Culture Magazine Thursday  25/03/2010 G Issue 303
تشكيل
الخميس 09 ,ربيع الثاني 1431   العدد  303
 
من الحقيبة التشكيلية
بستان الألوان وتجليات الذاكرة
نذير نبعة: الخيال يشكل أرضاً خصبة لمواضيع لوحاتي

إعداد - محمد المنيف:

حرصا منا على تنوع المادة وتقريب حلقات العقد التشكيلي العربي والتعريف بمنجزات الآخرين وتجاربهم والاقتراب مسافة تمكنا من معرفة أبعاد تكوينهم الفكري والتقني الذي نتج عنه أعمالا بهرت المشاهد وشكلت لهم قاعدة جماهيرية، يسرنا اليوم أن نقدم حوارا أجراه الزميل (عمر أسعد) في دمشق مع الفنان السوري المنشأ والعالمي الشهرة، الفنان نذير نبعه.. الغني عن التعريف لمن له صلة بهذا الإبداع كون الفنان نذير أحد روافد الفن التشكيلي العربي ورواده وصاحب مدرسة لا تغفلها العين أو يتجاهلها حامل وجدان راق مفعم بحب الجمال، عشق الحياة فكتبها شعرا بألوانه وخطوطه وهام وجدا في كل ما يمت للجمال فنسجها ألوانا وخطوطا تشع رقة ودقة وتألقا.

جمع في إبداعاته روح القصة ورائحة القصيدة وعوالم الرواية فكانت عالم من الخيال والواقع معا.

المحطة الأولى (بستان أم محمود)

يقول الزميل (عمر سعد) في مقدمة الحوار.. ينفلت من عقال الصرامة، ليبني لوحته بشاعريةٍ لونيةٍ باذخة حتى في عز واقعيتها، فيكسو بياض القماش ألواناً من الذاكرة الطفولية في حواكير دمشق وبساتينها، ويضيف عليها من محطات رحلته التي قاربت نصف قرن في عالم التشكيل.

مدرسته الأولى بستان (أم محمود) جدة نذير نبعة الفنان التشكيلي السوري المولود في دمشق(1938)، بين أشجار البستان وفاكهته كان أول تواصل مع الطبيعة، وهناك فهم (نذير الطفل) كيف يصنع اللون جمالية المناظر التي بقيت محفورة في ذاكرته لتطفو على سطح لوحته كلما بحث عن شغفٍ لوني جديد. يقول:( في بستان جدتي كان اكتشافي الأول لعالم الألوان، وتحسس الطبيعة حيث علقت خشونة الأوراق والجذوع على يدي، وشاهدت الأشجار تبدل أحوالها فمرةً تقف عارية ومرة مزهرة وفي النهاية تطرح ثمرها...).

بداية الرحلة

شارك نبعة في بناء مدرسته الابتدائية عام 1948، ويذكر من أساتذته فيها ثابت قباني الذي لقنه مبادئ الرسم الأولى، كما يذكر كيف حصل في الصف الثاني الابتدائي على أول جوائزه، وكانت نسخة مترجمة من كتاب (العاصفة) لشكسبير.

عام 1958م نال الشهادة الثانوية، ليسافر بعدها إلى القاهرة، ويدرس الفن هناك، حيث شكلت هذه المدينة جزءاً مهماً في ذاكرته الفنية، وأثّرت على أسلوبه وتوجهاته، فرسم مستوحياً مظاهر الحياة العامة. ويحمل نبعة اعترافاً كبيراً للقاهرة :( لعبت الحياة الثقافية والسياسية في القاهرة دوراً هاماً في توجه عملي الفني، فتبنيت المواضيع الاجتماعية سائراً على درب عددٍ من زملائي، ورسمت عدة لوحات في هذا المجال منها لوحة عمال المقالع و استراحة العمال التي كانت مشروع تخرجي).

بعد عودته إلى سوريا بخمسة عشر يوماً، انتقل ليدرّس الرسم في مدينة دير الزور شرق سوريا، هذه المحطة الطبيعية بامتياز، كان لها دوراً هاماً في اختيارات نبعة وتوجهاته الفنية، ومنها استوحى مجموعة أعمال أسماها "الغرَب" وهو نوع من الأشجار ينمو على ضفاف نهر الفرات الذي يمر في تلك المدينة.

ثنائية (الغرب والفرات) واجهت نبعة بما فيها من مظاهر ملحمية أوحت بمجموعته ( الغرَب) التي أفرد لها معرضه الأول عام (1965).

كما احتوى نفس المعرض على مجموعة أعمال استوحت أساطير الشرق والغرب، ممزوجة بالخرافات الشعبية التي كان يسمع النساء يتهامسن بها وهن جالسات عند أمه أو جدته، وتبدو في هذه الأعمال الظلال المصرية بوضوح أيضاً من خلال استخدام لوني الأزرق الكوبالت والأهرة الصحراوي مما كان معتاداً في مصر وقتها، وتقف على رأس هذه المجموعة لوحات( كاهنة مردوخ - وسيزيف - والقط الأسود...)، وعن المراد من توظيف الأسطورة يقول:( الأسطورة ليست مرتبطة بزمان محدد بل تصلح لأي زمان من خلال كثافة رمزها، بالنسبة لي هذه الأساطير تدفع الخيال الذي يشكل أرضاً خصبة لمواضيع لوحاتي).

غواية التفاح

من يتتبع أعمال نبعة، يلاحظ تكراره لاستخدام عنصرين هما التفاح والأصداف، لكنه يجد تفسيره الخاص لهذا التوظيف قائلاً:( أذكر كيف كانت المنجمات يأتين إلى منزلنا أحياناً ويرمين أصدافهن، ليكشفن أسرارنا بالذات نحن الصغار، ربما هذا ما جعل الصدفة ثابتةً في مخيلتي إضافةً للقراءات الأسطورية، فالأسطورة تقول إن فينوس ولدت من صدفة، فاقترنت لدي الصدفة بالمرأة وغدت رمزاً لها نظراً للغموض فيهما، ولعبت الأساطير ذاتها إضافة إلى البساتين التي احتضنت طفولتي دوراً في دخول التفاحة كرمز إلى عملي...).

بحث نذير نبعة عن الهوية الفنية التي تميز منجزه، فرسم في السبعينات مجموعةً أسماها (الشرقيات)، قال بعض النقاد عنها أنها رد على العولمة، لكنه ينفي هذا، ويؤكد أنها عملية استلهام لمخزون الشرق، كي يثبت هويته وهوية من حوله في الفن، ويذكر أن هناك من عمل على استلهام الموروث الشعبي أيضاً ومنهم ( أدهم إسماعيل وسيد عبد الرسول)، وبالفعل استطاعت لوحة نبعة بقوة التشخيص في ملامحها أن تكون خارج موجة امتداد التجريد إلى العديد من التجارب السورية حينها، والمتأثرة بتنظير الفنان الإيطالي لاريجينا الذي درّس في كلية الفنون الجميلة بدمشق أواخر الستينات، ويؤكد نبعة أن الرد على لاريجينا كان من أهم دوافعه لإنجاز هذه المجموعة، وليس الرد على العولمة.

دمشق باريس دمشق

بداية السبعينات انتقل نبعة إلى فرنسا للدراسة في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة (البوزار)، المحطة الباريسية شكلت مفصلاً مهماً في حياته تماماً كما القاهرة ودمشق، وهناك أخذت تجربته منحاً آخر، متجهةً نحو التجريد لكنه يؤكد هنا: (ليس هذا التجريد هو تجريد شكل، إنما تجريد موضوع، حاولت أن أنجز الأعمال ببنية تجريدية وفي هذه المرحلة كان للألوان الأثر الأقوى).

منتصف السبعينات عاد إلى دمشق، ليبدأ مشروع (الدمشقيات) الذي كان للمرأة الحضور الأقوى فيه، لكن نساء نذير نبعة لسنَ كاللواتي يسرن في الشوارع أو يسكن في البيوت الدمشقية، إنما هن نساء آتيات من حلم الرسام ذاته وما يبتغيه، وعن هذه المجموعة يقول:( المرأة بالنسبة لي حلم ورمز للأم والوطن والمدينة، أحيانا تكون ست الحسن أو عشتار أو شهرزاد، أو سيدة كفاطمة المغربية، وهي امرأة عشقها نابليون أثناء الحملة الفرنسية على مصر، وكانت تساعد في التوسط لإطلاق سراح المساجين لذا يعتبرها المصريون بطلة ورمز، كل هذه الصور موجودة في نساء لوحاتي).

التجليات هي المجموعة التي يعمل على إنجازها منذ التسعينات، وفيها يستلهم أشكال وملامس الصخور والجروف والحوائط، ليعالجها بلغة تشكيلية جديدة اقتربت من التجريد، لكنه يرفض هذا من جديد: (ظن بعضهم أن مجموعة تجليات هي عمل تجريدي لكنه بالنسبة لي واقعي، فهي مجمع مناظر تأملية وصلت إلى استشفافها من خلال علاقتي بالطبيعة التي شدتني جروفها وتقشف صخورها مما أعادني ثانيةً إلى تجريد الموضوع).

تجليات:

الولادة دمشق 1938

أول جوائزه في الصف الثاني نسخة مترجمة من كتاب العاصفة لشكسبير.

1958 سافر إلى القاهرة لدراسة الفنون الجميلة.

1965 المعرض الأول بعنوان الغَرَب.

1970 الالتحاق بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة (البوزار) باريس.

منذ التسعينات حتى اليوم العمل على مشروع تجليات.

monif@hotmail.com
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة