Culture Magazine Thursday  28/05/2009 G Issue 285
قراءات
الخميس 4 ,جمادى الآخر 1430   العدد  285
ليف تولستوي (الرسالة الجامعة)
فواز العساف

 

يعد الكاتب الروسي ليف نيكولايفيتش تولستوي (1828 - 1910) من عباقرة الكتَّاب العالميين لما قدَّمه للتراث الإنساني من الأعمال الفنية الأدبية التي وضعته في عداد الكتَّاب العظام للعالم أجمع، وهذا الثراء الأدبي الذي أرّخ العصر الذي سبق الثورة الروسية في العام 1917 بأمانة ودقة متناهية متنقلاً بين دفتي الطبقات الاجتماعية، جعله خطوة إلى الأمام في التطور الفني للإنسانية جمعاء.

لقد آثر تولستوي وهو ابن الطبقة الإقطاعية الروسية الغنية بحكم نسبه المنتمي إليه، أن يعيش التجربة الإنسانية بكافة أبعادها ليترك إلى غير رجعة كل ذلك الثراء المادي والترف المعيشي ولينتقل إلى الفقر والبؤس بكامل إرادته، مفضلاً عيش تجربة إنسانية جديدة، غنية بالتفاصيل الحياتية والصور والأحداث التي أغنت نتاجه الضخم ليبلغ فيما بعد تسعين مجلداً من القطع الكبير، وكان ظهورها حدثاً مهماً في العالم، وتمكّن القارئ الأجنبي فيما بعد من التعرّف على إبداعه على نحو أوسع، ولعل من بين الأعمال التي نُشرت في اللغة العربية لأول مرة قصته المبكرة (غارة) وروايته القصيرة (بوليكوشكا) التي صورت موقف الكاتب المؤيد لإلغاء نظام العبودية في روسيا.

بدأ تولستوي حياته الأدبية في عمر الرابعة والعشرين، معتمداً على تجربته الشابة في حرب القفقاس التي امتدت عشرات السنين وتركت تأثيرها القوي على أدب الكثير من الأدباء الروس الأوائل كرواية الروسي لورمونتوف (بطل من زماننا)، والمعروف أن أدب الحروب أقرب إلى شكل اليوميات أو (الريبورتاجات) التي تنقل وصفاً لساحة المعركة، لكن بعض المبدعين ك(تولستوي) استطاع أن يخرج عن المألوف والعادة وأعطى وصفاً للحرب أكثر سعة وشمولاً، عبر طرح مجموعة من الأفكار الرئيسية لنصّه الأدبي طارحاً تساؤله على القارئ: كيف تحدد الشجاعة الحقيقية للإنسان في الحرب؟

إن بطل قصته الأولى يكتشف أن (الشجاع هو من يتصرف كما ينبغي) لكن ذلك لا يعني بالمطلق أنه يؤيّد فكرة القتل للتعبير عن القوة، بل طرح مفهوماً فلسفياً مرتبطاً بالرضا عن الذات وفهمٍ للمبادئ والدوافع الشخصية التي ترسم سلوك الكاتب - المقاتل، فهو يتساءل مجدداً: (أيعقل أن الناس يشعرون بالازدحام في العيش في هذه الدنيا الرائعة، وتحت هذه النجوم التي لا تحصى؟ وهل يمكن حقاً أن يبقى في نفس الإنسان شعور الحقد والانتقام ونوازع القضاء على بني جنسه؟ يبدو لي أن كل ما في قلب الإنسان من شر لا بد سيختفي في تماسه مع الطبيعة...)

لقد كان تولستوي منذ صباه وحتى أواخر عمره يعتبر خلق الإنسان لا يقتصر على الاستعداد الدائم للدفاع عن أرض الوطن، بل يتعدى ذلك إلى حبه الأصيل للسلام، ورغبته في أن يعيش في صداقة ووئام مع جميع الشعوب الأخرى، وهذه الرسالة السامية ناتجة عن نضج فكري عميق في فترة قاسية من التاريخ الإنساني أنتجت فيما بعد كماً هائلاً من الحروب الكونية التي أبادت الملايين من البشر، وربما نحتاج اليوم إلى عشرات (التولستويات) لتنقية أفكارنا من شعور الحقد والانتقام الذي يغذي تطرفنا الفكري والمادي اللا مبرر، والذي يجرنا جراً لارتكاب أبشع المجازر بحق أوطاننا، على الرغم من رسالتنا السماوية التي نادت بنبذ كل ذلك.

- موسكو

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة