الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الجزيرة
Monday 27th June,2005 العدد : 112

الأثنين 20 ,جمادى الاولى 1426

استراحة داخل صومعة الفكر
حبات رمل عبدالرحمن البراهيم الحقيل
سعد البواردي

حبات الرمل تتجاوز في كمها حركات الحب، ونبضات القلب إلا أنها دونها تعبيراً عن خلجات وتصويرا لانفعالات ..
حبات الرمل صامتة .. أما الحب وأما القلب فإنهما ديناميكية حياة متحركة أصولها راسخة في أعماق الكائنات الحية تدور. تمور .. وتثور وتهدأ .. خلاياها متجذرة تعقب الواحدة الأخرى .. ترثها .. وتورثها..
حبات رمل شاعرنا الحقيل بماذا أوحت له من صور وإلهام وهي الرفيقة والصديقة لكل من اعتمر الصحراء سكنا .. واصطفاها داراً..؟
لا أشتم ريحة ولا وجه رمل في لحنه الخالد .. إن بينه وبين كثبانه مساحة شاسعة من الأرض تغطيها الخضرة وتكسوها الغابات..
على صفحة الدانوب صغت قصائدي
وأرسلت لحنا من علو المقاصد
فرحت أغني للحياة نشيدها
واصغي إلى لحن الشداة الخوالد
أولئك غنوا للحياة بنبضهم
ولم يعصروه من فتات الموائد
انتهت قصيدته .. وبقيت حبات رمله في لائحة الانتظار..
(الأديب) العنوان الذي لمحه عند المغيب يرفل في حلته القشيبة .. وعينيه الدعجاوية .. وقامته الفارهة لم يكن امرأة كما حسبت كان أنشودة حب جميلة رسمتها ريشة شاعر يتذوق خصوبة المشاعر ويسكن تربتها..
لمحتها عند المغيب ترفل في الثوب القشيب
وعيونها الدعجاء تقتل من تصيب
ليس في القلب عندها أمل الحب في الحبيب
لكنها أنشودة للفكر يرسمها الأديب
هكذا يريدها شاعرنا الفن لمجرد الفن .. والشعر لمجرد الشعر .. ماذا تجدي أنشودة لا ترسم أملاً ولا تخاطب حلماً .. ولا تقرب مساحة ومسافة الشوق بين حبيب وحبيب ..؟ هل ان أنشودته جملة اعتراضية يخدعنا بها كي يفاجئنا بأناشيد أخرى أكثر واقعية وصدقاً؟! يبدو أنه كذلك.
(الذكرى) قربته إلينا. وقربتنا منه.. لقد تخلى عن سلبية شعره نحو إيجابية يملؤها دفء الذكرى الجميلة:
اعيدي لي الذكرى فهيهات أن أنسى
سويعات ان كنا على الجدول الجاري
سويعة كان البدر يرسل سحره
شعاعاً من الفضي في نفحه الباري
الشطران الأخيران يحتاجان إلى صياغة تكفل لهما ايقاعهما الشعري.. وتوازنهما العضوي .. هكذا أرى على الشكل التالي:
سويعة كان البدر يرسل نحونا سحره
شعوراً صاغه حباً يبادلنا به شعره
(القوس) هل نعطيه لباريه دون تدخل؟ هل ان سهمه هذه المرة سوف يصيب أم يخيب..؟ تكفي قراءته للحكم له أو عليه.
ليله طال لم ينم
لا عن سهاد أو سقم
من هاجس قد عاشه
لم يحنْ بعد. لا. ولم
إنه عاشق شدته عنقاء إلى قلبه .. فشل شباك حبه في اصطيادها .. ما إن رأته حتى توارت وراء الأكمة البعيدة شاردة عنه. اعترف بفشله وقلة حيلته
فالسهم طاش في الفلا
وتاه في دنيا العدم
تجربة ككل تجارب الصيادين يخطىء سهم ويصيب آخر .. لا نجاح دائماً .. ولا فشل دائماً .. لماذا الحزن وتحطيم القوس؟
حطم القوس وارتمى
يندب السيف والقلم
السيف تم إقحامه .. نحن معك في تجربة السهم .. أعد السهم إلى مكانه .. ودع السيف مغمداً في نصاله في معركة تحتاج إلى مواجهة..
(صورة) يبدو أنها مبتسرة ومبتورة لم تأخذ حقها من المشهد الشعوري:
يعطيك معسول الكلام
فلا انفعال .. ولا خصام
كالسم يجري في العظام
هو ذا أزكى اللئام
ترى من كان يعني؟ هل كانت مدحاً أو قدحاً شطوره الأربعة ..؟ ربما كانت هجاء يعني به منافقاً يعطيه من طرف اللسان حلاوة ويروغ منه كما يروغ الثعلب .. وإذا كان كذلك لماذا التزكية للئيم لا يحبه .. قل عنه ذكي مخادع لا زكي أنه لا يستحق التزكية.
(الحقيبة) قصيدة جميلة ومعبرة من بيتين لا ثالث لهما .. انها في غير حاجة إلى المزيد
تئن من الحمل
الثقيل بجوفها
وتطلب ان ترتاح
في آخر العمر ..
الحقيقبة لا حق لها في التقاعد إلا بعد أن تهترىء وتتعرى وتفقد آخر العمر .. ومثل الحقيبة يأتي الأمل قصير الخطوات إلاّ أنه واثق من ثقافة خطابه
قال خذها ولا تسل
ان في الأمر ما قتل
إنه العجز والملل
في حياة بلا أمل
أعطى له النصيحة ورحل:
هذه المرة ألمح إشراقة على جبين أمله وحبه للحياة .. هل كان واثقاً من حبه؟
أحب الحياة وآمالها
وقلبي مع عالم يحتضر
مفردة (مع) ابدلها بحرف (في) أو (من عالم يحتضر)
عش مضيئاً
ترى الحياة مضيئة
أو قميئاً
ترى الحياة قميئة
على نسق مقولة شاعرنا العربي
كن جميلا ترى الوجود جميلا
لا إضافة في إضاءته .. ولا في قماءته .. عبارتان مجترئتان لمفهوم لا يحتاج إلى إفهام.
(الأحلام) قصيدة أوردها في ديوانه لا أدري لمن نسبها .. أهي له .. إن كانت كذلك فهي محصلة جيدة تحسب في رصيد شعره:
جدلي شعرك يا اخت القمر
وانثري العطر وجودي بالنظر
ولندع أحلامنا في مهدها
ضاعت الأحلام في دنيا السمر
فعزيف الجن في كثباننا
كعزيف الناي. أو صوت الوتر
هي أيام وأحلام مضت
هكذا الأيام. والدنيا عبر
ان للأحلام عندي قصة
ليس في الأحلام طين أو حجر
قصيدة بروح وُلدت حية، جماليات الصورة فيها واضحة .. وجزالة التعبير تأسرك بوضوحها .. أما المضمون فمقنع مشبع..
(القهوة) غنت لها أسمهان بصوتها الجميل
يا من يقول لي اهوى
اسقيه بإيدي قهوه
شاعرنا الحقيل يدعو لشربها وترك الأفكار رهينة محبسها: لماذا؟
إشربْ القهوة تجلو كل هم
ودع الأفكار في جوف القلم
ما أرى للفكر ميزان ولا
في ضمير الناس إلا كم بكم
الأبيات ساخرة من أي مجتمع يستكين إلى الكسل غير آبه بما حوله من متغيرات تطال حياته ومستقبله .. وينزع إلى التنبل..
(إلى العلا) دعوته هذه المرة على النقيض من مقطوعة القهوة والاسترخاء القاتل:
هكذا كنا وكانت
أنفس منها شقيه
إلى متى يا رفاقي
نبقى إلى الابدية؟
هيا بنا فلنعزز
حياتنا المعنوية
ما في التواني سلاح
لحياة عبقرية
ليس الصعود بصعب
على من رام رقيه
قصيدة إنشائية تصلح أن تكون نشيداً مدرسياً لبساطتها وعفوية عباراتها.. الشطران الأخيران جمعا بين الصعود والرقي وهما شيء واحد غير قابل لإكمال المعنى .. (رقيت إلى الصعود) لا تضيف شيئاً .. كمن يفسر الماء بالماء .. من المستحسن إبدال كلمة الصعود ب(الخلود) أو (السمو).
(كونفشيوس) فيلسوف الصين العظيم له مقولة خالدة ترددها الأجيال مفادها:
(لا تلعنوا الظلام) ولكن أوقدوا الشموع شاعرنا الحقيل أوقد شمعه .. جميل أن يوقد كل واحد في هذا العالم المسكون بظلمه واظلامة شمعة حب .. وسلام تهدىء من روعه .. وتمنحه بقية حياة لا كراهية فيها ولا استلاب..
تضيء بدمعها سود الليالي
وتُهدي الضوء للرجل المثالي
وتحرق ذاتها من اجل حرف
يعيش مع الحقيقة لا يغالي ..
(لا يغالي) مفردة صحيحة .. الأصح منها والأكثر التصاقاً بالموقف مفردة (لا يبالي) لأنها تعني المصارحة والجرأة في قول الحب. في نهايتها يخاطب بني قومه في دعوة منه للعودة إلى تراث الفكر:
فعودوا يا بني قومي إليه
به عملا يعود مسلوب وغالي
إشارة إلى القدس .. الشطر مختل التركيب والوزن مشوه الصورة .. واذا كان لا بد من ترميمه فعلى النحو التالي: (تعود لنا أمانينا الغوالي)
(البسمة) هذه المرة هدية رغم جفافها لأنها بلا معنى:
بسمة أنتِ ولكن
ليس للبسمة معنى
فحياة كممات ..
هي في الواقع أدنى
إن فرحنا أو طربنا
أو هددناك بمغنى
سوف نبكي ثم نبكي
فالجرح أدمى وأضنى
نعيد إلى شاعرنا مشكوراً بسمته الجافة .. فالجفاف من حولنا يشطب الشفاه .. كما شطب الخلل شطرك القائل (أو هددناك بمغنى) لا يُعرف في معنى الهدية هذا الاشتقاق .. أعد نظراً يا صديقي فالبدائل متوفرة أقربها إلى الوصف .. أرحناك .. من الراحة
(السمراء) في فتوته حلم يداعب خياله ويعتصر قلبه:
تعلقت بالسمراء منذ فتوتي
فغنيت ألحاني على الوتر الصعب
وما زلت مشدوداً اليها دائماً
يباعدني عنها جحود هوى الصب
فهل أيقنت يوماً بأني أحبها
لتعطي ما أعطيت من وهج القلب؟
عسى وعسى ان تدرك اليوم ما مضى
لتصبح احلامي حقائق يا ربي
هديتك السمراء أكثر إشراقا واستشرافاً للمعنى من بسمتك الشعرية الباهتة التي ابكتك وحملتنا معها نحو شفاهها الجامدة التي لا حراك بها.
شاعرنا الحقيل يأخذنا معه يمنة ويسرة .. ما إن نفرغ من فكرة حتى نلج بوابة فكرة أخرى لا تبتعد عنها كثيراً..
(الكون والحياة) حيث العناق الأبدي بينهما مهما تقاطعت الصور وبدت كما لو كانت مختلفة ..
(هو الكون حي يحب الحياة
ويحتقر الميت مهما كبر
فلا الأفق يحمل ميت الطيور
ولا الأفق يحمل ميت الزهر)
بيتان من الشعر للشاعر الشابي استعارهما كمدخل لقصيدته بنى عليهما إيقاع أبياته المثالية ..
ولا الشمس تشرق بعد المغيب
ولا البدر يبدو بعيد السحر
الشمس يا صديقي تشرق بعد المغيب هذا هو مسارها وتلك طبيعة مجراها .. حسنا لو قلت: (ولا الشمس تشرق عند المغيب).
ولا البحر تقوى على قهره
جزرا. ومدا كذا مستمر
أضف حرف فاء ليستقيم بناؤه .. قل (فجزرا .. ومدا كذا مستمر)
هو الفكر يرنو إلى شواطئه
فيثري الوجود الثراء العطر
ونحن على الأرض من كوننا
نعيش الحياة بحكم القدر
(الخلاخيل) مادتها فضة .. مكانها الساقان .. لها صوت إيقاع تنغمه حركة حواء عند مشيتها .. للخلخال غنى
العين تدمع والآمال محرقة
والناي في عزفه يشكو التفاعيلا
وزامر الحي في أنغامه شجن
يكفيه ما فيه لا يحتاج تعليلا
يغدو ويمسي على ليلاه في هلع
انغام ليلاه قد صارت خلاخيلا
فعاش أيامه ينعى مزامره
اذ لم يكن لحنه طيرا أبابيلا
لنتجاوز مع شاعرنا قصة الأبابيل والحجارة وأبرهة فتلك قصة سماوية قرأناها وسلَّمنا بها يقينا .. إلا أنها كما أحسب قد أقحمت إقحاماً من أجل قفلة القافية .. وهي لن تغير شيئاً في المعنى ..
وبعد أقول لأخي الشاعر عبدالرحمن إبراهيم الحقيل وبعد أن قرأت ثقافته الشعرية في ديوانه الأنيق طباعة وورقا .. إنّ في شعرك القوي .. وما هو دون ذلك .. وهو واقع ملازم لنا نحن الشعراء .. نحلق بشعرنا حين ننفعل .. ونخفق في شعرنا حين نفتعل ..
خطابك الشعري الجيد يوحي بقدرتك أن تكون أفضل في تجاربك المنتظرة .. لقد قطعت شوطاً من التجربة يؤهلك لأن تكون صانع شعر مكتمل الصورة، والمضمون، والإطار .. إنني أشد على يدك .. وأشكر لك تلك المساحة الرحبة التي منحتها لي مشاركة في رحلة شعرية ممتعة لا تخلو من مطبات وهنات .. إلا أنها تحمل في داخلها الأماني الطيبات. وهذا يكفي ..


الرياض ص. ب 231185
الرمز 11321
فاكس: 2053338

الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
حوار
تشكيل
مداخلات
الثالثة
مراجعات
اوراق
سرد
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved