل فكر لا يُسلّم بالمتّفق فيه، والمتواطأ عليه، أو الموروث،، لا لشيء سوى أننا وجدنا عليه تراثنا.
إن الاختلاف مع أي طرح شأنٌ، وقَمْع الفكر تحت ذرائع إيديولوجية معلنة أو خفيّة شأنٌ آخر. هذا ما يَحْسُن التنويه عنه قبل الخوض في نقاش أبي زيد، مراعاة لطبيعة القراءات الارتيابية السائدة في ثقافتنا، والنَّزَعات التصنيفية الآخذة بتلابيب أمّتنا.
ينهض كتاب أبي زيد المشار إليه على ثلاثة أبواب، الأول بعنوان (النص في الثقافة التشكّل والتشكيل)، وفيه خمسة فصول، هي بالتتالي: (مفهوم الوحي)، (المتلقّي الأول للنصّ)، (المكّي والمدني)، (أسباب النزول)، (الناسخ والمنسوخ)؛ والباب الثاني بعنوان (آليّات النصّ)، من خمسة فصول كذلك: (الإعجاز)، (المناسبة بين الآيات والسور)، (الغموض والوضوح)، (العام والخاص)، (التفسير والتأويل)؛ ثم الباب الثالث، بعنوان (تحويل مفهوم النصّ ووظيفته).
وسنسوق ملحوظاتنا على الكتاب في فئات، تتدرّج بين منهجيّة التأليف ومنهجيّة المؤلّف في النظر والحكم وفهم النصوص.
1
إن الملحوظة المنهجية الأولى التي تَبْدَهُ متصفّح الكتاب ولا بدّ سيَعْجَب لها هي شح المصادر والمراجع التي عوّل المؤلّف عليها، ولاسيما إذا ما وزنت بخطورة الأطروحة التي تصدّر لها بكتابه. فمن التراث لم يرجع إلا إلى سبعة عشر كتاباً فقط، كثير منها ثانوي التعلّق ببحثه، ك(مقدمة ابن خلدون)، أو (الانتصار في الردّ على ابن الراوندي) لأبي الحسن الخياط، أو (فضائح الباطنية)، و(المنقذ من الضلال) لأبي حامد الغزالي، ونحوها. كما أن رجوعه إلى بعضها إنما جاء عَرَضاً. على حين ما انفك متردّداً بين كتابين، لا يكاد يغادرهما إلا ليعود إليهما في كامل كتابه، هما: (الإتقان في علوم القرآن)، للسيوطي، و(البرهان في علوم القرآن)، للزركشي. أما الكُتب الحديثة فكانت تسعة عشر كتاباً أو بحثاً، لنصر حامد أبي زيد وحده منها خمسة.
وإلى ذلك سيتبدّى للقارئ تقاعس المؤلف أحياناً عن العودة إلى المعلومة في مصدرها الأصلي، وشاهد ذلك عودته مثلاً إلى (إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب) في مقولة الأصمعي المشهورة: (الشعر نكد بابه الشرّ، فإذا دخل عليه الخير لان)، (ص142)، ولو شاء لوثّق هذا القول، وما قيل فيه، من مصادر قديمة شتى، ك(الموشح) للمرزباني، على سبيل المثال أو غيره.
وكذا سيُفاجأ القارئ بعدم اهتمام صاحب (مفهوم النص) بتوثيق بعض المراجع التي يتكئ عليها، فهو يشير مثلاً إلى: (المغربي، تفسير سورة تبارك)، دون أن يعرف القارئ من (المغربي) هذا؟ وما مكانته العلمية؟ وما باعث اصطفائه دون غيره مرجعاً؟ لا من خلال حواشي الكتاب، ولا من قائمة المصادر والمراجع في نهايته!
أمّا في تصنيف تلك الكتب بين مصدر ومرجع، فيتضح من خلاله أن المؤلّف لا يفرق بين مصطلح (مصادر) و(مراجع)، بل يأخذ بذلك الفهم المغلوط، الذي يَسْلُكُ كل الكتب القديمة مصادر، وكل الكتب الحديثة مراجع. والأصل أن (المصدر) ما استُقيت مادة البحث منه، و(المرجع) ما أفاد منه الباحث في دراسة تلك المادة، بقطع النظر عن زمن التأليف.
إن هذه الملحوظات الأوليّة السريعة ليست في تقديرنا بشكليّة، ولا بقليلة الخطر، بل هي داخلة في صميم العملية البحثيّة، كاشفة عن تعامل المؤلّف مع مراجعه، ملقية بظلالها بصفة مباشرة على جدّيته البحثيّة وموثوقيّته العلميّة. وغريب أن تقع استسهالات في رصانة المنجز البحثي كتلك من أكاديمي كأبي زيد!
تُرى هل يعفي الباحثَ قولُه في مقدمته (ص6 7): (كانت هذه الدراسة قد استغرق الإعداد لها أكثر من خمس سنوات... وكان أن تناولتها في مقال طويل لمجلة (فصول)، ولكن المقال ضاع في البريد بين اليابان ومصر، ولم يكن لديَّ سوى المسودات... إذ عُدْتُ إلى بطاقاتي ومسوداتي من جديد فكان هذا الكتاب؟!
وهل يُعذِر الباحثَ أن يكون في اليابان، أو أن يكون غير مستقرّ إلى مكتبة، تمدّه بما يقيم عليه كتاباً، يزعم له صفة العلمية؟!
لا نعتقد ذلك، ولاسيما في زمن قرّبت شبكات المعلومات الحديثة الشقّة على الباحث! ثم لقد أعاد أبو زيد طبع كتابه هذا ستّ مرات، والطبعة التي نقرؤها هنا هي الطبعة السادسة، وكان بإمكانه أن يُعيد النظر كثيراً في عمله، الذي قدّم له في اليابان، في 18 فبراير 1987. حتى إذا ولي القارئ بصره شطر تلك النوعيّة من الكُتب التي أقام عليها المؤلف مناقشاته وأدار معها حجاجه أو قُل إلى كلّ الكُتب التي بَنَى عليها كتابه ألفاها في القديم لا تعدو كثيراً هاتيك المؤلّفات المنتجة في العصور المتأخرة، المنعوتة حقّاً أو جوراً بعصور الانحطاط في الثقافة العربية والإسلامية، بما ساد فيها من أمشاج آراء، ممّا يعوّل عليه وما لا يعوّل.
فهل يتناسب هذا كلّه مع أطروحةٍ بحجم أطروحة الكتاب، أو عنوان كعنوانه: (مفهوم النصّ: دراسة في علوم القرآن)، بما يوحي به من أن صاحبه قد نَخَلَ التراث نخلاً، ودرسه درساً، ليستخلص استنتاجاته الجذريّة ويستصدر أحكامه القطعية؟!
2
فإذا انتقل بنا النظر إلى فهم أبي زيد للنصوص وجدناه مثلاً، مع عدم توثيق معظم شواهده الشعرية، يخطئ في نقلها، أحياناً، ولا يخلو في استخراج دلالاتها من تكلّف، أحياناً أخرى. مثال ذلك وقوفه على بيت لبيد بن ربيعة:
فَمَدافِعُ الرَيّانِ عُرِّيَ رَسمُها
خَلَقاً كَما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها
فقد ضبط (خَلَقاً) بتسكين اللام. ثم انطلق قائلاً:
إذا كان تضمّن الحجارة للكتابة لا يُخفيها، والأحرى القول إنه يُبرزها، فإن رؤية الشاعر للكتابة المتضمّنة في الحجارة رؤية لنقوش وأشكال (عارية) عن الدلالة بالنسبة له... وبهذا المعنى جاء المَثَل: (وحي في حجر) لمن يكتم سرّه... ولا شكّ أن هذا المثل كان دالاً في ثقافة شفاهية تمثل الكتابة فيها نصَّاً غامضًا مستغلق الدلالة... أن هذا المَثَل يشبه إلى حدّ كبير ما نقوله في أمثالنا العاميّة من أن (السرّ في بير)، وليس المقصود من ذلك أنه في مكان يستحيل الوصول إليه، بل المقصود أنه مودع في مكان يستحيل على غير من أودعه أن يبحث عنه فيه. وتتعقّد الدلالة بارتباط (البير) في الخيال الشعبي بعالم الأشباح والعفاريت والأرواح الشريرة بشكل عام. أن الدلالة اللغوية للمَثَل لا تنفصل عن النظام الثقافي بأعرافه وتقاليده ومعتقداته.
ونقف هنا، لنستكمل مناقشة قوله هذا وغيره في المساق المقبل، بإذن الله.


aalfaify@hotmail.com

الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
تشكيل
مسرح
مداخلات
الثالثة
مراجعات
اوراق
سرد
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved