Culture Magazine Thursday  31/03/2011 G Issue 337
أوراق
الخميس 26 ,ربيع الآخر 1432   العدد  337
 
الوحدة الوطنية والإعلام الموجَّه
د. عائض الردادي

الوحدة الوطنية التي أُعلنت متكاملة عام 1351هـ هي سياج الأمن الوطني، وهي تاج على رأس كل مواطن ومواطنة، بها يتحقق قول الله تعالى: «الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» قريش-4، وبها نتصوّر نعمة الأمن التي امتنَّ الله بها علينا في قوله تعالى:

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} (67) سورة العنكبوت.

عندما تفضل نادي تبوك بدعوتي للمشاركة في هذه الندوة مع الزميلين الفاضلين ل.د. صالح بن فارس الزهراني و ل.د. محمد أبو ساق، عادت بي الذاكرة لمقال كتبته عام 1424هـ ونشر في جريدة عكاظ عنوانه «اكحلي عينيك بالمجد» بدأته بالقول:»أيتها الحسناء، علا فرعك فوق النجوم، وسما عزك فوق السها، وأمطرت خيراتك كل أرض، وشعّ نورك في كل سماء، وتوغلت أنوارك لكل قلب، وهفا لك كل فؤاد، فأنت، أنت، لا غيرك مهوى الأفئدة، وقبلة كل جبهة لا تخر راكعة ساجدة إلا تجاهك؛ فاكحلي عينيك بمجد ليس إلا لك أيتها الحسناء».

كتبتُ تلك السطور وأخواتها في صعيد عرفات وقد شاهدت عدة فضائيات تنال من بلادنا، ولذا قلت فيها: «جبالك تعانق السماء، وصحراؤك تغازل القمر إبان بدوره، ووديانك تنثر روائح الشيح والخزامى والبشام، وبساتينك ترمي مرتاديها بحبات الرطب والعنب والرمان، حتى إبلك عُرفت بسفينة الصحراء، تصبر صبر أهلها وتمد أعناقها، وتشمخ بأنوفها، فاكحلي عينيك بالمجد وإن جلب لك الحسّاد والعداة، فمن فقد الشرف لا يجد أسهل من أن يسعى لإسقاط الشريف في أوحاله... فاكحلي عينيك بمجد لا مثيل له، واسأليه أن يحميك من كل متربص».

وكنت قد ألقيت في هذا النادي في 10-3-1429هـ (18-4-2008م) محاضرة بعنوان «دور الفضائيات في تفتيت الهويات وتفكيك الوحدات الوطنية» تناولت فيها ما يبذله الإعلام الفضائي الموجه بعناية ودراية لتفكيك الوحدات الوطنية في العالم العربي، غير أنه -من وجهة نظري- «لن أكون مبالغاً إن قلت: إنه لا يوجد بلد موجه له إعلام مثل المملكة العربية السعودية، بحيث يصل الأمر إلى إلغاء التوقيت المحلي أو العالمي واستخدام توقيت السعودية، وإلى مناقشة مشكلات اجتماعية محلية سعودية من متحاورين غير سعوديين وكأن المشكلة مشكلة عالمية أو تعني المتحاورين».

لقد جاءت فضائيات إقليمية تلتها فضائيات شعبية، تسعى إلى بذر التنافر وزرع الفرقة الإقليمية أو الفئوية أو القبلية، ثم جاءت مسلسلات بدوية لنَبْش ماضٍ مات، وسحبه على الحاضر لبعث فتنة نائمة، ولا تقلّ عنها الفضائيات الدينية في الدعوة للفرقة الطائفية ولا القنوات الأجنبية الناطقة بلغة عربية تركز فيها على مواطن الخلاف وإحياء الداثر منها لتدمير الوحدة الوطنية».

إن خطر الفضائيات الشعبية التي تُوغِل في إثارة النعرات والتفاخر على الوحدة الوطنية يماثل خطر الفضائيات الإقليمية التي ولدت في توجّه عالمي لتفكيك الوحدات الوطنية، فالإثارة وشحن النفوس وإذكاء العداوات تشترك فيها القنوات الشعبية والإقليمية والطائفية وكلها دعوات لتمزيق الوحدة، ودون دخول في النوايا فإن الأحكام تكون على الظواهر لا البواطن، وأشدُّها القنوات الدينية الطائفية لأنها تعزف على وتر القيم الدينية التي لها أقوى سلطان على النفوس وتحصر ذلك في إطار المذهبية والتعصب، وهو خطر كبير ما لم يبادر العقلاء الذين ينظرون إلى عواقب الأمور إلى تدارك الأمور قبل فواتها وبخاصة من فضائيات قد تكون لها ارتباطات مع قوى تهدف إلى تفكيك الوحدة الوطنية.

وقد ازداد الأمر ولم ينحسر كما يدركه من يتابع الفضائيات هذه الأيام بل إن من تابعها الآن يجد مصداقاً وتأكيداً لما قلته سابقاً من عمل هذه الفضائيات على تمزيق الوحدة الوطنية فتلك الفضائيات (عربية وغير عربية) مليشيات مسلحة بكلمة التشتيت وبحوارات التفكيك، ولها دور ملحوظ في زرع الفرقة المؤدية إلى التمزق الشعبي، ومحاولة زعزعة الوحدات الوطنية والتركيز على مواطن الخلاف أيًّا كان مصدره: عرقياً أم مذهبياً، أو إقليمياً، وأحياناً بالعودة لأحداث تاريخية قديمة لإحياء الفتنة، فهي تبحث عما يؤدي إلى الفرقة وتركز عليه في برامجها».

لقد صار واضحاً أن الأحداث الأخيرة في المنطقة قد أخرجت بعض الفضائيات مما كانت تتدثر به من أنها ذات موضوعية وحيادية بأن صارت قنوات محرضة وشاحنة للنفوس، وهو موضوع يحتاج لإسهاب لا يتسع له الوقت وهو ليس بخاف على من يشاهدها.

على أن الإعلام الموجه المسموع والمرئي والمكتوب، قد فاقه في الدعوة إلى التفكيك ما يُعرف بالإعلام الجديد عبر الإنترنت من فيس بوك وتويتر ومدوَّنات وصحف إلكترونية، وعبر التقنية من خلال الهواتف المحمولة، وهو نمط برز في الأحداث الأخيرة في شحن النفوس وفي التحريض، وهذا الإعلام كغيره يمكن أن يكون سلاح هدم، ويمكن أن يكون سلاح بناء حسب الرسالة الإعلامية، غير أنه أكثر قرباً للشباب من وسائل الإعلام التقليدية، ولذا فإن الواقع صار ملزماً باستثماره في غرس الوحدة الوطنية وهو يحتاج إلى جهود كبيرة، وأموال، وعقول مفكرة، وهذا يحتاج إلى استراتيجية إعلامية.

في هذا الظرف الزمني كشّر دعاة التمزق والتفكيك عن أنيابهم، فلابد من موقف حاسم تجاه ذلك، ولابد من استثارة الحس الوطني في نفوس الشباب بخاصة، فالوحدة الوطنية من الثوابت التي لا خلاف ولا نقاش حولها أمّا معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية فتكون بحوار يؤصل روح المواطنة في النفوس، ويجعل المواطن لا يرى بديلاً من وحدته الوطنية مهما سمع أو شاهد أو قرأ، وذلك بالمشاركة الفاعلة في الإعلام الموجه للمملكة بكل وسائله وبإيجاد إعلام وطني يغرس الوحدة الوطنية بكل وسيلة تؤصلها في نفوس النشء.

لابد من زيادة الاهتمام بالبعد الثقافي والتوعوي للطبقات الشعبية والوصول إلى الشباب وألاَّ تكتفي النخبُ الثقافية والإعلامية بالتحاور فيما بينها دون شراكة لكل شرائح المواطنين في ثقافة المواطنة عبر وسائل الإعلام، فوسائلُ الإعلام أكبر مؤثر في البيئة الاجتماعية، ولابد من استخدام وسائل التقنية المصورة والرقمية في دراسة الواقع، ودراسة المآلات والمستقبل، واستثمار وسائل الإعلام قديمة وجديدة والإفادة من إيجابياتها ومعالجة سلبياتها.

* * *

* مشاركة في ندوة «الوحدة الوطنية من منظور فكري» في نادي تبوك الأدبي، الثلاثاء 17-4-1432، 22-3-2011م بالمشاركة مع د. صالح بن فارس الزهراني، و.د. محمد أبو ساق.

- الرياض

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة