Culture Magazine Thursday  02/07/2009 G Issue 290
الملف
الخميس 09 ,رجب 1430   العدد  290
لم يُراعِ قوانين السوق
محمد سعيد طيب

 

في بداية الخمسينيات الميلادية.. عندما - كنا - في المرحلة الإعدادية.. كان (عابد) - في ذلك الوقت - طالباً كبيراً.. ومتميزاً.. من طلائع المدرسة الرائدة - آنذاك - (مدرسة تحضير البعثات).

إنه (مزيج) وطني.. وتقدمي.. ورائع.. فهو:

ولد ونشأ وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مكة المكرمة.

والده: الإداري المعروف الأستاذ محمد علي خزندار.. أحد كبار مساعدي وزير المالية - آنذاك - ورجل الدولة الكبير الشيخ محمد سرور الصبان.

وعمه: الأستاذ حسين خزندار.. أول رئيس تحرير لصحيفة (اليوم) في بدايات صدورها.. ومن رعيل (وحي الصحراء) (1).

وواصل تعليمه الجامعي والعالي في مصر وأمريكا وفرنسا.

وفي المنطقة الوسطى - ولسنوات عديدة - تفاعل مع التوجهات التقدمية والقومية والوطنية.. والتي كان يموج بها - في ذلك الوقت - مجتمع الرياض والقصيم.

ومع غيابه في المنطقة الشرقية - في منتصف الستينيات - التقى - هناك - شرائح جديدة من التقدميين والوطنيين والأحرار.!

وأزعم أن - في مسيرته - ثلاثة مثقفين وطنيين تقدميين.. كبار جداً.. وكل واحد منهم.. ينتمي إلى منطقة معينة في الوطن:

- عبدالله عبدالجبار.

- عبدالكريم الجهيمان.

- محمد العلي.

وكانت (المحصلة) هذا الاهتمام الدائم بشؤون الوطن والتفاعل مع قضاياه وأحلامه وأمانيه، والحرص على الدفاع عن الحريات العامة.. وحماية المال العام والأراضي العامة، والعناية الواضحة بقضايا البطالة وتخلف التعليم والتلوث ومستوى الخدمات البيئية والبلدية والصحية وشح المياه وزيادة نسبة التصحر والتكاثر السكاني غير المبرر واختناقات المدن، كما هي - متابعته الدائمة - لقضايا الشباب والمرأة والسعودة وحماية حقوق الإنسان وانحسار دور دعاة التقدم والنهوض والانفتاح وضمور مؤسسات المجتمع المدني.. وتآكل الطبقة الوسطى.. وتراجع أداء النخب المثقفة!

وكل هذه القضايا الجادة.. لا تقترب منها عشرات الأقلام الخائبة والمتسلقة.. التي تدعي (الحداثة) ولا تمارسها.. وترفع رايات (التحرر) ولا تتحمل مسؤولياتها.. والتي تحاول - بالتسلل غير المشروع - أن تتوسد ذلك النادي الجميل الذي يضم بين أرجائه البهية (عابد خزندار) ومعه نخبة صغيرة جداً - ولكنها نبيلة حقاً، متوهجة بالطبيعة، وتقدمية بالجدارة والاستحقاق والوعي والاستيعاب لإفرازات الفكر الإنساني في شتى مجالاته.!

إنه (حداثي) - بحق - فتجده.. لا يهدر وقته ووقت القراء في تنظيرات الترف الفكري، أو التهويمات الساذجة، أو الرومانسية الفجة التي لا صلة لها بالواقع.. ولا بالحاضر أو المستقبل - أو حتى بالإبداع والجمال.!

ربما قد بدا - في حالات نادرة - محتداً أو غير موضوعي.. - ولكنه - بصفة عامة - وكأي مثقفٍ تقدمي واعٍ.. تجده - دوماً - منحازاً - لمبادئ الحق والعدل والخير والجمال.. وقيم التسامح.. ونبذ الكراهية، وتتغلب شجاعته الأدبية - في النهاية - على ما قد يبدو أنه لجاج.. أو لدد في الخصومة.!

اختلفت معه مرة واحدة.. ولكن ظلت القواسم المشتركة - بيننا - كثيرة جداً.. وبلا حدود.. وأولها وأكثرها أهمية.. ذلك القاسم العظيم (عبدالله عبدالجبار) أستاذنا الكبير.. ورائدنا النبيل.. الذي يحاول (عابد) ومعه ثلة صغيرة جداً. أن يثبتوا لنا.. أننا نستحقه.. وأننا جديرون به!!!

مرحلة عابد خزندار.. أعني المرحلة التي عاشها عابد خزندار.. وتفاعل معها.. كانت مرحلة لافتة.. متألقة.. شديدة التوهج.!

وعلى الرغم.. من أنني وزملائي.. كنا - مثله - في قلب المرحلة.. ونعيش مناخاتها المشتركة.. ويمضي بنا مركب واحد مرددين تلك الإيقاعات الجميلة والرائعة - إلا أنه كان يطل علينا من علٍ.. ويعدنا على يمين الصف.. لاعتبارات.. كان يبدو له وزملاؤه أنها موضوعية.!

وبعد أن مضى من العمر أكثره.. وأصبح - كلانا - على مسافة قريبة من نقطة النهاية.. وبعد أكثر من أربعين عاماً.. وجدنا - أنفسنا - أكثر تفاهماً.. وأكثر تقارباً.

يا.. لأقدارنا العجيبة.!!

والحديث يطول عن (عابد خزندار) ولكنه يكون - قاصراً وناقصاً - من غير الإشارة إلى مشروعه الثقافي:

لقد أنشأ مكتبة في جدة.. وأخرى في الرياض. وكان يتطلع إلى (دار نشر) فاعلة داعمة للحراك الأدبي والثقافي.. الذي ازداد توهجاً - آنذاك - في آواخر الخمسينيات ومطالع الستينيات.

وانحسر المشروع.. لأن الأديب والمثقف عابد خزندار.. لم يراعِ قواعد التجارة.. ولا قوانين السوق - بقدر ما راعى جودة المنتج فقط.. وهذه - وحدها - لا تكفي في عالم النشر الناجح..!!

فإذا أضفنا - إلى ذلك - انشغاله بالسياسة والنشاط الوطني وانهماكه في الدراسات الأدبية العميقة والجادة - كان من الطبيعي أن ينحسر المشروع.. وكان يمكن أن يتقوض نهائياً - لو كان (عابد) صاحب القرار الوحيد.!

وتلك قصة أخرى.!!

(1) أول كتاب في (أدبنا المعاصر) ضم نتاج نخبة مختارة من أدباء الحجاز. وقد أصدره عام 1355هـ الأديبان الحجازيان عبدالله بلخير ومحمد سعيد عبدالمقصود خوجة. ثم أعادت.. (تهامة) طباعته عام 1402هـ ضمن سلسلتها الشهيرة: (الكتاب العربي السعودي).


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة