Culture Magazine Thursday  20/12/2012 G Issue 390
فضاءات
الخميس 7 ,صفر 1434   العدد  390
 
مقولات نظرية الخلق والشكلية وتجلياتها (2 ـ 2 )
د. صالح زياد

 

كانت الأعمال الشعرية أو التشكيلية التي تؤكد وجودها الشكلي وليس علاقتها بما هو خارج عن شكلها، وترى أنها تحفة في ذاتها وليست وثيقة لشيء غيرها، في حاجة إلى مقاربة نقدية ونظرية تصفها وتفسرها من وجهة تؤكد قيمتها في شكلها الذي صارت به شعراً أو فناً وتقترح قراءة محايثة لها. فلم تعد المقاربة النقدية لها مجدية من وجهة البحث عن علاقة العمل بما هو أصل له خارج عنه من قبيل المؤلف أو الواقع أو الغرض المقصود وراء الخلق الشعري والفني الحر الذي أصبحت الغاية من إنتاج الشعر والفن محصورة فيه. ولم يعد مجدياً البحث على طريقة لانْسون عن تاريخ العمل كاملاً وتاريخ أجزائه ومقابلة النسخ وتحليل المتغيرات، ورصد سياقات العمل التاريخية والفلسفية عبر العلاقة بينه وبين مؤلفه وعصره، والعلاقة بينه وبين ما يشبهه من الأعمال في شكلها ومحتواها. فذلك كله في موضع الإزاحة والنقض في الفلسفة الجمالية التي تتألف في ضوئها هذه الأعمال وتتوالى المذاهب.

وهنا جاءت الشكلية الروسية وجاء النقد الجديد. وقد نعجب لنسبة الشكلية إلى روسيا التي لم تكن مهداً لإنتاج الاتجاهات الشعرية والتشكيلية التي سبق الحديث عنها، لكن العجب من هذه النسبة سيجد ما يطامنه حين نعرف اتجاه «المستقبليين» الشعري الذي ظهر في روسيا ومن أبرزهم فلاديمير ماياكوفسكي، ونشرهم بياناً يوضح مذهبهم في الشعر عام 1912. فقد كان اتجاههم ثورياً على الامتياز الرومانسي للشاعر وعلى العلاقة مع الواقع التي تقول بها الواقعية؛ فالعمل لديهم مكتف بنفسه، والشاعر منتجُ بِنَاء وتقنية. وإلى هذا الاتجاه يحيل عديد من المؤرخين للنظرية دافع الظهور للشكلية في روسيا، وهو دافع يمكن أن يرينا جانباً من فضاء التواصل بين النتاج الشعري والنظرية التي تفسره. لكنني أتصور أننا لا نستطيع أن نفصل بين اتجاه «المستقبليين» وبين التجليات النظرية للشكلية الروسية في الإحالة على مرجعية تجاوزهما معاً إلى النزعة المادية وهاجس اليقين العلمي، بحيث كانت الآلية في طروحات الشكلية الروسية لا سيما في مرحلتها الأولى، العلامة البارزة لذلك التي لا تختلف عن مناداة الشاعر المستقبلي ماياكوفسكي أن موطن الشعر هو المادية الصاخبة لعصر الآلة، ولا عما نراه إجمالاً لدى المستقبليين من قطع مع الذاتية.

وتعد مقالة فلاديمير شكلوفسكي «الفن بوصفه تقنية» (1917) أبرز علامة في الشكلية الروسية على هذه الوجهة. فالسؤال المحوري للمقالة هو العلة التي يصير بها الشعر شعراً، وهي علة تقود إلى التفريق بين اللغة الأدبية واللغة غير الأدبية، ذلك التفريق الذي يندرج في مسعى الشكلية الروسية البلوغ بدراسة الأدب درجة «العلم الأدبي» الذي لا يغدو الأدب موضوعه –فيما قال رومان ياكوبسون- وإنما «الأدبية» بوصفها علة يستحيل القول بها إلى أدب. فالأدب لدى شكلوفسكي شكل لأنه ليس أكثر من «جمع الوسائل الأسلوبية التي يستخدمها» وهذه الوسائل هي ما يحقق تميز لغته بالانزياح عن اللغة العملية أي اللغة المستخدمة في غير الأدب. وجماع هذه الوسائل، لديه، هو ما تمت ترجمته عربياً بـ «التغريب» (بالروسية Ostranenie) أي إضفاء غرابة على المألوف، أو نزع الألفة عنه (بالإنجليزية Defamiliarization). إن تقنية الفن –فيما يرى شكلوفسكي- هي جعل الأشياء والأشكال غريبة وإسقاط الألفة عنها، لنراها بطريقة جديدة وغير متوقعة. فالألفة والاعتياد يقضيان على الإحساس بما نألفه ويحلان محل الإدراك له والجاذبية إليه المعرفة به. والحال أن عملية الإدراك هي الغاية التي تخصص وظيفة الفن وطبيعته. ولذلك يؤدي التغريب إلى أن تصبح الأشكال الفنية جاذبة لانتباهنا إلى كيفية انبنائها فلا تغدو غايتها توصيل المعنى، وإنما أن نرى بطريقة مختلفة. أما كيف يتم ذلك فهو بجعل عملية الإدراك طويلة الأمد عبر المجاز، وتغيير صور الأشياء، وعدم التسمية لها بأسمائها المألوفة، ووضعها في سياق متنافر، وإطالة السرد، والقطع... الخ ويشرح شكلوفسكي ذلك بأمثلة، منها روايات تولستوي، فتولستوي يصف الحادثة كأنها حدثت أول مرة، ولا يسمي الشيء باسمه بل يصفه مثل من يراه للمرة الأولى، ويذكر في مقابل التسمية لأجزائه أسماء الأجزاء المقابلة في أشياء أخرى، وقد يروي القصة على لسان حصان.

هذا الفهم لدى شكلوفسكي للفن الذي يحده في مجموع الوسائل والتقنيات التي تزيح المألوفية، يلتقي من حيث تأكيده على الشكل وحصره موضوعاً للخاصية الأدبية مع التمييز الذي نجده لدى الشكلية الروسية بين «الحبكة» و»الحكاية» فالحبكة هي موضوع الخاصية الأدبية، لأنها تجمع الدلالة على الوسائل التي تُحْدِث التدخل في مادة القصة الخام بترتيب أحداثها فتنتهك الترتيب المتوقع للأحداث وسرعته، وتصبح لدى شكلوفسكي منطوية على دلالة التغريب لأن من شأنها أن تنزع الألفة عن القصة. وقد صار «التغريب» - في ضوء ذلك- منطوياً على دلالة تغير الفن وتطوره التاريخي، لأن وسائل التغريب وتقنياته لا تؤخذ بصفة جاهزة وليس لها ثبات. بل هي دائبة التشكل والتولد والتجدد والحدوث في الأعمال الأدبية، ومن ثم فإن قيمة وسائل التغريب وتقنياته تتغير في الأعمال وفي الزمان والسياقات المختلفة. وقد أفضى ذلك إلى أطروحات مجاوزة لشكلوفسكي، عند تينيانوف وياكوبسون وموكاروفسكي آلت بالآلية الحادة لديه إلى تراجع واضح.

أما النقد الجديد، فإنه يشبه الشكلية الروسية ويستأنف دورها أو يتداخل معها في الاندراج في نظرية الخلق والشكلية من وجهة المقاومة للذاتية والتاريخية والواقعية والتقليدية وما اتصل بها من وجهات نظرية إلى الأدب في حساب العلاقة له بمؤلفه أو بالواقع الخارجي أو بالمؤلفين القدامى، تعبيراً أو توثيقاً أو انعكاساً أو تقليداً أو تقويماً انطباعياً. وقد أتى التأكيد على العمل الأدبي في ذاته، بوصفه تحفةً لا وثيقة، وبوصفه قيمة جمالية لا وسيلة توصيل، عبر التفريق بين الاستعمال العلمي والعملي للغة وبين الاستعمال الانفعالي. فلدى ريتشاردز تغدو الإشارات خالقة للمواقف في الاستعمال الانفعالي، وهذه صفة اللغة الأدبية، ولا يهمنا في هذه الحالة على الإطلاق أن تكون الإشارات صادقة أو كاذبة، ولا ضرورة لصحة الإشارات ولا للتنظيم المنطقي، بل إن الصحة والمنطقية تغدوان عقبة في هذا السبيل، وعكس ذلك هو المطلوب في اللغة العلمية. ونتيجة ذلك هو التأكيد المتواتر لدى النقاد الجدد على مجازية اللغة الأدبية وغموضها واتسامها بالتوتر، والتناقض، والمفارقة، والتراكيب التي تسمح بتعدد التأويلات والتراكيب والمفردات ذات الدلالات المشتركة، والتورية، والصورة المعقدة، والخلط العفوي، والترددات... الخ وهذا هو ما استدعى التركيز على العمل الأدبي بوصفه شكلاً، وهو شكل لا يمكن الدلالة عليه بغيره، ولذلك لم ير ريتشاردز في المجاز الإبدال بين معنى مقصود ومعنى أصلي أو بين محمول وحامل كما درجت عليه البلاغة القديمة، بل رأى «التفاعل» فالمعنى الأصلي لا يختفي لأن اختفاءه يلغي القول بالمجازية، وحضور المحمول والحامل مجتمعين ينتج معنى لا يمكن الحصول عليه دون التفاعل المشترك بينهما. لذلك لا يكون الحامل مجرد زخرف للمحمول، بل إن تعاون كل من المحمول والحامل يعطي معنى ذا قوى متعددة، ولا يمكن أن ينسب إلى أي منهما منفصلين. ولم تنفصل لدى ريتشاردز الأهمية الممنوحة للشكل الأدبي بوصفه طريقة لتنظيم المحتوى وتوليده عن اطِّراحه قصد المؤلف الذي ينقض ذلك الاهتمام بالشكل أو يؤخر رتبته. وهو المؤدَّى الذي عمَّقه وليم أمبسون، تلميذ رتشاردز، في برهنته على تعدد المعاني في اللغة الشعرية. ولكنه التعدد الذي لا يصل إلى اللانهائية التي آل إليها في أطروحة «إرجاء المعنى» و»الاختلاف» لدى التفكيكية. وقد شاعت مقولة اطراح قصد المؤلف لدى النقاد الجدد بالمعنى الذي يؤكد على العملي البدء والمنتهى حتى صاغ ويليام ويمزات ومونرو بيدزلي (عام1954م) المقولتين الذائعتين: «المغالطة القصدية» و»المغالطة التأثيرية» وتقضيان بأن البحث عن قصد المؤلف وهم لأنه غير موجود أو موجود بشكل محوَّر، وأن الخلط بين العمل وبين ما يحدثه من نتائج على نفسية المتلقي في ظروف معينة وهم - أيضاً- لأنه دلالة انطباعية لا معوّل عليها، ومادام النقد الجديد نقداً يطمح إلى الموضوعية فإن من الواجب صيانته من هاتين المغالطتين.

وتتصل مقولات رتشاردز بمواطنه الشاعر الناقد تي. إس. إليوت، فقد وقف إليوت ضد الذاتية والتعبيرية، وأخذت صفة الشاعر لديه - على عكس نظرية التعبير- صفة غير ذاتية. وجاءت مقولته عن «المعادل الموضوعي» مقترنة بتأكيده الهروب من المشاعر ومن الذات والتأكيد على جهد الخلق لدى الشاعر وطاقته في إبداع شيء جديد. فالإبداع الفني - إذن- يقوم على إرادة، وهي إرادة في إحالة التجربة بعواطفها وأفكارها إلى خلق جديد أو مركب جديد. إن الأديب ينفصل عن ذاته ليخلق عمله الأدبي، ونضجه هو في قدرته على الانفصال عن ذاته، هذا الانفصال الذي يجعل عمله معادلاً موضوعياً وليس تعبيراً ذاتياً. وقد مضى إليوت في هذا الصدد إلى تأكيد استقلال الأدب عن حياة كاتبه، فالأدب صورة لنفسه فقط، ولا يسوغ أن نتخذه وسيلة لتزويدنا بشيء خارج عن نطاقه. وإليوت هنا مثل بودلير - لديد عديد من المؤرخين للنظرية الأدبية- في تصور «الوحدة الكاملة» بين الذات والواقع، وبين الشكل والغرض، فعظمة الأدب - فيما رأى- لا يمكن حدُّها في المعيار الأدبي، لكن لا يمكن لنا أن نحدِّدها إلا به. ويبدو لدى إليوت ميل إلى رؤية ما يجاوز الفردي في مقاله عن «التقاليد والموهبة الفردية» فالتراث الأدبي الأوربي لديه يمثِّل وحدة واحدة. وهو معنى يصب في الشكلية من حيث دلالة الشكل على ما يجاوز الجزئي أو المفرد واندراجه في معان كلية على النحو الذي برز لدى الأمريكي كينيث بيرك، ثم اتخذ منظوراً أكثر عمقاً في «البنيات اللاشعورية» في البنيوية وفي «التناص» و»التكرارية» في ما بعد البنيوية.

وقد قاد وجهة النقد الجديد في أمريكا الشاعر والناقد جون كرو رانسوم، الذي أكد «القراءة الفاحصة» للأعمال الأدبية، والمقاربة النقدية لها اعتماداً عليها في ذاتها وليس على ما هو خارجها. فالمعنى في القصيدة ليس شيئاً خارجاً عنها أو منفصلاً، ومن الواجب –فيما قال- أن يكون النقد أكثر علمية ودقة ومنهجية، ولهذا فإنه ينبغي ألا تؤثِّر في النقد الأدبي الانطباعات الشخصية والمعرفة التاريخية واللغوية والدراسات الأخلاقية، وعلى نقاد الأدب أن يراعوا القصيدة بوصفها موضوعاً جمالياً. هذه الأفكار لدى كرو رانسوم امتدت واغتنت لدى تلميذيه: ألن تيت وكلينث بروكس، بالإضافة إلى روبرت بن وارين وكنث بيرك وآخرين. أما ألن تيت فإن القصيدة - يقول- هي التي تصنع الفكرة وتخلقها، وليست الفكرة هي ما يصنع القصيدة. وهو لذلك يرفض «مبدأ الارتباط» Doctrine of Relevence وهو المبدأ المستقر في نظرية التعبير والواقعية والنقد التاريخي، من حيث الاعتقاد بعلاقة العمل الأدبي بمؤلفه أو بالواقع الخارجي، والممارسة النقدية للأعمال بالاعتماد على سيرة مؤلفيها، أو تاريخها، أو الاستعانة بالتحليل النفسي أو الاجتماعي لفهمها... الخ وهذا هو ما يعطفه على غيره من النقاد الجدد في الاعتداد بالعمل في ذاته.

وقد كانت مقولة بروكس: «إن الشكل هو معنى» مقولة مركزية إجمالاً في نظرية الخلق والشكلية، وصاغها ضمن مقال بعنوان «الناقد الشكلي» عرض فيه مهمة النقد من حيث نفي الصفة التعليمية عنه فـ»الأدب لا يُكْتَب بوَصْفَه» واجتماع التقويم لموضوعه مع الوصف له، وبدت فيه وحدة العمل الأدبي وعلاقة أجزائه ببعضها موضوع النقد الرئيس، مثلما بدا لدى بروكس ما أسماه «هرطقة الشرح» و «بدعة التلخيص» في موضع المناهضة لأن الشرح والتلخيص للقصيدة يقتضيان إمكانية أن ينفصل معناها عن شكلها. وتبدو شكلية كنث بيرك، بالإضافة إلى رؤيته العمل مستقلاً، في إصراره على أن الكتاب مثل جملة واحدة امتدت واستطالت، وفي منظوره إلى الأدب بحسبانه عملاً رمزياً. وهو لذلك يجمع الصور في قرائنها ليكتشف –مثلاً- تعبير كلمة «المستقبل» عند شكسبير عن نذر الشر، وينظر إلى الأعمال الأدبية من زاوية ما يسميه «الخطط» و»الدوافع». فليس الشعر - فيما يرى- إلا اتخاذاً لمختلف الخطط من أجل الإحاطة بشتى المواقف. أما الغاية وراء هذا المنظور النقدي فهو - لديه- الكشف الشامل عن الدوافع الإنسانية وعن أشكال الفكر والتعبير التي تقوم من حول تلك الدوافع لإقصاء كل أنواع الصراع. وهو معنى يلتقي مع رؤية رتشاردز في وظيفة الشعر من حيث هو مجلى لتنظيم التجارب والجمع بين الدوافع المتصارعة لإنشاء ما أسماه «التوازن الداخلي المتزامن».

- الرياض

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة