Culture Magazine Thursday  03/06/2010 G Issue 313
فضاءات
الخميس 20 ,جمادى الآخر 1431   العدد  313
 
نهايات مفتوحة.. لمصائر مأساوية مجترحة!
أحمد الدويحي

عنوان صارخ: لا يكتفي بأن يعلن أن الآخر لوثة!، لكني شعرت لسببين بمتعة نادرة، أعقبت جفاء مع هذا الفن السردي المتنوع قراءة وكتابة، فرغت من توقيع روايتي الأخيرة (وحي الآخرة) في معرض الكتاب الأخير، أستعد للمضي إلى بوابة الخروج، يسندني أحد أقربائي أو بعض الأصدقاء بيد، وسأتكئ على عصاي باليد الأخرى، فتهديني الزميلة/ فوزية الشدادي الحربي مجموعتها القصصية (ليتني ما تلوثت بك) في طريقي للخروج وسط الزحام، قرأتها ولا بد أن أحترم شجاعتها واحترامها لفنها، فحرضتني على هذه السطور في السلسلة السردية الكتابية، واخترت (8) نماذج متوالية متتالية إلى قصةٍ تسمّها، وتحمل (عنوان) المجموعة التي تقع في 18 نصاً.. لغة المجوعة السردية مشوقة سلسلة غير متكلفة لينة للدلالة على خطاب النص، وفن القصة القصيرة وامض وحاسم ومراوغ ومكثف، يتماس مع كل الفنون، وتبقى له خصوصيته الفنية تتماهى مع لحظة الكشف السريعة، وسنحاول التقاط النهايات الوامضة، لتأويل ما أمكن من خطابات الحدث السردي، وشخوص النص والملاحظات الممكنة.

1 - نصف أنثى:

بطلة هذا النص منتحرة: (نادمة على شبابي مع هذا الذي يحمل أوراقاً تثبت ملكيتي..) ص9 وسنرى أن الكاتبة تذهب في الحالة مباشرة، بلا تفريعات تفقد النص لحظة الاحتشاد، فتضيء لحظة التنوير ونقطة التلاشي نهاية النص، فنكتشف أن الموت/ الغياب هو النهاية والمعادل والموضوع لحالة واحدة هو الآخر..

(كنت أرجوها بكل ضعفي، بكل هواني قلت لها: ما دام يملك نصف روحي، نصف عمري، نصف سعادتي، نصف ضحكتي، نصف أنفاسي، فهو يستحق، فأنا لا أستطيع العيش مبتورة، لا أستطيع العيش نصف أنثى.

وعندما أحرقت دمعتي كفها، تناولت هاتفها وطلبت الرقم.. جاء الصوت سريعاً (غير موجود بالخدمة) فتذهب من جديد في اللاوعي) ص11

2 - أثر الراحلين

النموذج هنا - ونادراً، ما تسمي فوزية الشدادي الحربي شخوص نصوصها، وقد يكون من المبالغة في إظهار تهميش المرأة، فيصبح فضاء النص هو البطل، وحينما يتكرر الخطاب، ويكرس فالضحية هنا هو الآخر الذي لا بد منه: (ردت بصوتها العذب: يا مجنون أنا فتاة سياجي عالي وموصد.. ماذا تريد بي؟، وطال النزاع حول محصول القمح، لعدم كفاية من سيتولى أمر الحصاد، وكانت أعواد السنابل تحني أوراقها ناحية التراب..) قصة غاية في الروعة!

3- أجنحة حرة

الآخر هنا -عابث، مستلب عانى في طفولته من أب متسلط، ودلال أم وعاطفتها، سلبته منها صديقته الفرنسية (روز) في زمن بعثته، وحينما صدر حكم والده ليرتبط بابنة عمه (بطلة النص) وبعد زواج أسبوعين، يسافر ويدعها دمية ليعود بعد سنة: (لم يبدل الغزل الجامح ما تود قوله:

- أنا أم لطفلك فقط.. وسأكون زوجة لغيرك، أقول ذلك بحكم أنك ذو ثقافة غربية وسيسعدك حديثي بصراحة!) ص27 ويتضح أن هناك حالات لنماذج متنوعة، مصائرها معلقة فتبدو نهايات المجموعة محددة، فالآخر هو من ينطق ويقرر ويكشف ويضئ ..

4 - الثالوث الأسود

تتسم نصوص المجموعة بندرة الحوار بين شخوصها وهم قلة، يستغني أحياناً عن أسمائهم بتكثيف الحالة الشعورية، وبطلة هذا النص تستحضر عالمها بالمنولوج الداخلي، وتكشف وجهها بوقفتها الطويلة في مواجه المرايا، ليضيء في النهاية: (كم تفاخرت كثيراً بهذا (الخال) حول شفتي، ماله يتدلي كالثالوث الأسود؟!) ص 34، ويظهر أن الحالة الشعورية بالفقد والغياب، تسيطر مع تنوع أجيال وعوالم الشخوص.

5 - أم ذيل

تتفرد هذي القصة بتماسها شديد الواقعية، واستطراد وحشو لا تحتمله قصة قصيرة وامضة، وتعددت دلالة النسيج الخطابي لشخوص النص، فيتمدد زمن النص مع أن الزمن ذاته أحد مفاتيح قراءته، نجحت الكاتبة في تضفير نسيج القصة من لحمة الواقع والمحكي الشعبي، وتوظيف الأرض وحالة الولادة والكي من مرض (أم ذيل) الذي يسمّ النص، وتبدو (البشارة) في نهاية النص وصوت الزغاريد من بعيد مبشراً بمولد طفل في لثغة أخرى: (ويبي يديب لنا الثوب المقثب) خير نهاية.. ص39

6 - بنت العراقية

(إذا أصبحت وحيدة يناديني الناس بنت العراقية التي أكل أخوتها جثة أمهم) ص 48، ويبدو أن هذا النص يحمل نفساً سياسياً كنص (أم ذيل) لكن حرية فضاء النص، جعل القاصة تتجلى في استحضار لغة المكان، لتفاجئنا بالنهاية والمصير الذي ينتظر (بنت العراقية) بموت أمها بنت البصرة..

7 - زنجبيلة

وتتخذ القصة من الحالة ذاتها اسم بطلة النص، ومكانها داخل (باص) نشاهده كل يوم في شوارعنا، ينقل الأطفال والمعلمات إلى مدارسهم، طلب يدها فرفض والدها ومات بعد سنة: (ولم تمض ساعات إلا وزنجبيلة تجلس على الكرسي القريب منه..) ص 53 واجهت ذات المصير وحكم الآخر، ونشهد براعة الكاتبة في تنوع موضوعات نصوصها، وتعدد حالات نماذجها ومعطيات تشكلها، وتتطابق في خطابها والمصائر المأسوية.

8 - ليتني ما تلوثت بك

(دارت رحى الأيام ثقيلة وقاتلة، أصبح عمره خمسة وستين عاماً، وعمري أربعاً وعشرين، في بيت كبير بدون أطفال، ولا يعرف من حولي كيف تتنفس هذه الصبية إذا نام سجّانها). تكشف نهاية النص المأسوية أن لعنة المال، أحرق بخورها فستان العروس، الآخر الذي تمنت أن لا تتلوث به، الرجل الذي اشتراها وباعها..

تحضر نصوص في الجزء الباقي غاية في الروعة، وقد حرصت على بقاء السياق، فغالباً النهايات بائسة ومأزومة، تجترح القاصة عناوين نصوصها، وتبقيها لنهايات مشرعة للتأويلات المفتوحة، وقد يستغرب قارئ يشاركني السؤال.. لماذا تركيز الكاتبة على شخوصها الأنثوية، وأجد المثل (الخير يخص والشر يعم) صحيحاً، إذ يواجه سيادة حالات الظلم والشك في الآخر، وفقدان الحرية والشفافية.

***

يرقد الأستاذ أحمد بأحد المستشفيات لإجراء عملية جراحية. «الثقافية» تتمنى للدويحي السلامة وأن تتكلل العملية بالنجاح ليعاود الركض في ميادين الكتابة

والإبداع.

الرياض
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة