Culture Magazine Thursday  25/03/2010 G Issue 303
الثالثة
الخميس 09 ,ربيع الثاني 1431   العدد  303
 
إمضاء
خارج الزمن

** حين كنا في معهد الإدارة كنا نتبادل حكاية عنه فيمتد التعليق عليها؛ فقد حضر إلى مكتب المدير العام رجل عادي الهيئة طالبا مقابلته؛ فلم يعره السكرتير كثير اهتمام واكتفى بتسجيل اسمه في ورقة صغيرة ليخبر المدير بعد أن يفرغ من شؤونه متيقنا أن «المدير العام» لن يأبه بشأن رجل لا يوحي مظهره بأكثر من موظف بسيط ربما جاء به أمل الالتحاق ببرنامج تدريبي يتيح له ترقية وظيفية لمرتبة صغيرة.

** يحكي لنا صديقنا السكرتير أنه فرغ من أموره ثم تذكر هذا الزائر الجالس بصمت أمامه فدخل على المدير العام ليبلغه باسم الضيف، ولم يكن يتوقع أكثر من إحالته لإدارة مناسبة بعد معرفة سبب مجيئه التي لم يفصح عنها بأكثر من رغبته في السلام العابر، ولم يكد ينطق اسمه حتى قفز المدير من مكتبه وذهب مسرعا ليستقبل الضيف الذي لم يشر شكله إلى مكانته .

** كان الشيخ صالح الحصين بدرجة «وزير»، لكنه «لا يطأ الثرى مترفقا من تيهه»؛ فلم تفتح البوابات لسيارة معاليه، ولم يستقبله المسؤول الأول عند مدخل المعهد، ولم يقدم نفسه على أنه صاحب المعالي،وبقينا نتداول الحكاية رغم مرور أعوام طويلة نموذجا للتواضع من غير ضعة، وتتالت الحكايات؛ فكثيرون لهم مواقف مشابهة مع هذا الرجل النادر، ويروى أن مسؤولا كبيرا في الحكومة شاء رؤيته، ولم تكن وسائط الاتصال مسعفة في حينه لوجود الشيخ خارج الرياض؛ فبعثوا له مندوبا رأى رجلا يعمل بيده في سور المنزل وقد اعتلى سلما؛ فسأله عن معالي الشيخ، وحين أجابه أنه المقصود لم يصدق المندوب؛ فأي وزير هذا العامل الكبير !

** تتواصل القصص، ثم يحكي من عايش زمن شبابه أنهم قد استمعوا له - عبر الإذاعة المصرية - وهو يناقش أطروحته العلمية «الماجستير» مع أبي القانون الدكتور عبدالرزاق السنهوري قبل أكثر من نصف قرن ، ويضيفون انبهارهم بعلم الشيخ وثقته بنفسه ومقدرته على المحاجة العلمية الهادئة الواعية أمام واحد من أكبر أساطين القانون في عصره.

** صالح بن عبدالرحمن الحصين (1351 هـ شقراء) درس في مدينته وفي دار التوحيد وكلية الشريعة بمكة وجامعة القاهرة وفرنسا، وعمل معلما في المرحلة الابتدائية والمعهد العلمي وخبيرا قانونيا في وزارة المالية ورئيساً لهيئتي التأديب والرقابة والتحقيق ووزير دولة وعضوا في مجلس الوزراء حتى تقاعد عام 1394هـ بعدما أكمل سن التقاعد المبكر ووجد أن راتبه سيصبح خمسة آلاف ريال، وهي كافية في نظرته الزاهدة المضمنة ما قاله في حوار معه مستشهدا بزهد الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- من أنه لا يرد موجودا ولا يطلب مفقودا؛ مؤمنا أن العاقل ينفق مايحتاجه ليومه وما يفيض لمستقبله يوم يلقى ربه.

** الدلائل تؤكد أن هذا الرجل لا ينتمي إلى أزمنة الماديات والشكلانيات والبهرجات، ومنذ عشرة أعوام تقريبا (1422 هـ) عاد لمواقع حكومية في رياسة الحرمين الشريفين ومركز الحوار الوطني (بدرجة وزير) وظل كما هو؛ عالما، عاملا، زاهدا، ساعيا لرضا الله وخدمة عباد الله.

** كاد الشيخ يكمل الدكتوراه في القانون من فرنسا، لكنه يفوق من حازوها، وقد حضر صاحبكم لقاء « نخبويا» معه ، وظن آثما أنه سيستمع إلى مكرور الشيوخ التقليديين مما وعته حوافظهم وصرنا نردده بالنيابة عنهم دون أن نضطر للاستماع إليهم، وفوجئ باللغة العالية والمنطق المتدرج والموقف المتزن والاستشهاد الموثق، وكتب عنه في زاويته السبتية؛ فهكذا نريد أن نسمع و بمثل هذا نتمثل.

** هو رئيس الحرمين ولم نره يوما خلف الإمام مباشرة في الصلوات الخمس أو في شهر رمضان «تراويح وقياما»، ويقال إنه يحج ولا يستخدم إمكانات الرئاسة ومقراتها وسياراتها، وحين كانت والدته على قيد الحياة لم يكن ينام في مكان أعلى منها، وحكايات أُخَر يشبه بعضها الأساطير؛ أفيكون بيننا من يعيدنا إلى أعصر الخيرية الأولى.

** ندعو له، ونتمنى أن تكتب سيرته بأقلام من عرفوه لنقرأ فيها تصديقا لسير ثلل من الرعيل الأول.

** النماذج لا تستنسخ.

ibrturkia@gmail.com
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة