Culture Magazine Thursday  29/04/2010 G Issue 308
مراجعات
الخميس 15 ,جمادى الاولى 1431   العدد  308
 
استراحة داخل صومعة الفكر
في عيون الليل
سعد البواردي

إذا كان للنهار عيون ترصد حركته.. ضجره.. أناسه.. وأجناسه.. دون أن تتوقف.. فإن لليل عيونا أخرى تستغرق صمته.. وصوته.. على ضوء قمره.. وعلى أنفاس قناديله ومداويه وهي تتنفس راحته، واستراحته. وأيضاً الكثير الكثير من المشاهد الخاصة به المغلفة بحاجب الرؤية التي لا تتيسر إلا لمن سكنه وساكنه.. وأنس بسكينته..

شاعرنا عارف عرف كي يقرأ ليله من خلال نظرات شاخصة استمدها من نظرته.. ومن تجربته.. فهل أن لها لونا سوى الليل ووحشته؟ أم أنها إطلالة واعية منه على ما يحمله الليل الإنساني من معنى؟! هذا ما سوف يستبين لنا من واقع طرحه الشعري.

بداية بالعيد.. والعيد فرحة نقرؤها بعيون الصباح وعيون المساء حين تتم.. لا دخل للظلام وللجهام ولا للظلم فيها.. ولكن هل هو ذلك العيد الذي نطرب له.. ونتلهف على قدومه؟ أم أنه عيد عمر غارب.. أو هارب عند أطراف الشفق؟!

الكون يرقص والقلوب تهش للعيد السعيد

والزهر في مرح الربيع يرف عطراً للوجود

والفاتنات من العذارى في المعاطف والبرود

يمرحن في دنيا السعادة كالصبي أو الوليد

هل هذه حالة شاعرنا؟!

يا ليتني كنت الربيع أرف في روض الشباب

أو ليتني كنت الخلي فلا حلام ولا عتاب

ما كنت أحسب أنني أسلو وأحتقر العذاب

لكنني جربت حظي في الشوائب واللباب

قال لنا قول الفصل وبعيون الماضي الذي لا يعود..

إني نسيت سوانحي وخوالدي في يوم عيد

ونسيت أفراح الشباب وما تصدم لا يعود

واليوم في ركب المنى بين التحرك والركود

في زهوة العيد المنير أحن للماضي البعيد..

وكأنما كان يسترجع في داخله مقولة الشاعر..

ألا ليت الشباب يعود يوماً

فأخبره بما فعل المشيب

«أمتي في الصحراء» بعيون ملؤها العتب:

صحا الهوى في فؤاد مهمل جد شفاف

كما صحا الفجر من حلم الدجى الغافي

يا واحة الحب في صحراء قاحلة

أنت العبيق لقلب جد مشتاق

ليلة كان العبير بدلاً من العبيق

يا بدر أنت لعمري عاشق أبدا

والليل يعرف ما تبدي من الخافي

إني أناجيك والأشواق حاملة

إلى رحابك ما أشكو من الجافي

أتجاوز بعضاً من مقطوعاته عن خطر الهوى.. وعن دورة الأيام وذكريات شاطئ الأحلام في حضن أبحر.. وعلى ضفاف النيل.. والموقف مع شاعرنا الفقيد أمام رعشات وجدانه:

نحرت أشواقي الحرى على وتر

مجرح اللحن مفجوع من الضجر

وضعت من حيرة الوجدان عاطفة

مجبولة من بقايا العطر في الزهر

حملتها ذكريات الحب غالية

مرت مع الليل الصحو والسهر

السهر قرين للصحو كلاهما حالة واحدة من اليقظة.. أحسب أن الصمت أنسب من الصحو لأنه حالة.. والسهر حالة..

أنا الذي في الهوى ضاعت لبانته

وما لبست لباس الذل والخور

الحب القوي حسن اختاره.. لها حب مع الضعفة.. التوسل أمام إيكة الحب مذلة..

«ستائر النسيان» محطة جديدة من محطات الرحلة

خانته أحلام الطموح

فراح يعبث بالأطر

فرشاته مغموسة

في الطين من عمق الحفر

إنه يخاطب عروس شعره عاتباً.. ومغاضباً:

جف الخيال وما حصيلك

غير مفصول الأثر

طاعته لياليك الطوال

على التوافه والسهر

ويصف حالتها:

تصحو وترقد لا تبالي

بالخمول أو الضجر

الوجدانيات تكاد تطفى على لوحات شعره.. تارة يراها بعين الرضى.. وأخرى بعين السخط.. وثالثة يراها زئبقة يتمثلها ويفرق في أوصافها إلى درجة الاستغراق المذهل:

يغار منها البدر في أفقه

ويستحي من حسنها المشرق

صفراء مثل البتر في لونه

لولاها لم أطنب ولم أعشق

قد قيل عنه أنها كوكب

وباطل ما قيل بالمنطق

زئبقة في الروض فواحة

عبيرها يحلو لمستنشق

أخشى عليها اللمس من راحتي

ومتعتي في لمسها الريق

شاعرنا قال عنها إنها صفراء! ما أظن البشرة الصفراء تستحق كل هذا الإطراء، ربما هو أدرى!

آه.. لنار الحب في أضلعي

تعهدني في حجرها المحرق

كم يافع ذاق تباريحه

حتى علاه الشيب في المفرق

وهكذا عشت وفي همتي

عزيمة القائد في الفيلق

الحب في أقسى توهجه يتحول إلى ما يشبه الحرب.. تجيش لمعركته الفيالق.. أحياناً ينتصر.. وأحياناً يمنى بالهزيمة.. شاعرنا لم يرفع رايته البيضاء من معركة إلى أخرى في ساحة النجوى ولكنه بعد فوات الميعاد..

فات ميعادك الذي كان يجري

بالثواني من عمري المنثور

فات والعمر ضائع يتلاشى

بين ظن وبين شك مرير

الظن والشك سيان.. مفردتان بمعنى واحد.. أحسب أن كلمة خوف بدلاً من الظن أفضل.. شاعرنا يتحسر على عمره:

هكذا العمر وهو حلم جميل

رف من فوق شاطىء مسحور

أترى تعلمين عاصفة الحب

وقد حطمته قوى المبهور؟!

أنت شط الهوى وقلبي شراع

حائر الخفق في العباب الكبير

أنا لولاك ما سكبت الأغاني

صدحات من الهوى المبرور

لا أبالي إذا منعت وصالي

كل هجر يطيب للمهجور!!

في حالة شاعرنا وحده طاب الهجر له.. الآخرون يعذبهم الهجر فيهاجرون عن مضارب الحب دون رجوع أو ركوع (في عيون الليل) العنوان للديوان:

نسيت دنياي لكن لست أنساك

يا حلمة الهمتني الشعر عيناك

كم كنت أسهر في ليل على أمل

والسهر بين عيون الليل يرعاك

عيناك نافذتا دنيا مرفهة

دنياي فيها أعاني غير دنياك

أغازل البدر أغريه بعاطفتي

لعله فيك يلقاني ويلقاك

يا ليتني عشت في الأحلام عاطفتي

أغفو وأصحو على أحلام نجواك

قصيدة تحمل شحنة من الوجد.. ومن التوصيف النابض بالحركة.. ودفق المشاعر تستحق بجدارة أن تكون العنوان لديوان..

كل المعاني التي تجري على قلمي

وفي فؤادي تعني شرح فحواك

هواي أنت وأنت العمر أزحمه

بالحب مكتملا يسمو لعلياك

ويختتم مقطوعته الرائعة بهذا البيت المعبر:

أنا الذي حمل الأيام في يده

فاستسلمت وهي كنز من بقاياك

ومن جنون الحب.. أو حب الجنون تأخذنا الرحلة مع شاعرنا محمود عارف إلى مرحلة الضياع:

يا فارس الحب ومغواره

ونغمة الحب ومزماره

هل ضائع في حبه أم ترى

عناده استوجب إصراره؟

أم يا ترى استشعر في حبه

أعنف ما ضيع أوطاره؟

قد غير الدرب على أنه

قد أخطأ الدرب وأثاره

واستنفد الضائع مشواره

مرتبك الإحساس منهاره

أسئلة لا تكاد تنتهي دون إجابة:

هل يكتفي باللوعة وهي التي

قد سبرت في القلب أغواره؟

وهل متاع القلب غير الهوى

لشاعر قد شد أوتاره؟

كل هذا الحنين والأنين والرقص والإبحار في محيط من العشق.. وشاعرنا مفتون ببنات شعره دون كلل ولا ملل..

(الفتنة) عنوان جديد نتوقف سوياً لقراءته:

هذا حبيب كله فتنة

قد سحر الليل وأقماره

مجاله أمتعة رافد

قد أشبع النبع ومواره

يسترسل في رسم صورة الفتنة الطاغية.. والمحاذير من الوقوع في شركها..

هل كنت مثلي أسدا ضارياً

أم كنت جديا خاف جزاره؟

وقيت شر الحب من هوله

تحمل بلواه.. وإعصاره

وقانا الله شر الفتنة إنها بلية وأذية!

يعيدنا عارف إلى الليل.. ومتى فرجنا من هيامه.. وآهات ظلامه؟!

لو أن هذا الليل شاعر عبقر

لروى حكايات الهوى لمحسر!

وتبدأ المناداة والمناجاة والتساؤلات المفتوحة

يا ليل يا حضن المشاعر تلتقي

فيك القلوب على كريم المعشر

قد كنت أفتن بالجمال رداءه

في البدر ما أبهاه حلو المنظر

ماذا يقول البدر مهد شقائنا

يا ليل أنت وتلك جرأة معذر

كم هتفة للطير تحسب لوحة

كم لوحة فيها جمال مصور

كم نغمة مجروحة فيها لنا

بعض الدواء من الشقاء المنذر

كم آهة مكبوتة فيها الهوى

نستاق كالورد جد معطر

واحة شاعرنا هي محطتنا ما قبل الأخيرة:

رف فيها زهرة الحسن الخلوب كالربيع

ذات قيثار من الفن مشوب بالولوع

قد عرفناك من الصحراء أختا بدوية

ورفعناك إلى العليا بنتا عربية

إنها واحته.. وراحته.. واستراحته.. أرضه التي نما فيها وترعرع بين أحضانها يمنحها من قلبه وعقله أجمل ما يحمله الولاء والوفاء والانتماء من معنى..

أنت يا أنت في هذا الوجود كالخير

منه نستف الأماني والصمود والعبور

قد عبرنا بك جيلاً بعد جيل للمعالي

وسبقنا الدهر والدهر طويل لا نبالي

هكذا أنت حياة وكيان للبلد

ويراع مستفيض ببيان السؤدد

وعلى مشارف النهاية لشاعرنا الراحل في رحلته الشعرية عبر ديوانه (في عيون الليل) لم أجد أفضل من أن اختتمه بمقطوعته (توبة)

مرارة الحب تعطيني الرضا أملا

عايشت أحلامه إذ كنت لي مثلا

لو كنت يا عاذلي تسقى مرارته

ما كنت تحسدني إذ كنت منشغلا

قلبي يحس بأن الحر ممتحن

والحر في الحب لا يرضى الذي حملا

الشطر الأخير وددت لو أن صيغته جاءت كالتالي: (والحر في الحب لا يرضى له بدلاً)..

وفي استرجاع منه لبعض ملامح الماضي..

آه لما فات من أيامنا هدرا

والحب يومان وصل ثم يوم تلى

هكذا كانت التجربة يوم لك ويوم عليك في ساحة حرب الحب..

أضربي الهجر ما استلمت عن مضض

لكنني صابر قد عشت محتملاً

تاب الذين رأوا في الحرب تجربة

ولم يزل ضاحكاً من كان منعزلاً

يأسى فؤادي إذا حملت مأثمة

سيان طاب الهوى أو لذ لي غزلا

هنا.. وقد استبانت ملامح الصورة.. لم يعد مكان لعين النهار في حبه.. وحبه.. اللهم إلا الصخب.. واللهاث وراء خيال الحلم الذي يقترب لحظة ويغيب أخرى طاوياً معه صفحة أسراره.. بين بوح يطرب.. ونوح يغضب.. وعلامات استفهام حائرة ما تلبث أن تتحول إلى ما يشبه الخيال الضارب في متاهات العشق.. رحم الله شاعرنا المتمكن (محمود عارف).

***

131 صفحة من القطع الصغيرة

الرياض ص. ب 231185الرمز 11321 فاكس 2053338
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة