Culture Magazine Thursday  19/05/2011 G Issue 342
فضاءات
الخميس 16 ,جمادى الثانية 1432   العدد  342
 
الشعر الحسي نساء البشتون أنموذجاً
سالمة الموشي
-

«يا إله المنفيين الكبير

كم ستدوم الحياة فوق هذه الهضاب الجرداء»

إذا كانت «الكاماسوترا» هي الكتاب الذي يكاد يكون الوحيد الذي رسم فن الحب عند الهنود فإن «شعر اللاندي للنساء البشتون الأفغانيات يكاد يكون المرجع الوحيد للشعر الحسي للنساء وقد قام بجمعه سعيد بهو الدين مجروج وقام الشاعر الفرنسي اندريه فيلتير بترجمتها إلى الفرنسية، وترجمها إلى العربية جميل صلاح وصدرت عن دار الانتشار العربي.

تتفاوت الرؤية الحسية عند المرأة الشاعرة حسب معطيات الواقع الذي يحيطها ونساء البشتون الأفغانيات جسدن هذه المعطيات من خلال شعر اللاندي وهو نوع من الشعر لا يقوله إلا النساء وسمي اللاندي بمعنى المقاطع الصغيرة المتتالية وعرف بتداوله شفهياً أكثر من كونه مكتوبا وذلك لطبيعة حياة النساء اللواتي كتبنه البشتونيات اللواتي يسكن كابل، وقندهار المرأة التي ما أن فتحت عيناها وفارت زهرة الجسد حتى أسدل عليها جلباب من سواد وجلباب من جدران وأبواب ولعل ابرز مظاهر الحسية في هذا النوع من الشعر يتجلى في وصف جمال الجسد، والشعر حين يكون حسيا فإنه يرسم صورا متناهية في الدقة والتأثير عازفا على مواطن الجمال الحسي عند المرأة .

يعبر شعر النساء البشتونيات عن المرأة الإنسان حين تكون في منفى الجسد، إن معرفة هذا النوع من الإبداع الحسي يدهشنا فهو يأخذنا إلى أن نقف متأملين اغتراب المرأة مع ذاتها وتماسها مع الجسد المنفي الذي يبث صرخاته في نظم شعري حر يجعل الجسد صوته ومحوره. من هذه المنطقة المحظورة يكتبن نساء البشتون شعرهن عاريا راقصا على إيقاع الوحدة والانكسار، وهو شعر شديد الحسية حين تكون المرأة في منطقة الجسد والحب وعلى حافة الانتظار وحيدة إلا من الشعر.

لتقطف الورود ملء راحتيك

أنا بستان أنت مالكه

اللاندي شعر حر بتفعيلة يتناص مع الموروث الشعبي بكل إسقاطاته وتوظيف التصورات المحسوسة في ظواهر فنية ولغوية تتراوح بين الحسية حينا والرمزية أحيانا. معروف عنه أنه تكتبه النساء ومحوره حياة الألم والاضطهاد التي تعانيها النساء، وشعر اللاندي لا يكتبه الرجل إذ يعد ذلك معيباً ولذا كانت المرأة ترتجله متخذة دور البطولة المطلقة في نظمه وخلقه كتجربة حسية حقيقية، وسرت هذه الأشعار بين النساء الأفغانيات «البشتون» بشكل كبير وهي تجربة إبداعية فريدة أقرب إلى الحسية منها إلى الشعر وفيه تصوير للبعد الحسي والجسدي للمرأة البشتونية التي لم تستطع الخروج من البعدين اللذان تتحرك فيهما وهما الرجل، والجسد. إذ شكل شعر اللاندي بكل تفاصيله وقد برعت المرأة البشتونية فيه تماماً.

في يدي وردة تذبل

فأنا لا أعرف لمن أعطيها في هذه الأرض الغريبة.

تميز شعر نساء البشتون بقدر من الصدق والتجرد في تصوير أدق تفاصيل الجسد الحسية والعاطفة ساعد على هذا أن لا امرأة بعينها ينسب لها، ولهذا اتسم بالجرأة والسهولة في التعبير على مستوى المحرم والممنوع اجتماعيا بالإضافة إلى نمط الحياة التي تعيشها النساء البشتون مثل الكبت والإقصاء إلى مجرد كائن جنسي محظور وغير مرئي ينتج هذا الصوت الإنساني/ النداء/ التمرد على المحظور/ الخوض في تلك المنطقة المحرمة فالشاعرات البشتونيات متحررات، متماسات مع ثنائية الجسد والحب بتطرف في فضاء متسع غير مسيج بأعراف أو محظورات من أية نوع سواء دينية أو اجتماعية فهو شعر حر، متحرر، مفرط في حسيته في شعر اللاندي تمتلك المرأة جسدها في كل مقطع شعري وتتحكم به كأنما تنتج مشهدا متحركا هي من يخرجه ويشاهده.

خفية أكتوي، خفية أبكي

أنا امرأة الباشتون التي لا تقدر الإفصاح عن حبها.

ورغم بساطة وعفوية هذا المخزون الأنثوي الشعري الذي يُنظر إليه مرتبطا بوعي زمانه ومكانه واشتراطاته الاجتماعية والثقافية، فأننا نلمس في متن الأشعار صورا لامرأة تفني ذاتها من أجل إرضاء الآخر المُتخيل.

تباعد جبال بيننا الآن

وحدها العصافير رُسلنا، وأناشيدها الدليل

-

+ salmoshi@gmail.com - الرياض

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة