Culture Magazine Monday  16/06/2008 G Issue 252
فضاءات
الأثنين 12 ,جمادى الثانية 1429   العدد  252
 
حرق الكتب في التراث العربي
حسن إغلان

 

 

تستضيف منشورات الجمل المسكوت عنه والمهمش والمكبوت في ثقافتنا العربية، لا من كونها موضة تجوب أروقة كوكبنا الأرضي بقدر ما هي بعض الأبواب الموصدة أو شبه المفتوحة للدخول إلى مجاهيلها لطرد غباوة السلطة بتعدد رمزياتها، عبر إعادة الحياة للذي سكتنا عنه سابقا ووضعناه في أرشيفات تحت - أرضية كنوع من تخليص السؤال من سلسلته المتوهجة بالنار. إن هذه السلسلة وإن كانت العناوين التي تقترحها علينا تفيد مصيدة القارئ وتضع بين عينيه شركا لإيقاظ الذاكرة من صدئها التاريخي فهي في نفس الوقت تقدم للقارئ مادة أولية لإعادة التفكير في راهنها.

هذا الراهن المحبول بالمصائد والإكراهات لتدفعه إلى التمركز وسط الدائرة الخلدونية، بجعل النقط الممتدة من اليمين إلى اليسار نقطا تأكله، وحين الانتهاء منه ترميه في الأرشيف لعله يتذكر تاريخ العرب السري.

إن هذا النوع من الكتابات التي دأبت هذه المنشورات على نشرها تعيد السؤال إلى علاقتنا بالأرشيفات السرية والعلنية.

أرشيفات تحمل كينونتنا وراهننا مثلما تحمل هكذا نعيد هذا السؤال لكي يحيا الآن ليعيش داخل هذا الزخم اللانهائي من المعلومات البسيطة والمركبة، ولأنه كذلك، فدعوته تلتقي ضمنيا بدعوة الأستاذ ناصر الحزيمي عبر استضافته لموضوعة إحراق الكتب في التراث العربي، أي بالبحث والتنقيب في السير والمعاجم، في الروايات والتواريخ على أشكال هذا الإتلاف والإحراق باستدعائه لنصوص مجهولة ومعلومة لدى القارئ، نصوص تختفي في الأرشيفيات التحت - أرضية.

لا ليقدم تحليلاً أو دراسة لها، بل يضعها كمختارات في الموضوعة تلك تنم عن فهم مزدوج، يروم الأول لفهم بيداغوجي، يقدم فيه الكاتب مختاراته كنوع من تسهيل البحث لدى القارئ فيما يضع الفهم الثاني إيقاظ سؤال الراهن العربي وما يشهده من أشكال المنع للكتب بدعاوى متعددة، تسترها السلطة في تعددها عبر غسلها بالأيديولوجيا بمعنى كيف تقرأ اليوم بالأمس والعكس صحيح.

ونحن نقرأ هذا الكتاب يدعونا المنع لركوب مخاطر ليس لإحراج السلطة، بل لوضع السلطة موضع سؤال، وحتى إن وضعناها لا تدفعنا بالضرورة للجواب عن مضاعفاتها والشظايا التي تركتها في المكبوت واللواعي، بل في إعادة النص القديم لحياتنا الجديدة ولخلخلة السلطة وتفجير استعاراتها وآثارها المتعددة.

قد يقول قارئ آخر إن الكتاب لا يحمل جديداً وبالتالي لا فائدة من قراءته، ربما يكون هذا القارئ جادا في طرحه بحكم أن صاحب الكتاب ينجز تعب بحثه في اختيار نصوص دون غيرها وبالتالي فهو عمل آلي يستطيع الحاسوب إذا ما سلمناه تراثنا أن ينجزه، لكن قارئنا الجاد ينسى أنه يدخل ضمن الرافضين لعمل بيداغوجي له أهميته عبر سكوته عن سؤال مفترض وهو سؤال نضعه على كل من قدم لنا كتاباً في صيغة مختارات أو أنطولوجيا أو نصوص متفرقة من هنا ومن هناك، وهو بالجملة سؤال يتضمن مكر القارئ وحذاقة الكاتب.

يتخذ هذا السؤال صيغة: لم يسكت الكاتب عن نصوص أخرى ومؤلفين آخرين في التراث العربي؟ ألم يكن هذا التلخيص هو هروب إلى الأمام، انطلاقا من المنحى البيداغوجي المحتمل؟ نقول ذلك ونحن شبه مقتنعين أن تراثنا العربي عامر بكل أشكال القمع والتنكيل والمنع. حسب مزاج السلطات التي تؤطره.

ها هنا نقترب من الإشكالية التي يقدمها العنوان حرق الكتب في التراث العربي، منشوات الجمل. فالتوقف عنده يفيد النار بما تحمله من دلالة باشلارية، الاحتراق والحرقة، الرماد والسخونة، الموت والحياة. وهو زوج يحمل التواريخ والكتابات، الكلمات والأشياء، المعلن والمضمر، وإذا اعتبرنا النار عنصرا من العناصر الأربعة التي يضيف إليها عنصرين آخرين، وهما التراب والماء، في إحالة مباشرة للدفن والمحو، ليظل الهواء حمالا لسرية العناصر الأخرى في رمزياتها المتعددة. يطرح الكتاب إذن إشكالية العلاقة المتوترة بين الكتابة والمحو، والكتابة والنار، الكتابة والتراب. لا في دلالتها النقدية الحديثة، عند غاستون باشلار وموريس بلونشو، وجاك دريداً... بل في المعهود العربي، وإن كنا نعتقد أن ثمة دلالات تتناسل في الهواء بينها وبين الأطر النظرية الحديثة، فإذا ربطنا الكتابة بالنار لوجدنا تعدد دلالاتها يغني الموضوعة تلك، وتضعنا في:

- دلالة الإحراق تفيد المنع عبر عنف مضاعف تجاه الكاتب وكتابته كنوع من تدميرهما كلية دون أن تخلف أثرها، فتاوى تكفير ابن عربي وإحراق كتبه ص 62، تكون النار هنا رديفة للتكفير بكل ما تحمله الكلمة من دلالات دينية (مآل الكافر الخلود في النار- جهنم، مثلا) ولعل فعل الإحراق يحيله الكاتب إلى السلطة بمرجعياتها الشرعية والعلمية والسياسية والاجتماعية والقبلية والنفسية والتعصبية ص17- النار كزوج مدمر، تحيل هذه الموضوعة إلى الفعل المزدوج للنار من حيث دلالتها الباشلارية، فهي تفيد الموت والحياة. والله ما أحرقتك حتى كدتُ أحترق بك ص94. ففعل الحريق هنا هو ما يمكن إجماله بلعنة الكتابة.

- تشكل النار إرثا جماعيا وجب اتباعه، هذا ما يخبرنا أبو حيان التوحيدي فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدي بهم، ويؤخذ بهديهم ويعشى إلى نارهم... ص 107: تتناسل دلائلية النار كمصدر للإحراق في أفق الذاكرة العربية الإسلامية، فهي من جهة تفيد مسألة لا نجازي تأويل الكاتب فيها في قول النبي (ص) إنا أمة أمية لا نكتب، ولا نحسب باعتباره مصدرا لإتلاف المكتوب في بدايات الدعوة الإسلامية، بل في وضع الإحراق كإجابة سلطوية على ما تعتبره خطأ. بمعنى أن مصير الخطأ إلى النار، أي إذا ما تم إعلان كتاب ما خروجه من صواب الأمة فمصيره الإحراق أو الإتلاف. إنها فرضية تتماشى مع الأسباب التي عددها الكاتب في أسباب الحرق والإتلاف والدفن. إن فعل الإحراق يرتبط بالذاكرة والنسيان، بالكتابة والمحو، بالصواب والخطأ، بالمعلن والسري، بالقلب واللسان، وهما زوج ميتافيزيقي يمنح للذاكرة قوة البيان وبيان القوة، دون إعطاء نقيضها الأهمية الكبرى. صحيح أن هذا الزوج الميتافيزيقي يستقيم مع كون العرب ظاهرة صوتية، لما يحمله الصوت من دلالة رمزية في الفلسفة والتاريخ، وبما أن العرب كذلك، فإن المحو عندهم تقليد دأب الجميع على تحمل تبعاته، أي في عملية استظهار المكتوب على اللوح ثم محوه، فالكتابة عليه، بنفس الشكل يكون حفر التراب ودفن الكتب من أشكال التخلص من العار والخطأ، لكن ثمة أشياء معلقة في سديمية هذا التاريخ السري الذي يخفي ممنوعاته بالأيديولوجيا تارة وبالتقاليد تارة أخرى، ليظل هذا الممنوع مرغوبا فيه. وليكن في راهننا كتاب ممنوع، وفتاوى معلقة على أعناق بعض الكتاب العرب، ولغة التكفير تنجز مهمة المنع، أليس في الأمر ما يثير عجب دائرية تاريخنا! كأن الحوار أضحى مستحيلا وتدبير الاختلاف يظل مطلباً جماعياً. لا غرابة إذن أن يضعنا هذا الكتاب في تماس حقيقي مع مكبوتنا الجماعي، لا لإغلاق الباب عليه ووضعه في الأرشيف، بل في إعلانه عبر تمثل نوادره وحكاياه للقطع معها بإحيائها وإيقاظها، ليكون فعل النار فعلا مزدوجاً، يتم بمقتضاه الترنح بين الموت والحياة، بين الإحراق والسخونة.

- المغرب


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة