Culture Magazine Thursday  09/12/2010 G Issue 324
قراءات
الخميس 3 ,محرم 1432   العدد  324
 
وحي القلم لإمام البيان العربي مصطفى صادق الرافعي
عبدالفتاح أبومدين

-1-

قال عنه صاحب «الأعلام» الأستاذ خير الدين الزركلي:

مصطفى صادق بن عبدالرازق بن سعيد بن أحمد بن عبدالقادر الرافعي: عالم بالأدب، شاعر، من كبار الكتاب. أصله من طرابلس الشام، ومولده في بهتيم (بمنزل والد أمه) ووفاته في طنطا (بمصر) أصيب بصمم فكان يكتب له ما يراد مخاطبته به. شعره نقي الديباجة، على جفاف في أكثره. ونثره من الطراز الأول. له «ديوان شعر - ط» ثلاثة أجزاء، و»تاريخ آداب العرب- ط» جزءان، ثالثهما «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية - ط»، «تحت راية القرآن - ط» و»رسائل الأحزان - ط» و»على السفُّود - ط» رد على العقاد، و»وحي القلم - ط» ثلاثة أجزاء، و»ديوان النظرات - ط» و»السحاب الأحمر في فلسفة الحب والجمال - ط» و»حديث القمر - ط» و»المعركة - ط» في الرد على كتاب الدكتور طه حسين في الشعر الجاهلي، و»المساكين - ط» و»أوراق الورد - ط» ولمحمد سعيد العريان، كتاب «حياة الرافعي - ط» ولمحمود أبي رية: «رسائل الرافعي - ط» وهي رسائل خاصة، مما كان يبعث به إليه، اشتملت على كثير من آرائه في الأدب والسياسة ورجالها (1)..

في العدد «254» من مجلة الرسالة الصادر بتاريخ 16 ربيع أول 1357هـ مايو 1938.. كتب أديب العربية الكبير أحمد حسن الزيات في الافتتاحية بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي، فقال: كان الرافعي -رحمه الله- حجة في علوم اللسان، ثقة في فنون الأدب، عليمًا بأسرار اللغة، بصيرًا بمواقع اللفظ، خبيرًا بمواضع النقد، محيطًا بمذاهب الكلام.. وقلما تتهيأ هذه الصفات لغير المطبوعين من الأدباء الذين تعاطوا مهنة التعلم، فاستنزفوا أيامهم في درس القواعد وحفظ الشواهد وفقه النصوص بحكم الصنعة.. فكنت إذا ذاكرته في شيء من دقائق النحو وخواصر التركيب وفروق اللغات، وجدته على ظهر لسانه، كأنما انصرف من مراجعته لوقته.. ودراسة الكاتب أو الشاعر للغته وفنه هي في رأيه ورأي الحق شرط لوجوده، فلا يكون النبوغ والاستاذية بدونه، ولا تجزي الطبيعة والمحاكاة عنه..

وكان -شهد الله- فيما بينه وبين أخصائه يرفع أدب العقاد بوضوح هذه المزية في كل ضرب من ضروبه»..

وقال الاستاذ الزيات: ولقد بلغ علم الرافعي بالعربية وآدابها حد الاجتهاد والرأي، فكان يقف في التعليل والاستنباط من ثقاتها ورواتها موقف الند؟ وقد يعظم أحيانًا فيقف منهم موقف الاستاذ.. فهو في أدبه مطلق الحرية، مستقل الإرادة في حدود المأثور من بيان العرب، ولكنه في فلسفته مقيد النظر، مسير الفكر، لنزوله في الرأي على حكم الدين»..

رأى الرافعي في الاستاذين طه والعقاد! قال الزيات: ذكرت بذكرى الرافعي وعدًا درجت الأيام عليه ولم أوف به»!

فقرأت في مطلع هذا الحديث شيئًا مما قاله رئيس تحرير الرسالة بالعدد «254».. قال

* ألقي هذا الحديث في «خميسية» حمد الجاسر 26-12-1431ه الموافق 2-12-2010م الكاتب في افتتاحية الرسالة ب»العدد «358» الصادر بتاريخ 6 ربيع الآخر 1359ه:

ذلك أن أذكر لقراء الرسالة الرأي الصريح المجرد لصاحب (السفود) و(تحت راية القرآن) في خصميه العظيمين طه والعقاد. وفي ظني أن تسجيل هذا الرأي قد يصحح ما شاع في أجواء الأدب من نقد مسّه الهوى، وحكم أفسدته الخصومة. فإن الرافعي رحمة الله عليه، كان من أبصر الناس بصرف الكلام وأقدرهم على نقده؛ ولكن تعقبه للأدباء الأحياء قلما كان يبرأ من مجاملة الصداقة أو منافسة الحرفة. فإذا أردت استنباط رأيه الحر من غوره البعيد لا يتيسر لك ذلك منه إلا في الخلوة حين يأمن الأذن الخصيمة، والقلم المسجل»..

واستطرد كاتب العربية الكبير في حديثه على شاطئ الإسكندرية الجميل فقال: «جلسنًا معًا ذات يوم من أيام الإسكندرية على قهوة (اتينيوس)، بعد غداء ضاحك هنئ على مائدة صديقنا المرحوم فليكس فارس، وكان حديث الرافعي على المقهى الأنيق الوادع أفانين من النكات والافاكيه.. وعبر هذا التحاور الذي غرّب وشرّق بين الرجلين، ورؤى الرافعي ما أسماه الزيات «أعاجيب» مما يلقى عليه إلقاءً في النوم، وما يلهمه إلهامًا في اليقظة، وعزا ذلك - أي الرافعي إلى قوة إلهية ترفده وتسنده، فقال له الزيات ضاحكًا: وهل تعتقد أن من المهم هذه القوة تلك الفصول المفزعة التي كتبتها في النقد؟ فأجاب بلهجته الحاسمة: أما ما كتبته (على السفود)، فأكثره رجس من عمل الشيطان، وأما ما أدخلته (تحت راية القرآن) فكله إلهام من روح الله».. -الحديث كان كتابة من الاستاذ الزيات- وهو كما قال: «بصمة تحريرية مني وشفوية منه» وسأل الزيات الرافعي: أتستطيع في هذه المناسبة يا صاحب (تاريخ آداب العرب) أن تجرد نفسك من ملابسات الخصومة وتجمل لي رأيك الخالص في طه والعقاد؟».. فأجاب الرافعي وعلى محياه الوردي سيما المعترف المقر: «أما لك فأقول الحق. وما دمت لا أكتبه فلا أبالي أن تنشره: «إن طه عجيب التكوين جليل المواهب، وهو مدين بنبوغه لتوقد ذهنه ودقّة حسه وقوة ذاكرته ولباقة حديثه ومزايا عاهته، ولو أنه انتهى كما بدأ لكان اليوم أحد عباقرة الدنيا، ولكنه بلغ المنزلة المرجوة قبل الأوان لأسباب غير طبيعية، فأعفي طبعه واطمأن إلى منصبه المضمون ومجده المكتسب.. علمه علم الأديب يأخذ من كل شيء بطرف، وأدبه أدب الصحفي تصرفه السرعة عن الإجادة، وأسلوبه أسلوب الوادي المنحدر يشتد جريانه ويقل عمقه.. ذهنه لماّع الذكاء ولكنه لا ينفذ وقريحته واسعة الحيلة، ولكنها لا تخلق. لذلك تجده مغسول الكلام لا أثر فيه لروعة الفن، ولا لبراعة الفكرة. ولكنه قوي الشخصية، جيّاش الحركة، عذب السياق، جميل العرض، وهو أشبه الناس بمهندس العرض في بيوت التجارة، يعرض البضائع في البترينات منسقة على نظام يملك البصر، ولكنها تظّل بعد التنسيق كما كانت قبل التنسيق ملك غيره، وأحسبه إذا تنفس به العمر على هذه الحال يعود رجلاً له رأي مسموع في التأديب، ولكن ليس له أثر خالد في الأدب، ويلوح لي أن طه تعوزه العقيدة التي تخلق المبدأ، ومن هنا كان التناقض الظاهر في كل ما يصدر عنه من قول وفعل»..

أما العقاد فإني أكرهه واحترمه: أكرهه لأنه شديد الاعتداد بنفسه، قليل الإنصاف لغيره، ولعله أعلم الناس بمكاني من الأدب، ولكنه يَنفِس على قوة البيان فيتجاهلني حتى لا أجرى معه في عنان.. «واحترمه لأنه أديب قد استملك أداة الأدب، وباحث قد استكمل عدة البحث، قَصَر عمره وجهده على القراءة والكتابة، فلا ينفك بين كتاب وقلم ومن آفة الذين يديمون النظر في كلام الناس، إنهم يفتقدون استقلال الفكر وابتكار القريحة، وليس كذلك العقاد؛ فإن رأيه لقوة عقله وسلامة طبعه يظل متميزًا عن رأي الكتاب مهيمنًا عليه؛ يؤيده أو يفنده ولكنه لا يسمح له أن يذوب فيه أو يتأثربه».

«أسلوب العقاد أسلوب الأديب الحكيم، تبرز فيه الفكرة الدقيقة في مجتلى من الفن الرفيع، فيجمع بقوة تفكيره ودقة تعبيره طرفي البلاغة. والعقاد مخلص لفنه فلا يخرج للناس ما لا يرضاه، فهو لذلك أبعد الأدباء عن استغلال شهرته واستخدام إمضائه»..

قال الزيات: «فقلت له وأنا أختم الورقة التي أحدثه عليها:

هيهات يا صديقي أن يخلص رأيك من هواك، أن رأيك في الاستاذ العقاد رجوع إلى الحق، ولكن رأيك في الدكتور طه إمعان في الباطل! انتهى.

كُتب في الغلاف الأخير من أجزاء وحي القلم هذه العبارة المتميزة:

«هذا الكتاب فيه النفخة الأخيرة من أنفاس الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي؛ وفيه النبضة الأخيرة من قلبه، والومضة الأخيرة من وجدانه.. وإن هذا الكتاب يجمع كل خصائص الرافعي الأدبية، متميزة بوضوح؛ فمن شاء فليقرأه دون سائر كتبه؛ فسيكشف له الرافعي في سائر كتبه»..

وهذا قول صائب لا شك فيه؛ لأن صفحات كتاب وحي القلم قد أبرزت الرافعي الشاعر والرافعي القصاص والرافعي المفسر والرافعي المحدث والرافعي الكاتب المجيد البارز؛ والرافعي الناقد بما له من مزايا..

ومن أراد صورة البيان العربي الرائع في أرقى معانيه وأنصع صفحاته، فأول ما يلوح له هو كتاب وحي القلم.. وأنا منذ عرفت الحياة الأدبية، كنت مدركًا لأدب الرافعي وطول باعه؛ ولم أكتب عنه كما كتبت عن بعض رواد النهضة الأدبية في العالم العربي، لأني كنت لشدة تقديري له أتهيب الحديث عنه؛ لأن ما بنفسي وحدها أكبر من أن يحيط به قلمي المتواضع، ولا أكتم السامع والقارئ لهذا الحديث، أني كنت أجد غموضًا في بعض معاني نصوصه، لا استطيع أن أجلوه.. وكنت أحسبني وحدي في معاناة هذا الغموض؛ ولكني وجدت الدكتور عبدالوهاب عزام، وهو من هو في طليعة أدباء العربية، يعاني بعض ما أعانيه، فقد كتب عن وحي القلم مقالاً رائعًا بمجلة الرسالة في العدد «186»، الصادر بتاريخ 25-1-1937م، وبعد أن أفاض في الحديث الصادق عن تفرد الرافعي بأسلوب مبين قل أن يصعد إليه كاتب غيره، قال: «والرافعي يُغرب أحيانًا أو يدق فينبهم معناه؛ وفي هذا ثورة بعض الأدباء عليه؛ ولكن الذي أمن بقدرته فيما وضح واستبان من كلامه، يؤمن أنه حين يُغمض يتحيل لمعنى دقيق خفيّ لم ترُضه الألفاظ، ولم يذلله الكتّاب، أو يتلطف لفكر نفور آبد ليختله.. وكثيرًا ما يُخيّل إلي وأنا أقرأ آبدات الرافعي، أني أُتبع بصري طائرًا يرتفع في اللُّوح، ثم يرتفع حتى تُضمره السحب، فلا تراه العين ولكنها تعرف أنه في جو السماء. فإن قيل: إن هذا حكم الإعجاب والرضا؛ قلت فإني أتهم نفسي فلا أدفع عن هذه الأوابد، ولكن وحي القلم بريء من الغموض والابهام». انتهى!

وإذا كان الدكتور العظيم عبدالوهاب عزام، يقف أمام بعض المعاني دون أن يَغُض معانيها، فالعذر واضح لكل من يغمض عليه بعض آثار الأديب الكبير.. وقد جاء فيما نقلته عن وحي القلم من التعريف الموجز بالكتاب أنه يجمع كل خصائص الرافعي الأدبية.. وسأحاول أن أشير في هذا البحث إلى تفصيل ما تجمله هذه العبارة؛ فأوضح كيف كان الرافعي في وحي القلم شاعرًا وقصاصًا ومؤرخًا ومفسرًا ومحدثًا وناقدًا وكاتبًا؛ قدر ما تحمله هذه الصفحات المتواضعة؛ ولعلي أبلغ في ذلك بعض ما أريد!

- جدة

(1298 - 1356هـ 1881 - 1937م)

/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة