Culture Magazine Thursday  31/01/2013 G Issue 394
فضاءات
الخميس 19 ,ربيع الاول 1434   العدد  394
 
مشاركة المرأة في مجلس الشورى:
خطوة في طريق تغيير عاداتنا الفكرية!
خالد بن أحمد الرفاعي

 

-1-

سعى الملك عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله - إلى تفعيل قرار مشاركة المرأة في مجلس الشورى بأمرين ملكيين مهمّين:

أولهما : تعديل المادة الثالثة من نظام المجلس؛ ليكون نصّها على النحو الآتي: «يتكون مجلس الشورى من رئيس ومئة وخمسين عضواً، يختارهم الملك من أهل العلم والخبرة والاختصاص، على ألاّ يقل تمثيل المرأة فيه عن (20%) من عدد الأعضاء، وتحدد حقوق الأعضاء، وواجباتهم، وجميع شؤونهم بأمر ملكي»، ويقتضي هذا التعديل استمرارَ حضور المرأة في مجلس الشورى، كما يقتضي استمرارية هذه النسبة الكبيرة من المشاركة، ومن المهمّ أن نشيرَ هنا إلى أنّ التعديلَ قد وضع حدّاً أدنى لمشاركة المرأة لا يجوز النزول عنه، في حين ترك الحدّ الأعلى مفتوحاً..؛ الأمر الذي يعني أنّ هذه النسبة قابلة (أو محتملة قانويناً) للزيادة في الدورات القادمة...

وثانيهما: تعديل المادة الثانية والعشرين من نظام المجلس لتتناسب مع هذا التوجه، بحيث تتضمّن الإشارة المباشرة إلى أهمية حضور المرأة في كلّ لجنة من لجان المجلس (ثلاث عشرة لجنة)، وإذا ما أضفنا إلى هذه النقطة الإشارة إلى تمتّع المرأة بالحقوق الكاملة للعضوية، والتزامها بالواجبات والمسؤوليات ومباشرة المهمّات، ثم أضفناهما إلى ماسبق؛ فسنجد أنفسَنا أمام الحقائق الآتية:

- أنّ حضور المرأة في مجلس الشورى مستمر وليس حضوراً طارئاً.

- أنّ لمشاركتها في المجلس حداً أدني هو 20 %، وليس له حد أعلى، وهذا يعني أنّ مشاركتها قابلة للاتساع وليست قابلة للانكماش !

- أنها تتمتّع بالعضوية الكاملة (في المسؤوليات والواجبات ومباشرة المهمّات) مما يعني أنّ هناك مساواة تامّة بين الرجل والمرأة في عضوية المجلس، وليس هناك تفاوت بينهما في أي من السياقات الثلاثة.

- أنها حاضرة في جميع لجان المجلس، معبّرة عن المجتمع بشكلٍ عام، وليس عن المرأة أو قضاياها فقط.

-2-

معطيات هذين الأمرين خالفت ما كان يتوقعه الكثيرون من أنّ حضور المرأة في المجلس سيكون محدوداً من ناحية الكمّ (مقاعد محدودة تُخصّص أو تضاف)، وضعيفاً من حيث القيمة (في لجان دون لجان، أو بمستوى أقلّ من العضوية)، ومشروطا بشكلٍ أو بآخر (فيما يختصّ بالمرأة وقضاياها)؛ لذلك كان التفاعل معها أكبر بكثير من التفاعل مع القرار نفسه، الذي تلاه الملك في افتتاحه السنة الثالثة من الدورة الخامسة (25 سبتمبر 2011م)، ولذلك تعددت المواقف وتباينت، حتى صرنا أمام لوحة من الأفكار، تحتاج منا إلى تدبر يمنحنا القدرة على معرفة المحطة الفكرية التي وصلنا إليها، والمحطة التي نسير إليها في المدى الزمني المنظور..

يمكن أن نتمثل هذا التفاعل بالإشارة إلى أربعة مواقف رئيسة :

الموقف الأول: يمثله المفكّرون والمثقّفون والمحسوبون على الخطاب المدني، يشاركهم في هذا التمثيل عددٌ من العلماء (أشار الأمر الملكي إلى أنه عدد كبير)، من داخل هيئة كبار العلماء ومن خارجها، ذهبوا إلى مباركة هذا القرار، واستشرفوا فيه مستقبلا أكثر فسحة وإشراقا، وأحال هؤلاء الرأي إلى مستند شرعي واضح، وإلى المصلحة العامة التي يمكن أن يؤدّي إليها أمر تنفيذه، وهؤلاء جميعاً يقدّمون خطابا عالِماً، يتأسس على العلم والمعرفة والدراية، ولايجوز لأحد أن يشطبه بجرّة من قلمه؛ لأنه يختلف مع توجهاته أو اختياراته.

الموقف الثاني : يمثله بعض طلبة العلم الذي اختلفوا مع هذا القرار، وعبروا عن وجهة نظرهم في خطاب علمي لم ينزع إلى التعبئة، ولم ينحرف عن مساره المعرفي إلى استهداف القرار أو السيدات المعينات أو العلماء والمثقفين الذين مالوا إلى استحسانه ومباركته...، وأصحاب هذا القسم يقدمون أيضاً خطابا عالِماً لايقلّ أهمية عن سابقه، ولهم الحق كلّ الحق في إبداء وجهة نظرهم، وفي ممارسة حرية الكلمة ماداموا لم يصادروا بها حرية كلمة أخرى، ولا أجد هنا مسوغاً واحداً للهجوم على هؤلاء، ولا للانتقال البشع من مواجهة أدلتهم وحيثياتهم إلى مواجهة شخوصهم، ووصفهم بالتشدّد أو التطرف أو ماشابههما...

الموقف الثالث : يمثله غوغائيون لا يجيدون إلا مهارات الصراخ والتعبئة وممارسة أدوار مترهّلة من اللف والدوران، وهؤلاء لم يتورعوا من قبل، ولن يتورّعوا أبداً عن استخدام الوسائل المحرّمة في سبيل تحقيق أهدافهم، ويكفي دليلا على ذلك إساءتهم إلى بعض السيدات المعينات في المجلس، وكذبهم عليهنّ بالاسم الصريح؛ مستغلين سرعة انتقال وتأثير الكلمة في مواقع التواصل الاجتماعي وتقنياتها...

إنّ هؤلاء من الذين يصعب عليهم الدخول في مواجهات علمية؛ لذلك يلجأون مع كلِّ واقعة ثقافية كبرى إلى سلطة «السواد الأكبر» و»الأغلبية الصامتة»، فتراهم يراهنون على الكثرة أكثر من القيمة، وعلى ارتفاع الصوت أكثر من عمق الفكرة، وقد أثبتت تجربة المجتمع السعودي مع هؤلاء أنّ العنصر الزمني هو أفضل حلّ لمشكلاتهم، وأنّ صراخهم وضجيجهم لا يزعج أحداً سواهم؛ لذلك يبدو من تضييع الأوقات الدخول معهم في مواجهة من أي نوع، أو استدراجهم إلى مناطق من المعرفة لا يستطيعونها !

الموقف الرابع : يمثله السواد الأكبر من الناس، وهم أولئك الذين سكتوا عن التعيين كما سكتوا من قبل عن تشكيلات المجلس في دوراته السابقة، وأغلبهم (أقولها بأسف شديد) لا يعوّلون كثيراً على المجلس ولا على أدائه، ولا يجدون فيه أصلاً ما يعبّر عن رؤاهم وطموحاتهم.

تطرح هذه الشريحة الواسعة الكثيرَ من الأسئلة حول نظام المجلس، ومعايير اختيار الأعضاء، وحول أدائه خلال الدورات السابقة، وحول الصيغ الممكنة لجعله في مستوى هذه المرحلة بقلقها ومسؤولياتها...، ويؤسفني أن أقول إنّ أكثر هذه الأسئلة ترتدّ على أصحابها صدى موجعاً، وحتى هذه الساعة لم أرصد (ولم يرصدوا) تفاعلاً مُرْضياً مع هذه الأطروحات التي أخذت تتصاعد في المدة الأخيرة على المستويات كلِّها...

-3-

مامضى يفرض علينا مراعاة ثلاث قنوات مهمّة :

الأولى : إعادة النظر في نظام مجلس الشورى، والتعاطي المباشر والسريع مع الموقف السائد من نظامه وأدائه...

الثانية : أن تحرص المرأة المعينة في الشورى على تقديم نموذج فريد من الأداء خلال الدورة الحالية، وأن تتجنب الدخول في مواجهات بائسة مع خصومها حول مشروعية مشاركتها، وأن تتخلص في عملها من المراهنة على قضايا هامشية يمكن أن تؤجّل إلى حين، ومن الثنائيات التقليدية التي تجعل المشاريع النسائية-النسوية ردّ فعل أكثر منه فعلاً مستقلاً.

الثالثة: الاحتفال الثقافي بارتفاع مستوى الوعي في مجتمعنا، ومن أكبر أدلته انكسار الموقف الأحادي الحادّ الذي كنا نعهده سابقا مع كل حالة تغيير، وبروز الاختلاف في اتخاذ الموقف بين العلماء داخل الهيئة وخارجها، وبين المفكرين والمثقفين، وبين الناس في مجالسهم ملتقياتهم؛ الأمر الذي يعطي مؤشراً على نجاحنا – خلال عقد من الزمن - في إحداث تغيير على مستوى العادات الفكرية، يجب أن نبنيَ عليه – في المرحلة القادمة – ما يجعلنا نفضي منه إلى مزيد من المواقف العالمِة والخطابات الواعية!

@alrafai - الرياض

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة