Culture Magazine Monday  05/01/2009 G Issue 265
فضاءات
الأثنين 8 ,محرم 1430   العدد  265
من الأدب الذاتي الساخر
من مبلغ القوم عن كتُبْي وأوراقي؟!
علي العمير

 

أقوم هذه الأيام بعودة إلى فرز وترتيب أوراقي القديمة والحديثة، وهي التي لا تكاد تحصى حيث أحتفظ بأرشيف ضخم من تلك الأوراق.. بعضها سبق أن قمت بتجليده على شكل ملفات حسب وحدة موضوعها..

وعندي من هذه الملفات المجلدة ما يكاد أن يشكل مكتبة شاملة، كاملة!!

ومنها.. من تلك الأوراق ما لا يمكن توحيده، وتجليده مثل الرسائل، وبعض الجذاذات، وما إلى ذلك من نحوه مما لا يمكن توحيده، أو جعله على شكل ملفات، أو أضابير!!

ومن نافلة القول إن أنا أشرت ليس فحسب إلى مدى كثرتها المتكاثرة.. بل الأمر كذلك أيضا إن أنا قلت، أو أشرت إلى أن غير قليل من تلك الملفات، أو الأوراق تمثل - في الواقع - جانباً مهماً جداً من جوانب مسيرتنا الأدبية، أو الثقافية على مدى أكثر من نصف قرن مضى، وانقضى، وذهب في مزاولتي بكل جدية، واهتمام لخيالات، وأوهام، وخبال.. كنت وما زلت أسميه (الأدب) أو (الثقافة) أو (المعارف) بعامة، وليس كل ذلك غير ذهاب لعمري سدى، وهباء، وخواء!!

لا ملكت العمائر الشاهقة في مختلف مدن المملكة، ولا اقتطعت الأراضي السكنية المهمة الواسعة الشاسعة في أكثر من مدينة، أو أخرى، ولا في أي بلد، أو آخر!!

ولا ملكت المزارع الخاصة، أو العامة، ولا بنيت قصوراً، ولا حتى مجرد قصر واحد على الأقل!!

أما الأرض فلا أملك منها - بحمد الله على كل حال - غير رصيد مدين كاوٍ.. أوشك أكثر من مرة أن يدخلني (السجن) لولا نخوة، وفزعة الأصدقاء الكبار في كل مرة، وما زلت معتمداً - بعد الله - على نخوة، أو فزعة لتغيير مسار طريقي عن الطريق إلى السجن، والعياذ بالله!!

وهكذا فإن كل ما أملكه، وأعتز حقاً بامتلاكه إلى الحد الذي أعتبره ثروة ضخمة بكل المقاييس.. أقصد ذلك الأرشيف المثقل بالأوراق، والذي أعاود ترتيبه بين كل وقت وآخر دون مساعدة من أحد قط حيث هذا النوع من العمل لا يمكن لغير صاحبه القيام به وحده.. ثم هو يحتاج من أجل القيام به ليس إلى مرة واحدة.. بل إلى مرات، ومرات!!

ولعل هذه هي المرة الوحيدة التي أقوم فيها بترتيب كُتب، وملفات، وأوراق تحسّباً لدنوّ الأجل بعد أن لم يبق من العمر أكثر مما مضى.. والله أعلم!!

يحدوني هذه المرة في عملي هذا الكثير جداً من الشعور، والأحاسيس بكوني المؤتمن حقاً على هذه الثروة الضخمة التي تمثل - كما أسلفت - جانباً كبيراً مهماً من تاريخ مسيرتنا الأدبية، أو الثقافية على مدى أكثر من نصف قرن!

فأما الكتب فالتصرف فيها - قلّت أو كثرت - مسألة سهلة - حيث يمكن إهداؤها ل(...) مسقط رأسي، وأول أرض مسّ جلدي ترابها!! أجل.. أجل.. تلك مسألة سهلة جداً، وهي مجرد إهداء مكتبة مهما تضخمت لجهة عزيزة، غالية!!

ولكن سرعان ما تذكرت - مع ما أنا عليه كثرة سهوات، أو غفلات - تذكرت الجانب الصعب في الموضوع، وهو أن (الجهة) المذكورة بما تتمتع به مع غيرها من روح (بيروقراطية) راسخة، متجذرة.. لابد أن تطالبني بإيصال المكتبة، وتسليمها ل (مستودعاتها) يداً بيد بإشراف لجنة تشكلها للقيام بعملية الاستلام بكل ما تعنيه من دقة ليس في حصر الكميات.. بل في النوعيات من حيث كون هذا الكتاب.. أو ذاك سليماً، وذاك متهالك الخ..الخ.

ومعنى ذلك أنه يتوجّب عليّ حتماً - رغم مسألة الطعن في السن - أن أقوم بعملية ضخمة جداً، فرز الكتب، و حشدها في كراتين، وتجميع تلك الكراتين، ونقلها - على حسابي بالطبع - إلى مكتب نقل للعفش، وتسليمه إياها بالعدّ، والحصر، وأهم من ذلك أجرة نقلها!!

وليت المسألة تنتهي عند هذا الحد، وهو أقصى منتهى بالفعل بيد أن النظام الإداري، أو المالي، أو بقية أنظمة الجهة الموقرة ستجعلها ملزمة حتماً بعدم استقبال تلك الكراتين في محطة وصولها!!

بل لا بد - حسب الأنظمة - من وصول (الكراتين) بنفسها إلى مستودعاتها.. بل مستودعاتها التي لا أظن أن ستغادرها مكتبتي إلى رفوف مكتبات تلك الجهة إلا بقدر ما تسمح به الأنظمة المرعية!!

وتلك لاشك.. نهاية على غاية من القسوة، والتوحش بالنسبة لمصير مكتبتي التي طالما تعبت عليها من كل ناحية ليست الناحية المادية من أهمها.. بل جمعها كل كتاب بعد ثان بعد ثالث بعد آخر من سائر أنحاء المملكة، بل ومن خارج سائر أنحائها.. ثم الحرص والحفاظ على سلامتها أثناء تنقلاتي من مدينة إلى أخرى، أو من منزل إلى آخر!!

ويا لكثرة ذلك التنقل، ودعك من متاعب التجليد، أو الترتيب، أو غير ذلك من متاعب لم تنته، ولا أظنها تنتهي قط حتى ولو أهديتها إلى تلك الجهة.. أو أية جهة أخرى!!

لن تنتهي - على ما يبدو - إلا بانتهاء صلتي بالحياة ذاتها!!

فأما الأهم، وهو أرشيفي الضخم، أو أوراقي الأخرى تلك.. فإنها، وإن كانت عبارة عن رسائل حميمية، عذبة، صادرة في معظمها عن كبار الرّوّاء من أدبائنا داخل المملكة، أو من الكبار أيضاً من خارج حدود المملكة على مدى آفاق رحبة، وساحات شاسعة، ومسافات لا يمكن لغير طائر صناعي أن يقطعها!!

أو هي - أقصد تلك الأوراق - ربما لا تزيد عن كونها مجرد قصاصات، أو جذاذات منتزعة من صحف أو مجلات، أو هي - على أكثر تقدير - عبارة عن نصوص كنت نقلتها من موسوعات، أو كتب نادرة لا يمكن توفيرها أو ضمها - لسبب أو لآخر - إلى مجموعة الكتب البائسة في مكتبتي!!

تلك أوراق كثيرة جداً، وإن كانت لا تحتوي على غير جذاذة من هنا، أو قصاصة من هناك، أو رسالة بخط يد كبير من روّادنا تتناول، أو تتطرق إلى مسائل على غاية قصوى من أعمق ما نسميه ب (الأدب) أو (الشعر) أو (النقد) أو (الثقافة) أو (المعارف) الإنسانية بعامة.

ورغم كل ذلك - على جلالة قدره بالنسبة لي، ولأمثالي من (الحمقى) - توجد في هذه الرسالة، أو تلك دفقات من المشاعر الحميمة العذبة!!

تلك هي ما أسميه أوراقي، أو يشتد اعتزازي بها فأسميها (أرشيفي) وهي أوراق، أو أرشيف ليس له، ولا لها أدنى جدوى، أو أقل فائدة عند عقلاء الناس، وكبار القوم، وأهل العقار، ورجال المضاربات في الأسهم أو غيرها!!

أولئك قوم على قدر كبير من (الفطنة) أو (الحصافة) أو ما إليها مما لا يمكن أن تزيد معه قيمة أوراقي، أو أرشيفي عندهم عن قيمة قراطيس (الفصفص) بل إن قراطيس (الفصفص) ذات جدوى مهمة، وشأن كبير عند هذه (التكرونية) أو تلك!!

ذلك كله، وأكثر منه بكثير هو ما خطر ببالي ذات مرة منذ أيام أثناء أخذ بعض الراحة من ذلك الترتيب السقيم، العقيم لأوراق غير ذات قيمة مالية على الإطلاق!!

ولقد ضحكت بالفعل من فكرة (القيمة المالية) لأوراق كتبها بخط يده (الأنصاري) أو (الجاسر) أو (العوّاد) أو (شحاتة) أو (حسين سرحان) أو (أنيس المقدسي) أو (حسين نصار) أو (أنور العطار) أو (عبد السلام العجيلي) أو (ليلى بعلبكي) أو (غادة السّمّان) أو غير هؤلاء، وأولئك من ذكر، وأنثى وبخاصة إذا كان ما كتبوه بخطوطهم عبارة عن رسائل إلى مثل (علي العمير) وهو مازال - حينذاك - في بواكير شبابه، أو حتى في (عنفوانه) لم يصل بعد إلى مرحلة (كهولة) فضلاً عن (شيخوخة)!!

جده

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة