الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الجزيرة
Monday 23rd June,2003 العدد : 17

الأثنين 23 ,ربيع الثاني 1424

أثر خفيف
في دلالات الكرامة
علي العمري

تظهر هذه المفردة "الكرامة" شديدة الالتباس والعمومية بل وحتى الجاهزية، وربما لفرط استعمالاتها ولفرط ما استخدمت وتستخدم على كافة المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية، انها بالفعل مفهوم منهك ومغتصب من ضمن مجموعة من المفاهيم العربية المنهكة التي اصبحت لا تثير عندما تتبادر الى الذهن الا السخرية والمرارة. فهذه المفردة المطاطية لعبت دوراً مهما في الخطاب القومي الرسمي والشعبي حيث لا صوت يعلو فوق صوت البندقية، وحيث تصهر الجموع ذليلة من اجل الكرامة القومية التي لا تتحقق الا باسترجاع الأراضي السليبة، هنا تظهر الكرامة باستعمالاتها الايديولوجية كمفهوم للعسف والاضطهاد لم يحقق الا هزيمة الجماعة وانسحاق الفرد، وضياع الارض وتكريس الجلاد. هنا تتجلى كشعار راهن عليه الكثيرون في الحرب الاخيرة على العراق ومنطقيا خسروا الرهان لأن الكرامة طحنت وتطحن داخل كيان الفرد العراقي منذ ثلاثين سنة وعلى يد ابن جلدته ذاته.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً
على النفس من وقع الحسام المهند
لذا لم يكن ثمة لذة تفوق لذة سقوط الاصنام في ليل بغداد ولذة تشريح الجثة الميتة منذ ثلاثين عاما، ان الذليل المقهور دائما ما يحيا في استيهاماته الخاصة لحظة النصر يوم يرى قامعه او المسيطر عليه يهان ويمرغ في الوحل، إنها لحظة ثأر اسطورية يحملها كل فرد مقموع في داخله، يحملها ويتأملها وقد تتحقق وقد لا تتحقق. لكن هل هذا المفهوم الشعاراتي الزائف هو كل ما تعنيه هذه المفردة، بالطبع لا، فالحقيقة ان الترويج السلطوي الرسمي لمفهوم الكرامة ليس سوى الذل ذاته الذي يحاول صهر المجموع في الواحد ملغيا اي خصوصية او تمايز فردي، تكريسا لمفاهيم السلطة وخطاباتها العلنية والمضمرة، لكن الكرامة كمفهوم انساني عريق له اهميته وقوانينه السيكولوجية الخاصة التي تحكم الفرد في علاقاته مع غيره خاصة في علاقاته مع السلطة بمفاهيمها المختلفة، إنها نوع من الحراسة الذاتية التي لا يخترقها الا الذل عندما يُكسر داخل الانسان شيء يتمنى لو انه مات دونه اذ في العمق الداخلي لكل انسان ثمة ايمان عميق بأن الحياة لا تستحق ان تعاش بلا كرامة، والمتنبي ادرك ذلك:
"ذلَّ من يغبط الذليل بعيشٍ
رُبَّ عيشٍ أخفُّ منه الحِمامُ"
إن هذه المفردة الشائكة رغم انتهاكها الطويل تظل مفهوماً معقداً وصعباً للدلالة على العلاقات البشرية المختلفة: القوي بالضعيف، الحاكم بالمحكوم، السيد بالعبد، الاجير برب العمل.. إلخ.
إنها مفهوم شديد الحساسية أينما كانت ثمة سلطة. على انها قد تنطمر طويلا تحت ركامات القهر والاستسلام والعذاب لكنها فيما اظن لا تموت مطلقاً حتى لدى الحيوان ذاته، لذا يجب التفريق بين الكرامة الشعاراتية وكرامة فرد مسحوق تحت وطأة ضرورات لا تحصى.
+++++++++++++++++++++++++++
alialamri2000@yahoo.com
+++++++++++++++++++++++++++
الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
حوار
تشكيل
المنتدى
كتب
مسرح
وراقيات
مداخلات
المحررون
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved