Culture Magazine Thursday  05/03/2009 G Issue 273
عدد خاص
الخميس 8 ,ربيع الاول 1430   العدد  273
شاعر يحلم بقصيدة رومانسية كونية
فيصل درّاج

 

في كتابه (مائة ورقة ياسمين)، وضع غازي عبد الرحمن القصيبي في الورقة (85) جزءاً من قصيدة ل (بودلير)، عنوانها: الشاعر، جاء فيها:

(الشاعر ملك السحاب، يسكن الزوبعة... ولكنه... عندما يُنفى إلى الأرض ويُترك بين الجموع الصاخبة... يعجز عن المشي... يِثقله حمل جناحيه العملاقين...). ترجم الشعر قولاً أراد أن يقوله وسبقه غيره إليه، أو هجس بما هجس به آخر، فتوحّْد به وقاسمه ما قاله. والموضوع في شكله الأصلي والمترجم هو: الشعر، أو ما هيّته بشكل أدق، التي تحكي عن مبدع نوعي ، هو من البشر وليس معهم، لأنَّ في أشواقه ما يوزّعه على فضاءين متباينين يختلفان في المستوى والمرتبة. فالشاعر هو (ملك السحاب)، الذي يرى من علٍ إلى أرض خفيضة يسكن فيها، أو أنه الكائن العادي الذي يرفعه إلهامه الشعري إلى مقام أثيري لا يعرفه العاديون من البشر. ومع أن في القول زهواً لا التباس فيه، فإن فيه مفارقة مؤسية، ذلك أن التوزع على إقليمين متغايرين عنوان ل : الاغتراب. ولعل هذا الاغتراب، الذي يجعل من الشاعر طائراً هائل الجناحين وإنساناً يمشي مع الآخرين في آن، هو مصدر مأساة الشاعر، أي مأساة إلهامه، الأمر الذي يساوي، لزوماً ، بين ماهية الشاعر والمأساة الوجودية.

إذا كان الاغتراب، بالمعنى الفلسفي، يعثر على حله في اللقاء المنشود بين الإنسان المغترب والموضوع الذي حرم منه، فإن اغتراب الشاعر مفتوح لا حل له، لأنه يحايث الشاعر ولا ينفصل عنه، طالما أن الإلهام ذاته شكل من أشكال الاغتراب. وآية ذلك الورقة (61)، من الكتاب المشار إليه، التي تحمل عنوان: إنه الشعر يا سيدتي)، التي يترجم فيها القصيبي معنى الموضوع الذي يجعله مغترباً. يقول الشاعر: إنه الشعر يمسك بي.. ويغيرّني ويغير علي.. إنه الشعر.. يأمر كيف يشاء.. وينهي... وأتبعه.. لا أخالف أمراً له.. لا يخاطبني بالكلام.. ولكن.. ببرق الرعود!). يدور القصيبي حول المعنى الذي قال به بودلير، معبّراً عنه بطريقته، آخذاً باللغة التي توافق قصيدته. أقام الشاعر الفرنسي قوله على الفرق المجازي بين السماء والأرض، إذ الأولى وطن أصلي والثانية منفى، وعلى خفة القول الشعري وثقل المعيش اليومي، وعلى عزلة الشاعر العفوية وصخب الجموع الصاخبة، التي يستولد منها موقعاً، ينظر منه إلى البشر، قبل أن يعود إليهم.

يرى القصيبي في الشعر نعمة ونقمة : لأنه يستولي على الشاعر حين يشاء، كما لو كان الشعر، في غموضه الجميل، يحذف المسافة بينه وبين الشاعر، يأتيه ويسكنه ويغيّره، محوّلاً الشعر إلى الشاعر والشاعر إلى الشعر. وهذه النعمة/ النقمة، هي التي تملي على الشاعر أن يستدعي (سيدة غامضة)، تسائله ويشكو إليها، أو تسأله ويفسّر لها ما لا يفسّر، ويخبرها عن الفرق بين السائل والمسؤول، ذلك أن السائل العادي يتوسل الكلام، بينما يتوسل الشعر (برق الرعود)، الذي يحيل على(إنسان) فقد هدأته، وسكينته، أو (افتداهما) بمعاناة ثقيلة. لن تكون السيدة المفترضة، والحال هذه، إلا مدخلاً أملاه القول الشعري، فالشعر هو (السيد الحقيقي الوحيد)، الذي يلقن الشاعر ما شاء من الأفكار والصور.

يشير الشاعر في قصيدته : (إنه الشعر سيدتي) إلى معنى (التباين)، الذي يأخذ في الحقل الشعري دلالات متعددة : فالشاعر هو الذي استلب منه الشعر حريته العادية، كي يمدّه بحرية مغايرة، أكثر رحابة واتساعاً ورهافة، مرجعها لغة قوامها (برق الرعود). وبسبب هذه اللغة التي تحرق الشاعر وتبعثه كياناً مجنّحاً، يرى الشاعر ما لا يراه غيره، ويتجوّل في فضاء لم يعرفه سواه. نقرأ في الورقة (70) قصيدة عنوانها : احتراق، جاء فيها: (قد رقصنا على جهات النجوم التي تحترق!). إن هذه النجوم الملتهبة المضيافة امتداد ل (برق الرعود)، التي تحرق الشاعر وتدعه حيّاً، مثلما هي امتداد لإنسان هائل الجناحين يسير بين البشر.

اتكاءً على ثنائية الوجود، أو ثنائية الماهية، إن صح القول، التي توزّع الشاعر على الأرض والسحاب، وعلى (لغة التباين) الفاصلة بين لغة الشاعر وغيره، يستولد القصيبي من الصور ما يعبّر عن تصوراته،. كأن يقول في الورقة (17) من كتاب (مائة ورقة ياسمين) في قصيدة عنوانها (الطائر الملون والمطر): (وجاء حلم غريب، وجدت نفسي أتأمل طائراً غريباً.. أدركت أن الطائر الملون يختنق، يموت تحت الرذاذ الذهبي... أدركت أن الطائر الملون... كان يستنجد بي..). والطائر المفترض وليد (التباين)، تأتي به الصورة الشعرية المنفية من صور الحياة العادية، وهو صورة عن الشاعر الذي يختنق على الأرض ويتفتح في فضاء (الاحتراق الشعري). وهو مجلى (المغترب الفريد)، الذي تعشق جناحاه فضاء بلا أقفاص.

تكثفُ صورة الطفل معني الشاعر كما يريد أن يكون، ذلك أن الشعراء ،المسكونين بالدهشة، أطفال سرمديون، لهم لغتهم، ورؤاهم وذلك الحيّز النقي الذي لا يأتلف مع غلظة العادي وعنفه، الذي يطرد (الطائر الملون). كتب القصيبي في الورقة (86) من الكتاب المشار قصيدة عنوانها : ذلك الطفل (.. أنا!) جاء فيها: (والطفل مليء بالأسئلة.. وأسئلتي... لا تنتهي.. والطفل لا يتعلم من التجارب.. ولا أتعلم أنا.. والطفل لا يستطيع أن يعبّر عما في نفسه ولا أنا!) يتماهى الشاعر بالطفل، محتفظاً بفضوله وبراءته وبأطياف عالم مغاير، ذهب أو لم يأتِ، لائذاً، في الحالين، بمخيلة تنقض غلظة المألوف بصور عالم غير مألوف. كان الشاعر الإنجليزي (وردزورث) يقول : الطفل أب الرجل)، معطياً الطفولة موقعاً سابقاً الرجولة المفترضة، ونافياً زمن الإثم الحاضر بزمن البراءة المنقضي. يضيء القصيبي ما قاله الشاعر الإنجليزي، متحدثاً عن خوف الطفل وفضوله وعفويته وعن (عالم طفولي) لا تروضه سطوة الأعراف واستبداد العادة، كما لو كان دور الشاعر إزاحة الأزمنة المتراكمة والذهاب إلى زمن ذهبي يترك الروح الإنسانية طليقة. يعود الشاعر إلى موضوع الطفل في الورقة (60) من كتابه (مائة ورقة ورد) حين يقول في قصيدة (رسالة اعتذار): قدرك أيتها المرأة التي أحب، أن تبتسمي لثورتي. كما ابتسمت لغزلي، أن تشهدي حماقة الطفل، كما شهدت مواقف الرجل). والرجل هو الكائن خارج القصيدة، والطفل هو الكائن الذي لا تكون القصيدة إلا به، والشاعر هو هذا القلق الموزّع على الطفل والرجل معاً. لذا يذكر القصيبي، وهو يستيعد أطياف التونسي أبي القاسم الشابي، عبارته : (عذبة أنتِ كالطفولة)، كما لو كانت الطفولة هي أجمل ما يمكن أن يغدقه الشعر على (أنثى أحبها)، ( الورقة 72 من الكتاب السابق). لن تكون الطفولة العذبة إلا مرآة لما يرصّع الكون من جمال : الخليج الجميل، السماء الصافية والليلة القمراء، و(هذا البحر التونسي الأسمر).

يغترب الشاعر عن غيره، بقدر ما يغترب الشعرعن الأقوال الأخرى، فهو من الوحدة يأتي وإلى الوحدة يعود، لأنَّ المكان الذي يرسو فيه لا وجود له، أو مكاناً لا يستطيع أحد التعرّف عليه. إذا عدنا إلي (مائة ورقة ورد) مرة أخرى نقرأ في (رسالة إلى امرأة خائفة): (أنا مشدود إلى عالمي الغريب هذا، أبحث عن الجزر التي لا توجد، في السفن التي لا ترسو، في البحر الذي لا ينتهي.) إذا كان المغترب، تعريفاً، هو الباحث عن شيء أضاعه أو لم يعثر عليه بعد، فإن الشاعر هو المغترب الأبدي بامتياز، لأنه لم يلتقِ، ولن يلتقي، بما يريد، طالما أن زمن البراءة الإنسانية قد وّلى إلى غير رجعة. كأنَّ في عالم الشاعر ما يوازي الواقع ولا يتقاطع معه، ذاهباً إلى عالم مفتوح لا تنغلق فيه الأسئلة ولا الأجوبة. وهاجس الغربة هذا هو الذي دفع القصيبي، ربما، إلى ترجمة قصيدة للشاعرة زورا كروس (الورقة 78) تقول فيها: (أحاول أن أتبيّن الخطأ من الصواب، وتمر عصور المساء اللانهائية، وأنا أتجول في صمت نفسي).

يتجول الشاعر في صمت نفسه لأنه يتجول في ثنايا العالم كله. تتكشّف، في البداية، العزلة الصامتة ويتكشف، لاحقاً، معنى أكثر كثافة، ذلك أن الشاعر الرومانسي يرى إلى العالم كله، ويرى إلى نفسه في وجوه العالم جميعاً. ولعل التصور، الذي يرى في الشعر برعماً في شجرة الوجود الشاسعة، هو الذي يُدرج في قصيدة القصيبي الطبيعة في شجريتها الواسعة، أو في تشجرّها الذي لا حد له. بل أن هذا التصور هو، الذي يفرض المفردات ويخلق (مخزناً لغوياً)، إن صح القول، يحيل على وجوه من العالم متنوعة. تعطي قصيدة (الحب قادم) - الورقة 81 - صورة عن لغة تحتضن الوجود، وتتطلع إلى أن تكون جزءاً حميماً منه : (بهدوء، كما تتحدث الوردة الصغيرة إلى النسيم،.. بهدوء كمشية العشاق في ليالي البدر،... بهدوء، كما يعلن الأقحوان غرامه...) في مقابل الوردة والنسيم والبدر والأقحوان، التي يدرجها الشاعر جون شوينلسون في قصيدته، يأخذ القصيبي، الذي يترجم ما يوائم منظوره الشعري، بكلمات موازية في قصيدته (أندلسية) - الورقة 28 - قائلاً: (شعرك شجرة زيتون سوداء، تنبت كل زيتونة قصيدة، وتنبت كل قصيدة جناحاً، يحملني إلى قرطبة، شفاهك ورود ندية...) أو أن يقول في قصيدة (قليل من الحب) - الورقة 18 - (ولكننا نستطيع أن نقتسم لحظة وردية فاتنة. في تلك نضحك. وتجيء ابتساماتنا مشرقة كالشموس. نلعب على الرمل نعدو فنسبق ظلنا، كما يقول ناجي، نمتطي أراجيح النجوم..). تحتضن القصيدة، في سطور قليلة، كلمات: الزيتون والجناح والندى، إلى أن تصل قصيدة أخرى إلى كلمات : الورد والشموس والرمل والنجوم... ينفتح الشاعر، في الحالين، على الطبيعة المدثرة بالجمال والأسرار،مناجياً الليل والبحر والقمر والندى والبلابل وأنثى جميلة أقرب إلى السفن التي ليس لها مكان. لكنه لا ينفتح على الطبيعة مفتوناً بجمالها ومتوحداً بأجزائها فقط، إنما يذهب إليها هرباً من مجتمع يعيش فيه الشاعر ويعيش خارجه في آن.

القصيبي شاعر يحتفي بغيره من الشعراء، يبني منهم (خيمة من الشعر وسط عالم من الحرائق). شاعر رومانسي يحتفي بالرومانسي من الشعر ويحتفل بالشعراء الرومانسيين، وغيرهم من الشعراء. وربما يكون كتابيه (مائة ورقة ياسمين)، و(مائة ورقة ورد)، المأخوذ عنوانه من كتاب الرافعي (أورق الورد)، آية بيّنة على احتفال بعوالم الشعر إلى تخوم الفتنة. فهو يستعيد أسماء شعرية كثرة من المعري وصولاً إلى معروف الرصافي وجبران خليل جبران، موجهاً إلى الشاعر المصري إبراهيم ناجي تحية خاصة، كما لو كان يفصح عن قرابة معه حميمة، أويتخذ منه صديقاً ومرجعاً ومحاوراً. ففي الورقة (40)، من (أوراق الياسمين)، يتحدث القصيبي عن إبراهيم ناجي (الكهولة التي تعشق الصبا)، ويعود إليه في الورقة اللاحقة، محدثاً عن (شاعر الخمسين المغرمة بالعشرين)، وعن (الشاعر الحقيقي الذي يستطيع أن يحوّل أي كلمة إلى كلمة شاعرية، مثل العنكبوت والسلحفاة)، ويتأمله مجدداً في الورقة التالية، حين يقرر أن (الشعراء هم الذين اخترعوا علامات الاستفهام..).

ومع أن القصيبي، المسكون بأحوال الروح الإنسانية المدثرة بالأمل والأسى، يوجّه تحية متواترة إلى إبراهيم ناجي، صاحب قصيدة الأطلال، فإن شغفه بآخر قريب من روحه لا يمنعه عن التذكير بالشجرة الشعرية الوارفة التي ينتسب إليها. فهو يترجم ل: اللورد بايرون، شيلي، هنريش هاينه واليزابث براوننج، وريلكه وغيرهم الكثير.. وواقع الأمر أن الشاعر في ترجماته ينشد أموراً ثلاثة: الكشف عن ذائقته الشعرية التي تميل إلى لون من الشعر دون آخر، كما لو كان يقترح على قارئه أن يقرأه بين شعراء آخرين، ورسم ملامح المدرسة الشعرية التي ينتمي إليها، أو يرغب بالانتماء إليها، وتبيان علاقة الأحفاد بالأجداد، في الحقل الشعري، ذلك أن كل شاعر يختار، صراحة أو ضمناً، الشاعر المنقضي الذي ينتسب إليه. بيد أن القصيبي لا يكتفي فقط الإفصاح عن منظوره الشعري من خلال الشعراء الذين يذكرهم، أو يترجم عنهم، فهو يختم كتابه (مائة ورقة ياسمين بما يكشف عن هويته الشعرية.، وذلك في خمس قصائد تحمل عنوان: (برقيات رومانسية). تحتج القصائد على ما يسلب الوجود براءته، وعلى ما يسكب في العيون مياهاً مالحة تكدّر صفاءها، وعلى ما يطرد الإنسان من الوجود الأليف إلى وجود باهظ مصطنع. ولعل الحنين إلى زمن الطفولة الأولى هو ما يدفعه في (مائة ورقة ورد) إلى الحديث عن (آخر الرومانسيين)، هؤلاء الذين (يستنشقون الورد بشبق دون أن يعكروا لحظة النشرة بذكرى السماء).

حنين لا شفاء منه إلى عالم مغسول من الأذى والفساد. هذاموضوع قصيدة القصيبي، الذي احتفظ بداخله بزمن أثيري حيث (كانت الأشياء خضراء)، و)النعومة) حاضرة كلها، وإلفة مبرأة من القذى والغبار. وهو في هذا كله ذلك الشاعر الذي يريد أن يعانق الكون، ويعانق القصائد التي احتضنته، إن لم يرَ في ذاته كوناً شعرياً منفصلاً عن جمع الأكوان التي لا تحتفي بنقاء الروح. والنقاء المنشود هو أساس النزوع إلى العزلة والدفاع عن ذات حرة، لا تقبل بالأقفاص ولا تأتلف مع (عادات الجماعة).

حلم القصيبي، ولا يزال، بقصيدة رومانسية كونية، يحتشد فيها ما قاله الرومانسيون جميعاً.

الأردن

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة