Culture Magazine Monday  11/02/2008 G Issue 233
نصوص
الأثنين 4 ,صفر 1429   العدد  233
 
عناق
جمعان الكرت

 

 

من شرفة منزله الحجري يمعن ربيع النظر في النتوءات الجبلية التي تطعن برؤوسها الفضاء الرحب.. ثمة إحساس بهيج انتابه حينما دلفت سحابة بيضاء من على سقف القمم العالية والبعيدة.. في لحظات تتوالد السحب وتتناثر لتتكدس كحقول القطن وتغطي مساحة النظر.. للمكان دهشته وحضوره الطاغي.. إذ غدا كلوحة فنان أصيل ضرب بريشته قنينة الألوان المائية.. زاد من ألق المكان رذاذ المطر وطيور خضراء كانت تغرد أثناء تماهيها من بين تشكيلات السحب المتراكمة.

يرتشف ربيع الشاي الساخن بلذة عارمة.. لفناجين الشاي في مثل هذه اللحظات مذاق خاص خصوصاً وأن النسمات الباردة تهفهف أغصان الأشجار وأغصان الأجساد أخذ ربيع نفساً واسعاً.. أعقب ذلك رشفة لذيذة من فنجان الشاي.. انعطف في نظره إلى توأم عمره.. شجرة حماط تشبثت بأقدامها في التربة.. يقول والده بأنه غرسها عندما أطل ربيع برأسه إلى الدنيا رغم قامة الشجرة الفارعة بأغصانها المتشحة بالإخضرار إلا أن جذعها قد كشف عن فظاظة الزمن وقسوته.

أخذت السحب البيضاء تجر بعضها بطريقة عشوائية وكأنها تود سدل ستار جماليات الجبال البعيدة.. فعلاً أصبحت الجبال بالكامل وراء ندف رقيقة بيضاء. أسلم ربيع نفسه لخواطر تواترت عليه دون سابق إصرار ربما شجرة الحماط كانت سبباً في تداعي أرتال من الذكريات المتناقضة.. لم يبق من فنجان الشاي سوى القليل.. النسمة الباردة غمرته ببرودتها.. تذكر معطفه الصوفي.. إلا أنه اكتفى بنثر ابتسامة باهتة دون مشقة البحث أو حتى الانفصال عن المكان.

أثناء رؤية اللوحة الضبابية كانت تتكشف مسارات ضيقة يستطيع أن يرمق أجزاء من القمم الجبلية العالية سرعان ما تهيم سحابة جذلى على تلك الفراغات لتسدها لتأتي رياح متمردة تراوغها وهكذا يستمر العناد والتحدي يلعق ربيع ذكرياته وأحلامه دون بهجة، الصور تتكلس بملامح الغموض.

بدأت العتمة تنثر قتامتها على تلك اللوحة البهية.. الحماطة تهمس بصوت مبحوح.. ربيع.. ربيع.. ظل يسمع نداءً مبحوحاً ومتقطعاً وحزيناً، سكب ما تبقى من الشاي البارد في جوفه، جال ببصره في الفضاء المعتم.. ارتكز نظره أمام منظر مدهش.. رموش طويلة تحاول مشط حقول السحاب.. أثناء رفيفها.. يتكشف غشاءان شفيفان زرقاوان. استل ربيع قلبه وقذفه في الفضاء.. مشطت الرموش الطويلة بقايا السحاب لينجلي عن عينين واسعتين ضاحكتين أعقبها انفراج الفم عن ابتسامة رقيقة تتقافز منه عصافير ملونة..

اللوحة واضحة.. عينان دعجاوتان وفم معجون بالكرز انطلق سرب من شعاع القمر الفضي.. جديلة ملأت دائرة الأفق.

سؤال قفز من فمه.. من أنت؟

* أنا بنت السحاب.

* ولمن تتشوقين؟

* للبراعم الصغيرة والغضة.

لملم ربيع أطرافه وقال بصوت ممطوط: أربعون عاماً انصرمت..

وقتها كانت الحماطة تبكي بحرقة أما الأسطورة فقد فجرت فيض بهجتها ضحكاً متواصلاً.. وتساقطت بلورات لامعة من فمها الكرزي.. شهاب خفق كجناح طائر أسطوري كان وميضه خاطفاً وسريعاً.. رقصت التربة بلهفة.

أكثر ما شد أهداب عيني ربيع اللمعان الشفيف الذي اعتلى أوراق شجرة الحماط.. استمرت السحابة تضحك وعصا لامعة تجلدها.. عيناها الواسعتان وقتها كانت تنظران بحنو بالغ.. ما إن فرغت من ضحكتها حتى امتلأت قنينة الوادي بعطر الحياة.. الوادي واصل الشدو الرخيم بأنغام تزداد وضوحاً وطرباً في الأمسيات المقمرة..

الصمت ملأ حدقة السماء.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة