Culture Magazine Thursday  06/01/2011 G Issue 328
أوراق
الخميس 02 ,صفر 1432   العدد  328
 
افتراض واقعي
تركي محمد التركي

لن أصل اليوم متأخراً ثم أدعي أن هذه زاوية ثابتة في وقت لم يعد فيه زوايا أو ثوابت بالمطلق لا في الزمان ولا في المكان ولكني أستطيع أن أزعم أنها حيز من فضاء معلوماتي معرفي متغير يشابه الكوني من حيث تمدده واتساعه الذي يوحي بالثبات وهو ليس كذلك، حيث الثبات لما هو قريب ومنظور ونسبة لما حوله فقط، أما الصورة الأكبر لعلاقات الثوابت فيما بينها ولاستمرار تبادل الأدوار فتؤكد ان الصورة العامة متغيرة باستمرار وإن لم نلحظها، نحنُ الأجزاء الصغيرة المزروعة فيها والمكونة لها وذلك ليس فقط بالشكل البسيط رياضياً كمجموع أجزاء ولكن كعلاقات وعلائق متغيرة بين هذه الأجزاء والعناصر.

كنا إلى وقت قريب نكاد نجزم بقدرتنا على الفصل بين العوالم الافتراضيه والأخرى الواقعية وأن بإمكاننا معرفتهما معرفة الشيء بضده وذلك لأننا اكتفينا كمستهلكين لهذا التقدم بمعايير حسية فقط حول قلق وجودي عارم، فمن أراه ويراني أو أسمعه ويسمعني إضافة لشرطنا البدائي الأول، ألمسه ويلمسني، هو فقط الموجود بالنسبة لنا وما عدا ذلك مجرد افتراض قد يتجاوزه إنكارنا قليلاً حين يسميه بارتياح مُصطنع «واقع افتراضي»؛ فهو واقع ولكن مجازاً لأنه مازال افتراضي الصفة والهُويّة كما أننا في ذات الوقت غفلنا أو تغافلنا عن العلاقات البنيوية المتنامية بين هذا الواقع وذلك الافتراض وكنا ولازلنا نكتفي بالوعظ المباشر فقط لأخذ الحيطة والحذر من هذا العالم الجديد، متفائلين بقدرة خاصة على الفصل أو الحجب أو بإمكانية التحكم بهذه العوالم الحديثة ولكن هذا الظن خاب هو أيضا وبشكل طبيعي جداً حيث لا مركزية واضحة يمكننا العودة لها أو التحكم والتوجيه من خلالها ولكن شبكة مترامية الأطراف ومتعددة المراكز (العُقد) بعدد الترابطات التي نسجت هذه الشبكة التي تلتقط الجيد والسيء، والفرد وحدهُ وسط هذا المحيط الهائل من الشخوص والبيانات والمعلومات والمعارف هو المسؤول حيال ما ينتقيه بعد أن يتفاجأ كما يتفاجأ أي صياد مهما كان مهارته حيال ما علق في شبكته.

الوقت في هذا الزمن وفي هذا الإطار الشبكي والمعرفي المحموم يُهمل ولا يُمهل لذلك سأحاول تباعاً في المقالات القادمة قراءة هذا الافتراض وتقاطعاته وما يخبئه لنا من أحداث متتابعة باعتباره واقعاً مفروضاً لا افتراضياً، يختلف فقط في أدواته واستخداماته ولكنه لا يختلف أبداً في تأثره وتأثيره نفسياً واجتماعياً، اقتصادياً وثقافياً، فهو واقع لم يعد يختص بأعمار أو أجناس معينه، أو بالتسلية والمتعة فقط بل حتى للتعلم والتعليم أيضا ولإنجاز المهام والأعمال، لكسب المال ولخسارته أيضاً، واقع يتجاوز الذوات والثقافات والهُويات حيناً محاولاً إيجاد هُوية كونية مشتركة منفتحة على الجميع ومتسامحة ولكنه هو ذاته ما يلبث أن يعلق ببعضها أحياناً أخرى فيكون منبعاً للتطرف والتعصب سواء كان ذلك في أبسط صوره بدائيةً (القبيلة)، أو في أعقدها فكرياً وعقائدياً، ويبقى «الإنسان البسيط في حيويته المعقد في إنسانيته» كما وصفه مين دوبيران هو نفسه محور هذا العالم الجديد كما كان هو المحور لغيره من العوالم السابقة وكما سيكون لأخرى قادمة لا نعلم عنها شيئاً، لذلك هو ذاته الإنسان من يصنع في هذا الإطار وهمه وحقيقته، هو من يصنع واقعه الافتراضي وهو أيضا من يصنع افتراضه الواقعي.

جدة

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة