Saturday 29/11/2014 Issue 453 السبت 7 ,صفر 1436 العدد
29/11/2014

بونجا

(دائرةٌ أنا مركزها، تتسع فيها المساحة بقدر ما يحتويها النظر، تتداخل فيها الألوان والأشكال والأحجام، من بسط خضراء تمتد إلى آماق البصر، إلى صحراء شاسعة صفراء تتصل بالسماء، يتماس مع محيطها غير المنتظم مجموعة من الهضاب والتلال الصغيرة، يتقاطع معها أحياناً قطيع من الإبل والماشية تثير بأرجلها الغبار محدثة عفرة وزوابع.. ألمح في الأطراف أكواخاً بعضها مثلث الشكل وبعضها على شكل مربع صنعت من ألواح الخشب القديمة وجذوع الأشجار والنخيل.. أمامها نيران مشتعلة وعليها قدور صغيرة تغلي.. ونساء يحملن بيد أطفالاً جوعى يتعالى صراخهم وبالأخرى أعواداً يابسة..)

بهذا الوصف الروائيّ المحترف، وهذه اللغة الأدبية الأصيلة، العميقة والسلسة في آن، جاء مطلع الفصل الرابع عشر بعنوان (دارفور المسحورة) من رواية (بونجا) للأديب المصري صلاح معاطي.. هذه الرواية الصادرة مؤخراً في القاهرة (2014) عن دار كلمات عربية، هي بمثابة وثيقة عربية لوقائع الحال في المنطقة الممتدة على جانبي نهر النيل من مصر التي ظلت مصراً واحدة في القديم والحديث إلى السودان الذي أصبح أكثر من سودان!

أحداث الرواية وشخوصها ومحاورها تتداخل في ترابط محبوك بإتقان يصل بك إلى رؤية أوضح لكل الصراعات ومسبباتها ونتائجها التي أفضت إلى حال صار فيه المواطن السوداني مشتتاً بين ثلاثة أوطان كل منها ينبذُ ابنَ الآخر ولا يعترف به حتى وإن كان مولوداً خارجها كلها وجاء إلى بعضها بحثاً عن الأهل والجذور والطمأنينة والاستقرار.

أبو النجا.. نابجا.. بونجا.. أسماء ثلاثة لمواطن عربي واحد ولد في مصر من أصل سوداني، وحين قرر العودة إلى منابت جذوره لاحت له نجمة أشغلت قلبه وملأته إيماناً بصحة قراره ونبله ووفائه لأصله، غير أن القائمين على تلك الأصول رفعوا في طريقه كل الحواجز وجعلوه كمثل حصان عربي أصيل فقد أرجله الأربع ولم يعد بمقدوره الوقوف فراح يضجّ بالصهيل حتى حلّت عليه رصاصة الرحمة التي كانت هنا رصاصة لعنة ما أكثر ضحاياها المتسامحين وما أقلّ جناتها الحاقدين..

(كأنّ مارداً يجذبني إلى أسفل رغماً عني، وكما اعتدتُ الاتجاه جنوباً اعتدتُ الفقدَ أيضاً.. فيبدو أنني فقدتُ حواسي جميعاً، فلم أعد أرى حدود الدائرة الأرضية حيث توجد مساحتي المزعومة، ولا أستمع لموسيقى الجنوب بإيقاعها السريع ولا أشمّ رائحة الصندل. كانت هذه الأفكار تراودني وأنا أستقل الطائرة المتجهة إلى جوبا عاصمة دولة جنوب السودان مسقط رأسي الذي لم أولد فيه، بلد الآباء والأجداد الذين لا أعرفهم ولا يعرفونني.. لي ثلاثة أسماء وثلاث هويات وثلاثة وجوه وثلاث مساحات ليس لي فيها شبرٌ واحد.. لا أدري كيف سأعيش هناك وماذا سأعمل)..؟

الرواية سودانية وسوداوية بامتياز، غير أنها شديدة المصرية والإيجابية في تلفتها إلى مآل الانفصال عن شريكها في النيل، ثم تبعات الانقسامات التي طغت على البلاد التي تركت في مهب العصابات الجاهلة والمصالح الدولية القاسية وما نجم عن كل ذلك من إحباط لكل من قدّر له الله الانتماء إلى تلك البقعة الخصبة من أرضه. وبرأيي الشخصي، رواية (بونجا) لا تشبه أيَّ رواية تتحدث عن السودان، بل ربما هي تأتي معاكسة لكل مألوف من الطرح بهذا الشأن لتكمل انعكاسات المرايا حتى تتضح الصورة لمن يملك القدرة على النظر.

ختاماً أقولُ: من الطبيعي جداً أن أتذكّر مأساة (بهنس) وأنا أقرأ رواية (بونجا). كنتُ قد تحدثت عن بهنس في مقالة منشورة هنا بتاريخ 28 ديسمبر 2013 وأعرف أن مؤلف بونجا كان من المتألمين لموت بهنس بتلك الطريقة القاسية. الفارق هنا أن بونجا لم يتكل على أوطان مشتتة ولم يحسب أنها ستلملم شتاته، كما أنه لم يعتمد على رفقاء الفن والأدب ظاناً أنهم سيكونون ملاذه حين يكون وسيلتهم للتسلّي.. بهنس – رحمة الله عليه – فعل ذلك في غفلة من أصحاب الضمائر الحية فلم يزد معدومي الضمائر إلا جشعاً وتحسُّباً لأنفسهم من الوقوع في الخطأ ذاته(!) أما بونجا، فقد تخلَّق عنده إصرارٌ مهيبٌ على الشموخ وحيداً في أقسى حالات الانكسار. يتضح ذلك في السطور الأخيرة من الرواية:

(هذه ستكون غرفتي حتى تتحسن الأحوال.. رحت أتأملها وأنا أقول في عزم وتصميم محدّثاً نفسي بصوتٍ مسموع: لا بأس، لعلها تكون هي تلك المساحة التي سأستعيد بها يوما ما شمالي المفقود).

- القاهرة ffnff69@hotmail.com