Culture Magazine Thursday  17/06/2010 G Issue 315
أوراق
الخميس 5 ,رجب 1431   العدد  315
 
السبيل: صوت الأب ولقاء الذكريات
أحمد اللهيب

لم تكن علاقتي بالدكتور عبد العزيز السبيل إلا من خلال صوت أبيه الذي يتماوج دائما بين أُذُنيّ في صلاة العشاء من الحرم المكي الشريف، وكانت سورة (الضحى) دائمًا ما تنسابُ بجمالٍ وروعةٍ لا يتقنها إلا الشيخُ محمدٌ - أمدّ اللهُ في عمره -، فكثيرًا ما كان الشيخُ يقرأُ هذه السورةَ حين يؤمُّ المصلين. ولذا حتى حين أسمعها من غيره أجد روحه وقراءته تعانقُ مسمعيّ مع كلّ آية يتلوها.

كانت هذه العلاقةُ التي تجمعُني بالدكتور، وهي علاقة غير مباشرة، وحتى حين كنت أدرسُ في جامعة الملك سعود في مرحلة الماجستير لستِّ سنواتٍ قضيتُها بين أروقةِ الجامعة لم ألتقِ الدكتور أو أقابله إلا مرة واحدة وكان عبورًا سريعًا، دار الحديث فيه عن العلاقة بين (الأنسنة والأسلمة)، وأنّ الأولى أعمُّ وأشمل من الثانية بمعناها الضيق لدى بعض الناس.

مرّت السنون، وها هو الدكتور عبد العزيز يتسلم لواء الثقافة في وزارة الثقافة والإعلام، وتمتدُ يدُه البيضاء الصادقة لعملية تجديدٍ واسعةٍ شملت العديد من المناحي والجهات الثقافية، ومن بينها الأندية الأدبية، حين هاتفني - وهو وكيل الوزارة - راغباً مني، مثل غيري، أن أنضمَ إلى مجلسِ إدارة نادي القصيم الأدبي، محسنًا الظنّ بي أن أكون سفيراً للشعر والأدب في النادي. فكانت سعادة غامرة تملأ وجهي وقلبي، فضحكة واسعة، وسرور يتفاوح بين جنبات روحي. بعد حين من الزمن، زار الدكتور عبد العزيز نادي القصيم لاختيار رئيسه ونائبه والمسؤولَيْنِ الإداري والمالي، عن طريق الانتخابات الداخلية، كانت شخصية الدكتور مختلفة عن لقائي العابر به في جامعة الملك سعود، أحسست من عينيه هماً ثقيلاً يختبئ فيهما ناتجاً عن متابعة الشأن الثقافي في وطن مثل السعودية، يتسع ويختلف ويتقاطع و.... وهو يقف وحيداً لا ينافح سواه ذلك الشأن!، كما أظهر جدًا وحزمًا جديرين به وبمنصبه الذي ينوء بحمله!.

بعد ذلك التقيتُ الدكتور عبد العزيز في عدد من المناسبات في جدة والرياض وفي القصيم، وربما لبَوْنِ المكانة الإدارية والاجتماعية والثقافية بيني وبينه لم أتحاور معه، وإن كان سمعني في لقاء المثقفين السعوديين في جدة لمناقشة الإستراتيجية الثقافية، حين كنت مقرراً لمناقشة قضايا المكتبات والكتب.

بعد عام من تعييني عضواً في نادي القصيم الأدبي - أحسبُ أني فيه بذلتُ جهدي، وصح عزمي في خدمة النادي وحمل راية الشعر والأدب والثقافة عالية، فخرجت منه مرفوع الرأس، وقد أسّستُ جماعة الشعر فيه -، بعد عام قدّمتُ استقالتي لانتدابي للعمل خارج السعودية لأربع سنوات مما يعني أنّي لن أتمكن من العمل الأدبي والثقافي في النادي، فهاتفتُ الدكتور عبد العزيز مبدياً رغبتي بالاستقالة، وعدم قدرتي على خدمة النادي وأنا بعيد عنه، فكتبت استقالتي وقدمتها لرئيس النادي الدكتور أحمد الطامي.

ثلاث سنوات قضيتها بعيداً عن النادي إلا لماماً من حضورٍ في مناسبةٍ أو أمسيةٍ، وها هي الأيام تجمعُني بالدكتور عبد العزيز السبيل، وأنا في مقر إقامتي خارج السعودية في مملكة البحرين، حيث هاتفني الدكتور مساء الخميس الثالث من الشهر السادس لعام ألفين وعشرة، ويعلم الله مدى سعادتي بذلك الاتصال الذي أشعرني بشيء جميل جداً، فحين تكتشف مكانتك لدى مسؤول جميل مثل الدكتور عبد العزيز لا يمكن أن تنسى هذا الموقف أبداً، وحين تلمس من كلماته ودّاً وصفاءً لا يتمثلها كثير ممن تسلموا مناصب كبرى في أي دولة لا تسعفك الكلمات لإبداء سرورك. بعد مكالمة قصيرة دارت فيها كلمات الترحيب ضربنا موعداً كي نلتقي غداً.

كان موعدنا يوم الجمعة الرابع من يونيه من عام 2010م الساعة الواحدة والنصف ظهراً في مقهى السوق في أحد المجمعات الكبيرة في البحرين، كانت قدماي تسابقان الريح شوقاً إلى لقائه، وعيناي تلتفتان يمنة ويسرة لعلّي لا أرى أحداً ممن أعرفُ فيرغبُ بصحبتي أو صحبته، كنت مشتاقاً إلى لقائه، ولذا أشعر أن (السُّلّم الكهربائي) الذي يقودني إلى الطابق الثالث حيث المقهى الذي يجلس فيه الدكتور بطيء جداً. أحسبُ الزمن وأنظرُ إلى الوقت بين الفينة والأخرى، وسرعان ما دلفتُ إلى مدخل المكان المحدد فلم أجد إلا رائحة الكتاب في زاوية منه، فعرفت أن الدكتور عبد العزيز هناك بانتظاري، وليتني كنتُ بانتظاره، فهو أحقُّ بذلك!!.

ربما لم تمنحني الأيام فرصة مثل هذه للقاء الدكتور عبد العزيز، كان لقاءً جميلاً رشفنا فيه قليلاً من (كافيه لاتيه)، وأخذنا أطراف الحديث، ولم ينتهِ بنا الطواف إلا ونحن نقتحم الساعة الرابعة عصراً تقريباً، كان حديثاً متنوعاً وبخاصة من جانبي كنتُ متلهفاً لسماع كل شيء من الدكتور، عن والده - الذي أحبه كثيراً -، عن عمله، عن صحته، عن الثقافة، وعن كتابه الجديد (عروبة اليوم)، وعن البحرين، وعن أيامي فيها، وعن التعليم، وعن القصيم، وعمّن يعرفهم الدكتور من أقاربي. المدهش أن الدكتور كان أكثر سعادةً وأكثر جمالاً من قبل، أشعرني حديثه أن همّاً ثقيلاً زاح عن صدره وقلبه، ولذا أصبح حراً، ولا أجمل من الحرية يا وطني!. ودّعته - وبودي لو يودعني صفو الحياة وأني لا أودعه - بعد أن أبدى رغبةً بالانصراف، ضارباً معه موعداً غداً صباحاً الساعة الثامنة والنصف لزيارة (باب البحرين).

الساعة السابعة من صباح السبت استيقظت، ولكن النوم أبدى رغبةً في معانقة عيني، مرة ثانية في الساعة الثامنة استيقظت ونزعت ثياب النوم عن مقلتي، وسرعان ما أنهيت جميع الأمور، هاتفت الدكتور وأنا خارج من باب البيت، قلت له: (ربع ساعة وأكون عندك)، المسافة من (الرفاع) حيث أسكن إلى فندق (الشيرتون) حيث مقام الدكتور عبد العزيز ليست قريبة، ولكن الطرق كانت سالكة، فاليوم إجازة نهاية الأسبوع كما هو معروف في البحرين، والناس غرقى في مناماتهم، وصلت إلى حيث مقر الدكتور، وتشرّفت بصحبته في ذلك الصباح، وذهبنا إلى (باب البحرين) أبدى الدكتور سعادة واضحة وهو يعبر الأزقة والشوارع القديمة في تلك المنطقة، فهي تعيده إلى الماضي الجميل، فالممرات ضيقة، والباعة منذ الصباح يفتحون أبواب محلاتهم ودكاكينهم، ويسارعون في عرض بضائعهم، كان مستوى الرطوبة متدنياً، ولكنّ حرارة الجو بدأت بالارتفاع كلما تقدّم بنا الوقت.

الحوار الثقافي مع الدكتور امتدّ بين تلك الأزقة والممرات، عن مقالة خالد الرفاعي في الدكتور الغذامي وأنه يمكن قراءتها من أكثر من وجه، عن مقالات سهام القحطاني ومن يفهمها؟، عن الشيعة والسنة والتشدُّد الذي ينخر في قلوب كل فريق، وبخاصة أن تلك المنطقة تجمع عدداً من مناسبات الشيعة في البحرين في كل عام، عن الأسواق التراثية التي زارها الدكتور في صنعاء، في الصين، في دمشق...، أشعر أن أبا حسان يغرق قلبه في حب التراث، أبدى حزنه لضياع كثير من معالم التراث في منطقة القصيم وبالذات في بريدة، سألني عن (قبة رشيد)؟. قلت: هي باقية على الرغم من التغيّر الذي لحقها.

طاف بنا الزمن، وطافت أرجلنا، وطاف بنا الحديث والفكر بين تلك الممرات الشعبية التي تنفس فيها الدكتور رحيقاً جميلاً يستهويه، حتى وصلنا إلى مقهى شعبي، عرضت على الدكتور الذهاب إلى مطعم قريب لتناول طعام الإفطار، لكن رغب بهذا المقهى الشعبي الذي يحيط به كبار السنّ من كل جانب، تبدو نفس الدكتور معلقة بكل شيء تراثي، ولذا آثر تناول إفطار شعبي فيه.

الساعة العاشرة والربع تقريباً، أقفلت عيني على متعة رائعة، ونزهة فكرية جميلة، وصباح من أجمل الصباحات، ودّعت الدكتور عبد العزيز السبيل ممتنًا لأنه منحني شيئاً من قلبه وروحه، شعرت فيها بعلاقة تسبح في الماضي البعيد على الرغم من أنّ الزمن لم يسمح بها إلا قليلاً.

البحرين
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة