منذ أن بدأت (المناهج النقدية الحديثة);تَشُنُّ هجومها على (المناهج التقليدية);وهي تُحاول أن تظهر (العيوب);التي تنتج عن تطبيقها، وتكشف عن (المساوئ);التي تظهر حين الالتزام بها واتخاذها أسلوباً في التعامل مع (النص الإبداعي)، وهي إلى جانب ذلك تَحاول أن ترسي مَجموعة من (المبادئ);التي تُشكِّل في النهاية (نظريةً);لها؛ لتكون (بدائل);صالحة عن تلك (المبادئ);التي رأت أنها (فاسدةٌ);في المناهج القديمة، أو أنها (قاصرةٌ);عن بلوغ الغاية من (الممارسة النقدية);وتحقيق أدواتها.
ولم تكتفِ هذه (المناهج الحديثة);بهذا العدَاء، بل امتدَّ ذلك إلى التعادي فيما بينها، فكلما ظهر (منهجٌ جديدٌ);حاول (مُنظِّروه);أن يؤسسوا لمبادئ جديدة تقوم على أنقاض مبادئ المنهج الذي قبله، مُظهرين (عيوب);(المبدأ القديم);ومَحاسن (المبدأ الجديد)، وهي سنة الحياة في التطور والتجديد، (فالمناهج القديمة);على سبيل المثال كانت تعطي (السلطة الأدبية);إلى (المؤلف)، ولما جاءت (البنيوية);دعت إلى (موت);هذا (المؤلف);مانِحةً (النص);(السلطة الكاملة)، (فالنص);هو الذي يقول، و(اللغة);هي التي تَحكم، و(الأسلوب);هو الذي يُقرِّر، وما سوى ذلك فلا يُعتدُّ به في (الحكم النقدي)، إلى أن جاءت (مناهج ما بعد الحداثة);-كالتفكيكية والتلقي- لتهدي (السلطة المطلقة);و(الحرية الكاملة);إلى (المتلقي/القارئ);الذي يَحِقُّ له (إنتاج النص);و(إعادة كتابته);وتفسيره وتشكيل (دلالاته);و(معانيه)، دون لجوءٍ إلى لغةٍ أو استعانةٍ بِمؤلف، وهكذا اعتلى (المتلقي/القارئ);عرش (الممارسة النقدية);بعد أن كان للمؤلف ومن ثم للنص، وتلك الأيام نداولها بين الناس!
ولهذا فقد ركَّزت (مناهج ما بعد الحداثة);في (العملية الإبداعية);على (المشاركة الفَعَّالة);بين (النص);و(المتلقي/القارئ)، ورأت أنَّ (الفهم الحقيقي);للأدب ينطلق من (مَوقعَة);(المتلقي/القارئ);في مكانه الحقيقي، وإعادة الاعتبار له باعتباره هو (المرسل إليه);و(المستقبل للنص);و(مستهلكه)، وهو كذلك (القارئ الحقيقي له): تلذذاً ونقداً وتفاعلاً وحواراً، وهذا يعني أن (العمل الأدبي);لا تكتمل حياته و(حركته الإبداعية);إلا عن طريق (القراءة);و(إعادة الإنتاج);من جديد.
واعتماداً على هذه (الفكرة);فقد ظهر لدى هذه المناهج عددٌ من المصطلحات التي تُعزِّز من هذه (الرؤية)، وتكشف عن الاهتمام الذي حظي به (المتلقي/القارئ);في ظل هذه المناهج، والدور الكبير الذي يقوم به أثناء (العملية الإبداعية);أو (الممارسة النقدية);على حد سواء، من أبرزها مصطلح (أفق الانتظار);أو (أفق التوقع);Horizon of expectation الذي يُعَدُّ عند هذه المناهج (الركيزة المنهجية);لنظرية (جماليات التلقي)، وهو المصطلح الذي اختاره (هانز روبرت ياوس);Jauss Robert Hans الذي يُمثِّل أبرز رواد هذه المناهج، ليُشكِّل به أساس تصور (الظاهرة الأدبية);لدى هذه المناهج.
ومفهوم هذا المصطلح يتمحور حول (المعرفة الثقافية);أو (الخبرة الجمالية);لدى (المتلقي/القارئ);بوصفها صاحبة الأثر الأكبر في تَحديد نوعية (استقباله);(للنص);وطبيعة (تلقِّيه);(للخطاب)، فقد رأى (ياوس);أن لكل (قارئ);(معياراً خاصاً);حين يتلقَّى (النص);و(نظاماً مرجعياً);حين يشرع في (استقباله)، أو هو بعبارة أخرى (التهيؤ المسبق);الذي يكون لدى (المتلقي);وقت (استقباله للنص);وتذوقه له، وهذا (المعيار);يَختلف باختلاف (المتلقي);من حيث ثقافته وجنسه وعقيدته، وغيرها من الأمور التي تتدخل في طبيعة (استجابته);للنص وتتحكم في توجيه (مساره الخاص).
ولإعادة تكوين هذا (الأفق);فقد حدَّد (ياوس);ثلاثة عوامل تسهم في تشكيله هي:
1- (الخبرة);السابقة التي يملكها (الجمهور القارئ);عن (النوع الأدبي);الذي ينتمي إليه (النص المقروء).
2- (التشكيلات الموضوعية);التي يفترض النصُّ معرفته بها، أو ما يُسمَّى ب(كفاءة التناص).
3- مدى المعرفة أو التمييز بين (اللغة الشعرية);أو الجمالية و(اللغة العملية العادية);بين (العالم التخييلي);و(العالم اليومي).
وفي ضوء ذلك يتعامل القارئ مع (النص الأدبي);على أساس أن القراءة (تَجربةٌ);تفتح (النص);أمام التفسير الذي يرى (ياوس);أنه (حوارٌ ديالكتيكي);بين (القارئ);و(النص)، أو بين (الأسئلة);التي يثيرها (القارئ);و(الأجوبة);التي يُقدِّمها (النص)، وبين (الإجابات);التي لا يقدِّمها (النص);و(الأسئلة);التي يثيرها (المؤلف الجديد);للنص وهو (القارئ);في مُحاولة (كتابة نصٍّ جديد)، وفي ظل هذه العلاقة (الديالكتيكية);يصبح (القارئ);مسؤولاً عن (النص);وأمامه في الوقت نفسه.
ولا شكَّ أنَّ هذه (الرؤية);التي يُشكلِّها (أفق الانتظار);لهذه المناهج تعتمد على (الفكرة الأساس);التي يؤكدها أصحاب هذه المناهج، تلك التي تقول إنَّ (العمل ال إبداعي);لا يتم إلا من خلال (المشاركة التواصلية الفعَّالة);بين (المؤلف);و(النص);و(القارئ)، ويدلُّ هذا على أن (العمل الإبداعي);يتكون من عنصرين أساسين: (النص);الذي قوامه المعنى، ويُشكِّل تَجربة الكاتب الواقعية والخيالية، و(القارئ);الذي يتقبل آثار (النص);سواء أكانت إيجابية أم سلبية في شكل استجابات شعورية ونفسية: (ارتياح، غضب، متعة، تهييج، نقد، رضى...)، وهذا يجعل (النص الأدبي);يرتكز على الملفوظ اللغوي/(النص)، والتأثير الشعوري/(القارئ);في شكل ردود تِجاه (دلالات النص)، وهذا يؤدي إلى القول بأن (العمل الأدبي);(يتموقع);في الوسط بين (النص);و(القراءة);من خلال (التفاعل);الحميمي والوجداني الاتصالي بين الذات والموضوع أي بين (النص);و(القارئ)، ومن ثم (فالعمل الأدبي);أكبر من (النص);وأكبر من (القراءة)، إنه ذلك (الاتصال التفاعلي);بينهما في (بوتقة منصهرة);واحدة، وإذا كانت المناهج الآخرى تركز على اتجاهٍ واحدٍ في (القراءة): من النص إلى القارئ، فإن هذه المناهج تنطلق من (خطين مزدوجين متبادلين): من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص.
Omar1401@gmail.com
الرياض