Culture Magazine Thursday  04/11/2010 G Issue 322
فضاءات
الخميس 27 ,ذو القعدة 1431   العدد  322
 
دراما الواقع في تلك المرحلة
(.. مع الحب والجوع والحرب) و(سفر برلك – والهجرة العكسية..)
فيصل أكرم

أحاديثُ الآباء للأبناء مهما تكن بسيطة أو صعبة، فهي تبقى في الذاكرة ما بقيت الذاكرة.. ذاك حالي مع أحاديث أبي - رحمة الله عليه - عن الدولة العثمانية في نهايات عهدها، واشتعال الحرب العالمية الأولى وما تبعها من أحداث عاصرها والدي (1912 - 1990) في مكة المكرمة بخاصة والحجاز بعامة، وما أزال أعود بالذاكرة إلى تلك الأحاديث كلما قرأتُ كتاباً عن تلك المرحلة المتزامنة مع بداية التحولات والأحداث المشكّلة للعالم المتطوّر في العنف والأسلحة الفتاكة بأمم من البشر، إبّان الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، ودائماً ما أجد تطابقاً بين رواياتٍ سمعتها من والدي وما أطالعه من مذكرات لمثقفين عاصروا تلك الفترة التي مضى عليها ما يقارب قرناً من الزمان.

ومؤخراً كنتُ أتصفح كتاب العزيز الدكتور عبد الله الحيدري (إضاءات في أدب السيرة والسيرة الذاتية) واستوقفتني مقالته عن الأديب الراحل عزيز ضياء (1914 - 1997) وكتابه (حياتي مع الجوع والحب والحرب) الذي أرّخ فيه لسيرته الذاتية حين تفتحت عيناه على حالة الحصار وحملة التهجير الجماعي التي فرضها العثمانيون على أهل المدينة المنورة لنفيهم إلى بلاد الشام عبر قطار السكة الحديد الذي اصطلح على تسميته (سفر برلك) فجاء سرده مميزاً بأسلوبه الأدبيّ الرفيع، غير أن الحيدري كان في مقالته يأخذ على المؤلف صياغته للحوارات بالعامية الحجازية ويتمنى لو أنه صاغها بالفصحى المبسطة.

في الواقع أنني حين قرأتُ (حياتي مع الحب والحرب والجوع) للمرة الأولى، قبل أكثر من عشر سنين، أخذتُ على المؤلف المأخذ نفسه وكنتُ أحبذ أن تكون اللغة فصحى حتى في الحوارات.. ولكني الآن حين أعيد القراءة بشيء من البعد عن (اللهجة) الحجازية التي بدأت في الذوبان بين مختلف اللهجات باعتمادها وغيرها من اللهجات المحلية على كثير من مفردات الفصحى (أو اللغة الرسمية الوسط)، صار الكتابُ بالنسبة لي (ذاكرة) بكل فقراته المتضمنة للأحداث العامة عن تلك المرحلة من عمر الحجاز بما كان يدور من حوارات (بيتوتية) بين أفراد الأسرة الحجازية (المدنية) وهي لا تختلف كثيراً عن الأسرة (المكية) والحجازية عموماً.

كذلك انتبهتُ الآن إلى المغزى والبعد الكامن في العنوان (حياتي مع الحب والجوع والحرب) فالمؤلف لم يشأ أن يدوّن (الحياة) عموماً مع الحب والجوع والحرب، إنما هو يدوّن (حياته) الخاصة به مع حالة عامة وكارثة ألمّت بشعب كامل أثناء (الجوع والحرب) وكذلك الجانب الشخصيّ من حياته مع (الحب) وعليه فهو يقدّم سيرة فيها من الخصوصية ما يفرض عليه أن يوثقها كما عاشها وبالمفردات نفسها التي جرت على لسانه الطفل وألسنة من حوله من الأسر الحجازية المدنية.

صدرت بعد كتاب عزيز ضياء كتبٌ أخرى تتناول بعض الجوانب من تلك الحقبة من تاريخ الأسر المدنية مع الحرب العالمية الأولى وبخاصة حالة التهجير القسري بالقطار الذي كان اسمه (قطار الحجاز) وساهم في تمويل إنشائه مسلمون من أنحاء العالم كافة بهدف تسهيل رحلة الحج على كثير من حجاج الدول العربية قبل أن يصبح القطار (سفر برلك).

وأتيح لي أن أطالع بعض ما كتبه الباحث والمؤرخ أحمد أمين مرشد في سلسلة كتبه عن المدينة المنورة، والجزء الخاص بسفر برلك، وكذلك ما قدمه الباحث والمؤرخ فايز بن موسى البدراني في محاضرة (مغايرة) له بالمدينة المنورة تناقلتها بعض الصحف، فتبين لي بجلاء أوضح بعض الجوانب المجهولة من هول المأساة التي عاشها سكان المدينة المنورة في تلك الحقبة، وهو ما يفوق الأنباء المتواترة عبر النازحين أو الهاربين من حصار المدينة المنورة إلى غليان مكة المكرمة حين كان والدي يراقب كل ذلك ويتأثر به وهو طفل فعاشت معه تلك المشاهد أو ربما الحكايات التي كان يسمعها من والده (جدّي) الذي كان صاحب خان (أو سوق صغير مسقوف عرف باسمه) فأتيح له أن يكون على معرفة بمجريات الأحداث واحتكاك متواصل مع مختلف طبقات المجتمع المكي خصوصاً والحجازي عموماً بحكم المصالح التجارية.. وهكذا تمكنت تلك الأحداث العصيبة من ذاكرة أبي وعاشت معه حتى حكاها لي في آخر أيامه؛ وإن كنتُ أجد تطابقاً كثيراً بين ما سمعته منه وما أقرأه موثقاً أحياناً أو نادراً فلعلي هنا أستغربُ خلوَ المواد القليلة الموثقة عن تلك المرحلة من ذكر شيء عن بعض العائلات التي تمكنت من الهجرة (العكسية) من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، على رغم أن مكة لم يكن حالها أفضل كثيراً من حال المدينة إذ الحرب فيها كانت (ثورة) أسفرت عن فوضى اشتعلت ولم تخمد حتى ما بعد انتهاء حكم العثمانيين وسيطرة الأشراف، فقد كان الاضطرابُ يعمّ أحياء مكة وجبالها وشعابها وحواريها - بحسب ما سمعتُ وقرأتُ، أو بحسب ما أتخيّلُ مما لم أسمع ولم أقرأ..!

أما عن (السفر برلك) فهي كلمة تركية ومعناها كما يقال (الترحيل الجماعي) وهي لا تعني ما حدث لأهل المدينة المنورة من ترحيل جماعي إلى الشام وحسب، بل هي حملة عسكرية قامت بها الدولة العثمانية - حينما اشتدّ عليها الخناق - في بلاد الشام لنفي شباب المنطقة وإضعاف المقاومة أولاً، ثم للتجنيد الإجباري في مواجهة الجيوش المعادية للدولة.. وعلى ذلك كانت الحملة بترحيل الرجال من بلاد الشام وغيرها إلى سيناء للحرب ضد القوات البريطانية عند قناة السويس، ثم إلى أوربا للهدف نفسه.. وقد كان على عدة أشكال فبعضه كان يتم مشياً على الأقدام من بلاد تضجّ بالمقاومة إلى بلاد في أتون الحرب والمواجهة، وبعضه كان بوسائل النقل الجماعية كالعربات والقوافل والقطارات.. وقد وثق (الرحابنة) لملامح (عاطفية) من تلك الأحداث - من ناحية بلاد الشام ولبنان - بفيلم اسمه (سفر برلك) تأليف الأخوين رحباني أخرجه هنري بركات عام 1966 وقامت ببطولته السيدة فيروز، ومؤخراً صدرت رواية بعنوان (سفر برلك ودروب القفر) للكاتب الأردني سليمان القوابعة تتناول الحدث نفسه من الناحية نفسها؛ أما عن (السفر برلك) الذي يعني تهجير أهل المدينة المنورة إلى الشام أو تركيا عبر القطار، فليست الأجيال الجديدة وحدها من لا تعرف عنه شيئاً، إنما ثمة أدباء ورجال علْم (من الكبار لدينا) لم يعرفوا عنه شيئاً كذلك، فهذا أديبنا الكبير عبد الفتاح أبو مدين يقول في مقالة له عنوانها (عزيز ضياء: شظف عيش ورهافة حسّ) منشورة في العدد 313 من (الثقافية) بتاريخ 3-6-2010 في معرض حديثه عن عزيز ضياء: (ومن خلال سيرته الذاتية التي جاءت ضمن مجموعته الأدبية، قرأت عن رحيل الكثيرين من سكان المدينة المنورة بالقطار إلى الشام، الذي أسموه (سفر برلك) حيث كانت الحرب والفقر والجوع، وسمى الأستاذ عزيز سفر برلك ب:(المنفى) مات فيه الكثير بسبب الأمراض والأوبئة والفقر المدقع والجوع والبؤس..).

كذلك أشير إلى خبر نشرته صحيفة (الوطن) بتاريخ 29-8-2010 جاء فيه: (انتقد أستاذ المعهد العالي للقضاء عضو لجنة المناصحة بوزارة الداخلية الدكتور محمد بن يحيى النجيمي في مداخلته في منتدى الهاشمية الثقافي في المدينة المنورة غياب التلفزيون السعودي عن توثيق كثير من الأحداث التي مرت بها المدينة المنورة، وقال معلقاً على العرض الذي قدمه الباحث والمؤرخ المديني أحمد بن أمين مرشد عن تاريخ المدينة المنورة وعدد من الأحداث التي مرت بها والتي من أشهرها قصة «سفر برلك» بأن ذلك تاريخ «مطمور» مؤكداً أنه سمع عن سفر برلك ولكنه لا يعلم عنها شيئاً (!) وطلب النجيمي من مرشد في اللقاء الذي حضره الخميس المنصرم لفيف من مثقفي المدينة المنورة وحضره إمام مسجد قباء وعضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية أحمد بن علي الحذيفي أن يقدم له نبذة عن قصة سفر برلك)..!

على هذا أقول: كيف نتعامل مع التاريخ والسياسة والثقافة من حولنا إن كنا لا نعرف شيئاً عمّا أحدثته أولى الحروب العالمية في صميم منطقتنا وأهلنا..؟!

إنها (دراما الواقع في تلك المرحلة) وأجزمُ أنها لم تأخذ كفايتها من التوثيق الشامل بخاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن بعض شهود تلك المرحلة لا يزالون على قيد الحياة، وهو ما يحتم الاستشهاد بذكرياتهم موثقة في عمل تلفزيوني درامي حيّ يكون شهادة يطالعها عامة الناس عن حقبة ألمت بعامة الناس في الداخل ولم نطالع عنها إلا ما تصدّره القنوات الإعلامية (الأجنبية) مدبلجاً إلى (العربية) عن الحرب العالمية الأولى بين الدول الكبرى، وكأننا كنا بمنأى عن كل ذلك!

أعود إلى كتاب عزيز ضياء وحياته مع الحب والجوع والحرب، وأستقطع فقرة ذكرها عبد الله الحيدري في دراسته نقل فيها عبارة كتبتها الأديبة شريفة الشملان: (لو كانت جائزة نوبل تعطى لمن يستحقها فعلاً، لكانت حقاً للأستاذ عزيز ضياء عن «حياتي مع الحب والجوع والحرب»).. وأنا أتفق تماماً مع هذا الرأي، وأرى إضافة إلى ذلك أن هذا الكتاب يصلح أن يكون مسلسلاً تلفزيونياً عن حياة عزيز ضياء خاصة، بينما الفقرات الواردة في كتابه عن مرحلة (الجوع والحرب) وفي كتب أخرى عن مأساة الحصار والتهجير الإجباري (سفر برلك) يجب أن يلم شتاتها ويتم توثيقها في عمل يحفظ كل ذلك من النسيان أو التهوين أو التهويل.. بخاصة أننا نقتربُ الآن من اكتمال قرنٍ كاملٍ من الزمان (الهجريّ) يفصل بيننا وبين تلك الأحداث العظمى، في تلك المرحلة من العصر الحديث لمنطقة الحجاز.. تلك المنطقة التي لم تعرف الاستقرار في الواقع ولا في كتب التاريخ التي يطالعها الطلبة في المدارس إلا مع أحداث قيام (مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها) عام 1926 كبداية عهدٍ جديدٍ مستقرّ توّج بتوحيد (المملكة العربية السعودية) عام 1932 على يد جلالة المؤسس الملك عبد العزيز - رحمة الله عليه -؛ فهل نرى من تلفزيوننا السعوديّ - بخاصةٍ قناته (الثقافية) التي ينتظر منها التخصص - عملاً يوثق لتلك المرحلة بواقعية، وإن كانت قاسية، حتى تعرف الأجيالُ الجديدةُ من عامة الناس بعضاً مما لم يعرفه حتى الآن إلاّ الباحثون والمؤرّخون وقلةٌ من المعمرين أو ممن أنصت لذكرياتهم أو قرأ مذكراتهم..؟

ffnff69@hotmail.com الرياض
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة