Culture Magazine Thursday  26/03/2009 G Issue 276
أفق
الخميس 29 ,ربيع الاول 1430   العدد  276
مقاربة
عبدالواحد الأنصاري في روايته الجديدة: (كيف تصنع يداً) رواية تدنو من المقاربة الوجدانية
عبدالحفيظ الشمري

 

(كيف تصنع يداً) رواية جديدة للكاتب والصحافي عبدالواحد الأنصاري، حوت في أعطافها العديد من الصور الفنية، والأحداث المفعمة بلغة الوعي الذي اتكأ عليه الراوي الشفوي دائماً بتقديم أسانيد، وهوامش، ومتون تعزز ما يرمي إليه لا سيما البداية التي وردت على هيئة تسع لوحات نثرية كمعاضد تاريخية وكذلك مقطعان شعريان بعنوان (المرايا والمزهرية)، ثم تتوالى اللوحات في العمل حيث شغلت هذه المقدمة نصف العمل فيما تداعت تفاصيل حكاية (حسين) البطل الذي حمل في ذاكرته رحلة عمر شقية تضوع ألماً وحسرة تشي فيها انثيالات الحكاية الأولى.

يطوِّف الروائي الأنصاري بنا في عوالم عجيبة وصور مدهشة استطاع أن يلتقطها بمهنية كتابية عالية تعكس حجم ما يختزنه من علوم ومعارف وقصص وحكايات موغلة في فرادتها وعتقها وكأننا نسير مع أهل (حسين.. البطل) بين صحاري إفريقيا الكبرى مع الطوارق وذكرياتهم، وكأننا على ظهور الإبل نغذ المسير نحو تخوم بعيدة في عمق الفلاة التي جاءت في العمل هي المنابت الأولى للشاب الذي يعكس لنا قضية جيل كامل يعاني من فقد الهوية.

يتعمق الكاتب الأنصاري في مشاعر شخصية البطل، وهي المحور الرئيسي الذي ترتكز عليه فعاليات النص، حيث يبدع في سرد تفاصيل حياته الدقيقة على نحو غير موارب ليصوغ في هذا الإطار حضور الحكاية منذ منابتها الأولى في ذلك المهد المسمى دائماً الواقع المر.

لوحات الرواية تصنع بالفعل أكثر من طرف وأقوى من يد، لنراه وقد أحكمت قبضتها على فضاء السرد لتجعل من شخصية (حسين) حالة وجدانية مفرطة في بأسها، وحنينها إلى الانكفاء على الذات رغم محاولات الحياة أن تضخ فيها دماء الفأل، ورجوى الأمل.

رواية (كيف تصنع يداً؟) رحلة قصيرة وشيقة تقف على أدنى الأوجاع الإنسانية في وقت لم يشأ أن يكون متفائلاً أو لديه شعور بالحياة الهانئة.

استعرض الراوي العديد من الروافد الاستلهامية من قصص، ورؤى فلسفية، ووجدانية تفاعلت في ذات الكاتب ليحولها إلى سياق فكري معاضد ويبرر نسقه الإفصاحي وليكمل قدر الإمكان صياغة هذا البعد الفلسفي الهام لحالة البطل المفترض لهذه الرواية الرشيقة في قوامها وفكرتها ولغتها.

فالكاتب الأنصاري يحاول جاهداً أن يفصح عن مكنونه الثقافي من خلال هذه المشاهد المتوامضة التي تشرع في التعالق الضمني مع الطروحات الفكرية المتواترة على هيئة فضاءات استلهامية للشعور العام الذي قد يصوره الراوي في أدق معانيه لاسيما حالة (حسين) التي تفردت في التواثب على المسرح السردي بشكل واضح لا لبس فيه.

الغربة، والرحيل، والبحث عن الذات، وتلقف الأخبار والحكايات عن سلالته وأسلافه الذين ناءت بهم السبل فلم يعودوا مثقلين بوصايا الأولين في طلب الرحيل عبر المفاوز والقفاز.. إنما هي (دعة) وحضارة ومدن باتت تلوح لهؤلاء الغرباء من أمثال (حسين) ليستقروا فيها لكن سرعان ما تختلف النوايا، وتتداخل المفاهيم.. فلا هم الذين أقاموا في هذه المدن ولا هي التي استوعبتهم وحضنتهم في أعطافها كأي مرتزق يبحث عن اللقمة فحسب.

لحظة النهاية.. أو مشهد التنوير يفترض جدلية الحياة القائمة على حقيقة ما يمكن أن تصنعه اليدين من الإشارة إلى فعل الأذى.. أو إلى لحظة أن تكون اليد مفعمة بوهج حكاية لا تنتهي حيث تبصر فيها الكاتب عبدالواحد الأنصاري فصاغها لنا على نحو شيق.

***

إشارة:

كيف تصنع يداً..؟ (رواية)

عبدالواحد الأنصاري

دار وجوه - الرياض 1430هـ

تقع الرواية في نحو (114 صفحة) من القطع المتوسط


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة