Culture Magazine Thursday  15/11/2012 G Issue 385
عدد خاص
الخميس 01 ,محرم 1434   العدد  385
 
أمير البيان وسلطان الإدارة
أ.د. عبد الله عويقل السلمي*

 

لا تكاد تسمع الأمير خالد الفيصل إلا وتستحضر في مفرداته حكمة الأمراء وبلاغة الأدباء وسمت المسؤول، فهو يعسِّل اللفظ تعسيل النحل امتلأت بطونها برحيق الزهر، لا ينضح فمه إلا بعبارات فصيحة البيان، جميلة التعبير، عميقة الدلالة... خالد الفيصل هو الذي أذاب المساحة بين إمارة الشعر وإمارة القصر، فعبقريته تهبه إبداعًا، وحنكته تصنع منه إداريًا، والإبداع والإدارة إذا تصالحا داخل النَّفس البشرية المبدعة فاضا تجارب تتسم بالتفكير الحي والأداء الممتع.

خالد الفيصل يمتاز بعقلية تتعلّق بالحس كما تتعلّق بالمعنى وتعتد بالواقع لكنها تسبح شعرًا في عالم الخيال، فعظمته وشموخ شخصيته تتسق مع الحُكم، وحيويته تناسب الإدارة، وعبقريته سباحة الجناح لماحة الطرف مبسوطة الأفق واسعة الخيال مرهفة الحس تحمل روح الأديب... تصغي إليه شاعرًا فتلفي نفسك أمام تغاريد طائر حبيس يكابد الشوق إلى الهواء والسَّماء والروض... وتنصت إليه حاكمًا فتجدك أمام قلائد الحِكم ومنطق الرجال واعتداد الأبطال وشموخ الكبراء.. تتقازم الكلمات أمام خالد الفيصل فهو شعر وفن سيلٌ لا يحجزه سد، وبحر لا يحصره ساحلٌ، وهو في الإدارة سعةٌ في الأفق، ومدٌ في الغور، ونهر في الفكر وجرئ في الحقِّ، ومخلص في الأداء، ومتابع في العمل، وإداري في الإمارة.

يظل خالد الفيصل الشاعر الأمير والمبدع الرسام والمسؤول الخلّص، وهو يجمع هذه التنوعات في شخصه بصورة لا تستطيع أن تعرض عنها القلوب؛ لأنَّ شعره أنوط بالقلب وأعلق بالذاكرة، وزعامته الإدارة أشبه بالرؤساء، فتراه يقود لا يسود يدافع عن وطنه وأمته وأجيال المستقبل ولا يترفع، فإذا التقى جيلاً من الشباب تحدث معهم كأصغرهم، وإذا اعتلى المنبر أو أمسك بالمكبر تحدث كأقدر الحاضرين، وإذا اعتلى منبر الأدب صاخت له الأسماع. فوقار المسؤول وعبارات الشاعر وخيالات الفنان لا تجتمع إلا في شخصيّة نادرة كخالد الفيصل.

حينما نسمع إلى خالد الفيصل أو نحضر مجلسه نجد أولاً الحديث المشفق على الأجيال صياغة فكرية وتنمية بشرية وازدهارًا وتقدمًا وطنيًا، حدبثًا يمتزج بالروح المتوثبة، أما إذا ما التفت إلى الأنس الشامل والأدب الماتع ينقلك إلى واحات من الإبداع ومساحات من الجمال، فريشة الرسم اليدوي تتممها رشة الفن الشعري... حينها تشعر أنهك أمام مبدع لم يستسلم لجريرة الإدارة التي تقتل الإبداع وتُشغل عن الفن... إبداع (دايم السيف) جزءٌ من تكوينه، يتهافت عليه وهو على أريكة الإرادة، وكرسي الإدارة فيعطي كل ذي حق حقه، نظم أماني الشباب من حبات قلبه كما تنتظم أبيات شعره وترجم هموم الناس وتوجيهًا إداريًّا كما ترسم ريشته الفنية... يساعده على هذا الكم الموهبي الذي يكتنزه سلامة في الذوق، ورقي في العبارة، ووفاء في الطبع، وقوة في الذاكرة وديمومة للمطالعة والقراءة والتأمّل وجودة الاستماع..

خالد الفيصل «أمير البيان» شاعرٌ مطبوعٌ و»سلطان الإدارة» يعرف مواقع الكلم فيسمو تعبيرًا، ويرهف الحس فيَطرب ويُطرب.. تسمعه شاعرًا فتشعر أنه لا علاقة له بقصر الإمارة، وتراه إداريًّا فتذهل كيف يكون بلبلاً مغردًا يتغنى بالطّبيعة.. تسمع مفردات لم يعهدها أصحاب القصور (مهمه) (ذيب عوى) (وضاح القمر) (ما لي أنيس إلا النجوم) (عل يا ظامئ)... أنه الخيال المحلق الذي يجلل شعره... فتردده الألسنة طربًا، وتهتز له القلوب جذلاً، فالتحية لأمير البيان وسلطان الإمارة، وفارس السيف والقلم.

* رئيس نادي جدة الأدبي

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة