الاقتصادية المعقب الالكتروني نادي السياراتالرياضيةكتاب واقلام الجزيرة
Tuesday 13th May,2003 العدد : 34

الثلاثاء 12 ,ربيع الاول 1424

وبعد ثلثي عام..!
هذه المجلة..
وهي توشك على بلوغ ثمانية أشهر من سنتها الأولى..
من عمر طويل إن شاء الله..
ومن نجاحات مستقبلية تعطي المزيد من الرضا عنها..
هل يكون من تكرار القول أن نتحدث عنها..
وان نقول فيها ولها ما يعْرفه القراء..
وأن نستعيد ما عبّر القراء كتابة عن رأيهم فيها..
اعتزازاً بما مضى من شهور من عمرها..
***
لقد اعتدنا أن نبوح بما نعتقد أن إعلام الناس به صحيح..
وأن ترديده يؤصل النجاحات ويضيف اليها..
ومع إطلالة «مجلة الجزيرة» على الثلث الاخير من عامها الأول ..
وتوديعها لثمانية شهور قبل الاحتفاء في ذكرى مرور عام على يوم ميلادها..
كانت هذه الكلمة..
***
ومع هذه الشهور وقد مضت من سنتها الأولى بكثير من التميز والتفرد بشهادة الجميع..
لابد من وقفة..
ومن لحظات تأمل..
لمراجعة خطوات مسيرتها..
بحثاً عن جواهر جديدة..
نضيفها الى هذا الاصدار..
***
هاهي مجلة الجزيرة سنة أولى تستعد بعد أربعة أشهر لأن تلوح لكم بوداع جميل..
يعترف للقراء بالفضل..
وبالدور الأكبر في نجاحها..
دون أن تغمط الزملاء أسرة تحريرها حقهم في هذا الجهد الصحفي الكبير..
وهذا العمل المهني غير المسبوق..
وبأمل أن نرى مجلة الجزيرة بعد أربعة أشهر في سنة ثانية أكثر بهاءً وجمالاً..
***
قراءنا الأعزاء:
مجلة الجزيرة، منكم ولكم..
وصحيفة الجزيرة تكفيك..


خالد المالك

الشرق الأوسط على مائدة صنّاع السياسة الأمريكية:
الطاعة أو العصا الغليظة !!
هل الإطاحة بصدام تخدم أجندة بوش السياسية والفكرية والشخصية؟

* اعداد أشرف البربري
يبدو أن الإدارة الأمريكية تحت ضغط المحافظين الجدد أو ما يسمون ب «صقورالبيت البيض» قد اعتمدت سياسة القوة منهجا لحراكها في العالم ..فهي تهدد الأصدقاء الأقوياء.. والضعفاء الأعداء المفترضين على حد سواء،الأصدقاء تلوح لهم بأساليب الانتقام والحرمان من غنائم الحروب إذا لم يشاركوها اللعبة، والضعفاء تصدر لهم تهديداتها المباشرة، إما الطاعة وإما العصا الغليظة..هذه السياسة لم تنبع من فراغ، ولم تكن وليدة اللحظة، وكذلك لن تكون آنية المرحلة ..فما هي أبعادها؟ و ما مدى نجاحها ؟و ما مستقبلها و ما ردود الفعل تجاهها على المستوى العالمي؟
أحمد فاروقي الخبير الاقتصادي والمحلل العسكري في سان فرانسيسكو و الكاتب في شؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا ومؤلف كتاب «إعادة التفكير في
الأمن القومي لباكستان» يسلط الضوء في مقال له بصحيفة آسيا تايمز على دوافع اندفاع واشنطن خلف سياسة القوة متناولا الأبعاد التاريخية والسياسية والأطماع الاقتصادية لهذه السياسة.. يقول فاروقي: في الوقت الذي كانت فيه معركة بغداد في الحرب الأمريكية ضد العراق تقترب من نهايتها بدأت معركة أخرى حول روح الجمهورية الأمريكية في العاصمة واشنطن.
وقد أشعل المعركة الأخيرة أناس في دوائر الحكم الأمريكية يؤمنون بمفهوم استعماري للقوة الأمريكية وهم يمثلون تحالفا منوعا من مجموعات أخرى بالإضافة إلى معسكر المحافظين الذي يرى أن أمريكا في حاجة إلى خوض حرب طويلة للدفاع عن نفسها حتى يتم القضاء على أخر إنسان ممكن أن يكون قد شارك أو فكر أو خطط أو حتى تمنى تنفيذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ضد الولايات المتحدة وحتى تتم الإطاحة بأنظمة الحكم في الدول الثلاث التي تمثل «محور الشر» وهي العراق وإيران وكوريا الشمالية.
ألم الحرية
ويتابع احمد فاروقي: في المقابل هناك تحالف مضاد لا يؤيد مثل هذا التعبيرالاستعماري عن القوة الأمريكية ويرى أن مثل هذه الحرب الاستعمارية سوف تقضي على أي حرية داخلية في الوقت الذي تزعم فيه الإدارة الأمريكية أنها تسعى إلى نشر الحرية على المستوى الدولي واوضح قائلا: يضم المعسكر المناهض للفكر الاستعماري طيفا فكريا ممتدا بصورة هائلة بدءا من المحافظين أمثال مرشح الرئاسة الأمريكية الأسبق باتريك بوكانان وحتى الليبيراليين مثل تيدجالين كاربنتر من معهد «كاتو إنستتيوت» وجاكوب هورنبرج من مؤسسة «مستقبل الحرية» بالإضافة إلى أغلب أعضاء الحزب الديموقراطي ومجموعات متنوعة كانت قد نشطت في إطار حركة مناهضة الحرب الأمريكية ضد العراق وسوف تزداد هذه المعركة اشتعالا أثناء المعركة الانتخابية الرئاسية عام 2004
ويقول أحمد فاروقي: لقد انطلقت بالفعل أولى الطلقات في هذه المعركة من جانب بعض الطامحين في الفوز بترشيح الحزب الديموقراطي الأمريكي في الانتخابات الرئاسية القادمة فعلى سبيل المثال بدأ عضو مجلس الشيوخ الديموقراطي عن ولاية ماساشوستس يدعو إلى تغيير نظام الحكم في واشنطن في الوقت الذي كانت فيه الحرب دائرة ضد العراق وهو ما أثار هجوما واسعا ضده من جانب مؤيدي الحرب.
«الجيوش الهشة»
واضاف فاروقي : بالمثل أصدر حاكم فيرمونت هيوارد دين بيانا حادا ضد الحرب أثناء اجتماع الحزب الديموقراطي الأخير وهو ما أثار هجوما مضادا من جانب المعسكر الآخر ويشعر «المحافظون الجدد» بسعادة كبيرة نظرا لاقترابهم من تحقيق هدفهم الذي طال انتظاره والخاص بالحصول على الدور الأكبر في إعادة صياغة الشرق الأوسط وكما سيأتي ذلك لاحقا فإن نائب وزير الدفاع الأمريكي بول وولفويتز كان قد عرض رؤية هذا المعسكر الخاصة بالشرق الأوسط لأول مرة بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 و حسب اعتقاد فاروقي فان هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد ساعدت في الانطلاق لتحقيق هذه الرؤية حيث شنت الولايات المتحدة أولى حروبها في إطار ما أطلقت عليه الإدارة الأمريكية اسم الحرب ضد الإرهاب على جيش طالبان البدائي في أفغانستان ولم يكن يتجاوز عدد جيش هذه الحركة أربعين ألف مقاتل بدون أي تسليح حديث تقريبا وقد انهار نظام حكم طالبان في كابول في أقل من شهرين ثم جاء الدور على المعركة الثانية في الحرب الأمريكية ضدالعراق والحقيقة أن الجيش العراقي لم يكن أفضل كثيرا من الجيش الطالباني فقد كان هذا الجيش يعاني من ضعف هائل في التسليح والتدريب والروح المعنوية لذلك ما إن بدأت الحرب حتى انهار هذا الجيش بما في ذلك الحرس الجمهوري الذي كان يحظى بسمعة طيبة باعتباره جوهرة تاج نظام حكم الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين.
بل إن نظام حكم حزب البعث الذي يتزعمه صدام حسين والذي كان البعض يعتقد أنه أقوى من نظام حكم حركة طالبان في أفغانستان لم يتمكن من الصمود أمام القوات الأنجلو أمريكية أكثر من شهر واحد في الوقت الذي كان يؤكد أنه سيجعل من العراق مقبرة للغزاة.
سياسة لي الذراع
وأشار فاروقي إلى انه على الرغم من رفض الرأي العام العالمي للحرب الأمريكية ضد العراق، فإن صقور الإدارة الأمريكية الحالية بدءوا يوجهون آلة الحرب التي دارت ولا يريدون لها أن تتوقف إلى شرق العراق وغربه فقد بدأت واشنطن الحديث عن ضرورة تغيير أنظمة الحكم في دمشق وطهران، بل إن هناك حديثا عن ضرورة تغييرنظام الحكم في باكستان باعتبارها دولة مسلمة تمتلك قدرات نووية وصواريخ بعيدة المدى وهناك اتهامات قوية لها بدعم المقاومة الإسلامية في ولاية كشمير التي تسيطر عليها الهند.
ويتابع قائلا: الحقيقة أن أي إنسان لديه أدنى شك في جدية هذه التوقعات والسيناريوهات لا يحتاج إلى أكثر من مراجعة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي أعلنها الرئيس جورج بوش في سبتمبر الماضي فهذه الاستراتيجية تتحدث عن التزام الولايات المتحدة بدعم الحكومات المعتدلة خاصة في العالم الإسلامي حتى تضمن عدم توفير أرض خصبة للظروف والأفكار التي تروج للإرهاب في أي دولة من هذه الدول والحقيقة أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بعثت برسالة واضحة إلى الحكومات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم من خلال إظهار رغبتها وقدرتها على شن الحروب ضد الدول الإسلامية.
معسكر الصقور
ويضيف فاروقي: لقد أعلن ريتشارد بيرل
أحد العقول المدبرة لعملية الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين وأبرز عناصر معسكر الصقور في واشنطن.
أن الحرب لن تتوقف عند حدود العراق وأنه يجب على أمريكا أن تواصل الحرب ضد الدول التي تمتلك أو تطور أسلحة دمار شامل. كما استبعد بيرل أي دور للأمم المتحدة في الحرب الجديدة على أساس أنه تم إنشاء مجلس الأمن الدولي للتعامل مع مشكلات من نوعية غزو ألمانيا للأراضي الفرنسية بفرقة دبابات طراز «بانثر» ولكن هذه المؤسسة الدولية لم تعد قادرة على التعامل مع المواقف العصيبة للوقت الحالي مثل الإرهاب أو انتشار أسلحة الدمار الشامل.
ألف قاعدة عسكرية
ويرى فاروقي أن الوجود العسكري الأمريكي حول العالم أصبح أشد كثافة من ذي قبل حيث تمتلك الولايات المتحدة أكثر من ألف قاعدة عسكرية تنتشر في أكثرمن مائة دولة في قارات العالم الخمس ويتضمن هذا الرقم بعض «قواعد الأشباح» وهي عبارة عن مستودعات للأسلحة والمعدات الأمريكية ولكن لا توجد بها عناصر بشرية وهي قواعد شديدة الأهمية أيضا لأنها تلعب دورا مهما في عمليات نقل المعدات والإمداد والتموين للقوات الأمريكية في حالة الحرب وتشبه هذه القواعدالقلاع التي كانت تقيمها الأمبراطورية الرومانية حول العالم آنذاك كما أنها تجسد قدرة الولايات المتحدة على تغيير أي نظام حكم عندما تريد ذلك وفي الوقت الذي تريده ولكن البعض يقول ان هذه القواعد.
تمثل بشكل أساسي مجرد وسيلة لنقل رسالة سياسية إلى الدول المجاورة لهذه القواعد وتدعم العلاقات بين الولايات المتحدة والدول المضيفة لهذه القواعد ويشير فاروقي إلى ان هناك حالات كثيرة تتواجد فيها القواعد الأمريكية بصورة سرية لا تعلم بها شعوب الدول التي تستضيف هذه القواعد في العديد من قارات العالم ويروج المحافظون الجدد للحرب الطويلة التي تشنها الإدارة الأمريكية باعتبارها ضرورة للدفاع عن أمريكا إذ يقول نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني: إن العالم بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر يختلف تماما عن العالم قبل هذه الهجمات وبخاصة في كيفية تفكير أمريكا في أمنها القومي وما تحتاج إليه للدفاع عن نفسها.
ويجب أن ترد أمريكا وحلفاؤها بقوة على أي تهديد محتمل لأمنها.
حرب المزاعم
ولاحظ روجر موريس أحد أعضاء مجلس الأمن القومي الأمريكي في عهدي الرئيسين الأمريكيين السابقين ريتشارد نيكسون وليندون جونسون أن الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش شن الحرب ضد العراق بزعم أن العراق يمثل تهديدا حاليا وواضحا للسلام، ويضيف روجر أن الحرب اشتعلت على الرغم من أن هذا التهديد الذي زعمته إدارة بوش لم يكن واضحا للدول العربية المجاورة للعراق ولا حتى لباقي دول العالم بل إن العالم كله لم يكن يرى أن العراق يمكن أن يمثل أي تهديد في غضون خمس سنوات قادمة.
ويضيف موريس قائلا: ان الرئيس بوش عندما شن حربه ضد العراق بصورة منفردة بعيدا عن الإرادة الدولية فإنه أزال القيود الراسخة والمعترف بها منذ وقت طويل حول حق الدول في شن هجوم ضد أي دولة أخرى علاوة على ذلك فقد سار بوش في طريق الحرب بدون اهتمام بالكونجرس الأمريكي وهو ما يعني إشارة أخرى الى أن أي محاولة داخلية لكبح جماح معسكر الحرب في واشنطن لن تكون أكثر من رسالة ميتة.
ويواصل روجر رصد ملاحظاته عن الموقف الراهن في واشنطن فيقول ان هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد حولت صورة الرئيس الأمريكي إلى زعيم يقود البلاد من طراز وينستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الذي قاد بلاده للانتصار في الحرب العالمية الثانية
رغبة الانتقام
أما نورمان ميلر أحد الكتاب الأمريكيين فيرى أن هذه الحرب ترضي رغبة الانتقام لدى المحافظين الجدد بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ويقول إن الحرب ضد العراق على الرغم من عدم وجود أي دليل يثبت وجود علاقة بين العراق وهجمات الحادي عشر من سبتمبر تؤكد أن غياب دليل الإدانة ضد أي دولة لن يمثل أي عقبة أمام الإدارة الأمريكية الحالية لتطبيق رؤيتها على الأرض وهذه الرؤية تقول ببساطة ان هجمات الحادي عشر من سبتمبر عمل شرير وصدام حسين شرير وجميع الأشرار مرتبطون ببعض. كما أن بوش وعد الشعب الأمريكي بالحصول على مكاسب كبيرة من هذه الحرب من خلال نشر الديموقراطية وقواعد السوق الحرة في العالم العربي.
ولكن الكثيرين من الباحثين والخبراء الأمريكيين مثل بول كيندي الأستاذ في جامعة ييل وجوزيف ناي الأستاذ في جامعة هارفارد يعارضون هذه الرؤية ويؤكدون أن هذه الحرب الطويلة لا تخدم المصالح القومية الأمريكية ولكنها تعتمد فقط على القوة الأمريكية الغاشمة ويتساءلون لماذا تم إشعال هذه الحرب؟
كساد الأسلحة
وهناك أربعة أسباب مقترحة لتفسير إشعال هذه الحرب «كما يرى فاروقي» الأول بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 وجدت مجموعة مصالح خاصة في أمريكا نفسها معزولة عن الواقع وقد اختفى سبب بقاء مثل هذه الجماعة، وهذه الجماعة التي كان الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور أول من اقترح وجودها وأطلق عليها اسم المجمع الصناعي العسكري تمثل مصالح صناعة السلاح الأمريكية.
وقد كان أيزنهاور بسبب طبيعته العسكرية يدرك تماما مدى تماسك هذه الجماعة ومع اقتراب الحرب الباردة التي استمرت حوالي نصف قرن مع سقوط حائط برلين عام1990 بدأت مشاعر القلق الحادة تنتاب أعضاء هذا المجمع خوفا من انتشار السلام العالمي الذي يهدد مصالحهم بشكل مباشر.
فقد كان وجود الاتحاد السوفيتي الذي أطلق عليه الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان اسم إمبراطورية الشر مبررا لاستمرار الإنفاق العسكري الأمريكي في أعلى مستوياته ولكن اختفاء هذا العدو كان يفرض على هذه الجماعة إيجاد عدو جديد لأمريكا بأقصى سرعة ممكنة من أجل حماية مصالحها. وبعد عملية بحث استمرت عشر سنوات تقريبا ما بين التجربة والخطأ عثرت هذه الجماعة على ضالتها في الجماعات المتشددة واعتبرتها العدو الجديدالذي يهدد أمريكا.
حماية إسرائيل
السبب الثاني لشن الحرب ضد العراق وفق رؤية فاروقي هو إسرائيل التي وجدت نفسها بعد احتلال دام أكثر من ثلاثين عاما للضفة الغربية وقطاع غزة في حالة من انعدام الأمن كما أن إسرائيل اضطرت للانسحاب من جنوب لبنان تحت وطأة ضربات المقاومة اللبنانية وتجد نفسها الآن في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية الثانية والتي نجحت في فرض نفسها بقوة على إسرائيل وهنا اتجهت إسرائيل إلى مؤيديها في واشنطن لطلب المساعدة واستخدمت العلاقات العرقية التي تربط بين قادتها وقادة المحافظين الجدد في الحزب الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة.
ويرى ميلر أن بوش ينظر إلى حماية أمن إسرائيل كالتزام له أسباب استراتيجية ترتبط بفرص بوش في الفوز بفترة رئاسية ثانية بالإضافة إلى أسباب عسكرية تكتيكية أيضا فالمخابرات الإسرائيلية المعروفة باسم الموساد تتمتع بوجود قوي في الشرق الأوسط في الوقت الذي تعاني فيه أجهزة المخابرات الأمريكية من ندرة في الجواسيس العرب الذين يعملون لديها ويضيف ميلر أن الرئيس بوش عندما يهدد بشن الحرب ضد أي دولة عربية تمثل خطرا على إسرائيل فإنه يشبع رغبات المحافظين الجدد في إدارته الذين يرون أن هناك بعض الدول تمثل خطرا على وجود دولة إسرائيل كما كان الزعيم الألماني أودولف هتلر خطرا على وجود اليهود.
منابع النفط
السبب الثالث في اندلاع الحرب ضد العراق يقول فاروقي يتمثل في اعتمادالولايات المتحدة الكبير على البترول المستورد وبخاصة من الشرق الأوسط لتشغيل آلتها الصناعية العملاقة ويزداد هذا الاعتماد في الوقت الذي يواصل فيه الشعب الأمريكي استخدام السيارات الرياضية التي تستهلك كميات هائلة من الوقود على عكس السيارات اليابانية مثلا ولا يجد الأمريكيون أي مبرر لمحاولة تقليص استهلاكهم من البترول وتستهلك أمريكا بمفردها أكثر من ربع استهلاك العالم من البترول وتضطر إلى استيراد أكثر من نصف احتياجاتها من الأسواق الدولية وتأتي أغلب الواردات البترولية الأمريكية من منطقة الخليج العربي ومن المحتمل زيادة اعتماد أمريكا على بترول هذه المنطقة في المستقبل حيث تضم أكثر من 75% من احتياطات البترول العالمية المؤكدة.
السبب الرابع والأخير
والأكثر أهمية: يتابع فاروقي هو ظهور مجموعة أصوات قليلة تطالب بالسيطرة الأمريكية الفعلية على العالم بعد عام واحد من انهيارالاتحاد السوفيتي وقد كان في مقدمة هذه الأصوات بول وولفويتز والذي كان يشغل منصب مساعد وزير الدفاع الأمريكي ديك تشيني في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب.
وقد أصدر وولفويتز في ذلك الوقت وثيقة تعكس رؤيته للدور الأمريكي في العالم بعد الحرب الباردة ويصور أمريكا باعتبارها تمثالا ضخما يقف منفرج الساقين وتفرض إرادتها على الجميع وتحافظ على السلام العالمي من خلال انفرادها بالقوة العسكرية والاقتصادية ودعا وولفويتز بكلمات قليلة إلى ما أسماه «السلام الأمريكي» أو ما يعرف باسم »باكس أمريكانا» أو Pax Americana وهو نوع من السلام الذي فرضه الإنسان الأبيض على الهنود الحمر أثناء غزو القارة الأمريكية ويعني الاستسلام التام من جانب الهندي الأحمر لسيطرة الرجل الأبيض.
وقد أثارت هذه الفكرة انتقادات حادة دفعت الرئيس بوش الأب إلى التبرؤ منها واعتبارها لا تمثل أكثر من رأي صاحبها.
أمركة العالم
ويتابع فاروقي : لكن بول وولفويتز أعاد إصدار هذه الوثيقة مرة أخرى أثناء معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة عام 2000 وقد رسمت الوثيقة في طبعتها الجديدة وبلغة بسيطة خطة «أمركة» العالم تحت عنوان «مشروع القرن الأمريكي الجديد» وهو المشروع الذي يصف القوة العسكرية الأمريكية باعتبارها الفرسان على الجبهة الأمريكية الجديدة».
القرن الامريكي
ويتابع فاروقي قائلا: يضم مشروع القرن الأمريكي الجديد الذي تشكل في منتصف التسعينيات كمركز دراسات سياسية واستراتيجية مجموعة من أقطاب المحافظين الجدد مثل ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وغيرهم ممن أصبحوا أقطابا في الإدارة الأمريكية الحالية بعد فوز الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن في الانتخابات الرئاسية.
وقد أصبحت فكرة السيطرة الأمريكية المباشرة على العالم والتي يجسدها مشروع القرن الأمريكي الجديد هي السياسة الخارجية الأمريكية بعد هجمات الحادي عشرمن سبتمبر بعد أن كانت مستهجنة عندما تم الكشف عنها لأول مرة في بداية التسعينيات.
محاور مستهدفة
وعن فكرة تغيير أنظمة الحكم في الشرق الأوسط أصدر نورمان بودهيرتز الذي يعد بمثابة الأب الروحي لمعسكر المحافظين الجدد مذكرة بتغيير مجموعة كبيرة من أنظمة الحكم في الشرق الأوسط واعتبار هذه الأنظمة تمثل «محورا للشر». ويطالب بوهيرتز الولايات المتحدة بالتحرك المنفرد من أجل الإطاحة بهذه الأنظمة الحاكمة وإقامة حكومات أكثر ديموقراطية على حد زعمه على الطراز الذي كان يدعو له الرؤساء الأمريكيون السابقون، توماس جيفرسون، وودرو ويلسون، ولكن ما يريده المحافظون الجدد في واشنطن ليس مجرد إجراء تحولات سياسية في الشرق الأوسط، بل الهدف النهائي لهذه اللعبة التي يمارسونها في الشرق الأوسط هو إجراء تغييرجذري داخلي وهذه الأفكار صدامية بطبيعتها بمعنى أنها ستقود حتما إلى مواجهات وصدامات حادة بين مختلف الأطراف ويعترف المحافظون الجدد بأن التدخل العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط سوف يؤدي إلى شن المزيد من الهجمات الإرهابية ضد الأمريكيين سواء داخل أمريكا أو خارجها .
مسوغات مصطنعة
وينتقد فاروقي ترحيب المحافظين الجدد بمثل هذه الهجمات لأنها سوف تقدم للولايات المتحدة المبرر من أجل المزيد من التدخل العسكري في هذه المنطقة ويعتقد هؤلاء المحافظون أن الولايات المتحدة سوف تنتصر في النهاية ويؤكدون على إظهارالعزم الأمريكي على مواصلة الحرب حتى النهاية وفرض ثقافة سياسية جديدة على المسلمين وتشير هذه السياسات إلى إيمان المحافظين الجدد بأنهم نجحوا في تحرير الولايات المتحدة الأمريكية من جميع القيود التي كانت تقيد حركتها قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
الحرب الرابعة
ثم يأتي إليوت كوهين وهو أحد أبرز المحافظين الجدد في الحقل الأكاديمي ليتحدث من موقعه في جامعة جونز هوبكنز ويقول ان الحرب الأمريكية الحالية ضد ما يسمى بالإرهاب هي الحرب العالمية الرابعة معتبرا أن الحرب الباردة كانت الحرب العالمية الثالثة ولكن المؤرخ العسكري الشهير سير مايكل هيوارد يرفض هذاالتصنيف الذي يتحدث عنه إليوت ويرفض اعتبار المعركة ضد الإرهاب حربا ناهيك عن اعتبارها حربا عالمية.
ويزعم كوهين أن الولايات المتحدة في هذه الحرب تقف في جانب الخير تماما كما كان الموقف خلال الحروب العالمية السابقة على حد زعمه وأن العدو في الحرب العالمية الجديدة هو الاصولية وليس بعض المفاهيم المجردة عن «الإرهاب»ويطالب كوهين الولايات المتحدة بضرورة أن تضع ثقلها خلف القوى الموالية للغرب وغيرالدينية في العالم الإسلامي مع البدء بالإطاحة بالحكومة الدينية في إيران وتنصيب حكومة «عصرية علمانية» مكانها.
وقد كان كوهين من أوائل المحافظين الجدد الذين دعوا إلى مهاجمة العراق بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر حتى بالرغم من عدم وجود أي دليل ملموس على وجودعلاقة بين الحكومة العراقية والهجمات ولا حتى مع تنظيم «القاعدة» ذاته. وقبل الحرب الأمريكية ضد العراق شكل المحافظون الجدد لجنة غير حزبية من أجل «تحريرالعراق». وكان من بين أعضاء هذه اللجنة جورج شولتز وزير الخارجية الأمريكية الأسبق والباحث في معهد هوفر بجامعة ستانفورد والذي يبلغ من العمر 81 عاما.
وكان شولتز قد شغل منصب وزير الخزانة في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون ثم وزير الخارجية في إدارة الرئيس رونالد ريجان.
وقد عمل مع الرجل في تلك السنوات الخوالي العديد من كبار الأعضاء في إدارة الرئيس الحالي جورج بوش بما في ذلك نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الخارجية كولن باول الذي كان عضوا في مجلس الأمن القومي الأمريكي عندما كان شولتز وزيرا للخارجية.
خطة مبيتة
يقول فاروقي : بدأ شولتز يردد خلال الأشهر التي سبقت الحرب الأمريكية ضدالعراق مقولة ان الرئيس العراقي صدام حسين يمثل خطرا على السلام وتنبأ بقيام أمريكا بضرب العراق في نهاية شهر يناير الماضي وقد أكدت كلمات شولتز الشكوك التي كانت تساور الكثيرين بأن إدارة الرئيس بوش تريد استخدام قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1441 بشأن العراق والذي صدر في نوفمبر عام 2002 كغطاء لتنفيذ خطة موضوعة سلفا لضرب العراق بغض النظر عن نتائج أعمال التفتيش على الأسلحة في العراق.
أجندة بوش
وبالنسبة للرئيس بوش يؤكد فاروقي أن الإطاحة بالرئيس صدام حسين يخدم أجندته السياسية والفكرية والشخصية أيضا على الصعيد السياسي يمثل صدام حسين بديلا محددا ومعروف مكانه لزعيم تنظيم القاعدة المختفي أسامة بن لادن والذي فشلت حملة بوش ضد أفغانستان في القبض عليه كما وعد الشعب الأمريكي بل إنه حتى إذا ما فشل بوش وقواته في العثور على صدام حسين فإنه يستطيع في هذه الحالة الخروج للشعب الأمريكي ويقول له ان صدام حسين لم يعد قادرا على تهديد الولايات المتحدة بأسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها، أما من الناحية الفكرية والأيديولوجية فإن هذه الحرب ضد العراق تمثل تجسيدالمبدأ «الحرب الوقائية» الذي أعلنه بوش في استراتيجية الأمن القومي التي أعلنها في سبتمبر الماضي كما أنها تعبير عن النزعة العسكرية لإدارته والرغبة في التحرك المنفرد بعيدا عن المؤسسات الدولية التي تميز قاعدة النفوذ الجمهوري في جنوب الولايات المتحدة والولايات الجبلية.
نقطة البداية
يقول فيكتور دافيس أستاذ الكلاسيكيات في جامعة كاليفورنيا وأحد مستشاري الرئيس بوش ان بغداد لن تكون نقطة النهاية بالنسبة للرئيس بوش ولكنها مجرد البداية.ولهذا فإنها تثير كل هذا الجدل لأنها تهدد كل فكرة تتعلق بالاستقرار والتطبيع وتهدد الأفكار الراسخة حول تعريف أصدقاء أمريكا وأعدائها الذي استقر منذالحرب العالمية الثانية. إذن فالحرب ضد العراق تمثل حدثا «ثوريا» في الوقت الراهن على حد تعبير دافيس ويمكن أن تكون على أقل تقدير مثل انهيار حائط برلين الذي أدى إلى إعادة رسم خريطة أوروبا الشرقية بالكامل وهنا يثور السؤال المهم وهو هل ما نراه الآن هو إعادة تفعيل للأفكار الاستعمارية التي اختفت خلال النصف الثاني من القرن العشرين؟
والواقع يشير إلى أن الإجابة ستكون بنعم حيث يبدو أن أفكار المحافظين الجدد في واشنطن لا تختلف كثيرا عن تلك الأفكار الاستعمارية التي رددها المحافظون القدامى في بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى أمثال مارك سيكس وليو أمري
أمنيات مثالية
كما لاحظ أستاذ التاريخ في جامعة ييل بول كيندي فإن ما نراه الآن هو محاولة أمريكية لتقليص النفوذ الفرنسي والألماني والروسي في المنطقة العربية لحساب النفوذ الأمريكي القادم من وراء البحار، فأمريكا تسعى إلى تأمين الوصول إلى منابع البترول والحصول على حق إقامة قواعد عسكرية برية وجوية في المنطقة كما يؤمن المحافظون الجدد بقدرة الذكاء البريطاني على التوصل إلى حل وسط بين المصالح المتصارعة للفلسطينيين واليهود في فلسطين، ولكن كل هذه الآمال تدخل في باب الأمنيات المثالية الرومانسية التي لا تستند إلى حقائق الواقع في الوطن العربي على حد تعبير كيندي.
التجربة العراقية
فقد خاضت بغداد أول تجربة «تحرير» لها على النمط الأمريكي أثناء الحرب العالميةالأولى عام 1917 عندما غزت القوات البريطانية العراق بزعم تحريره من الاحتلال التركي، وقد كان محرر بغداد في هذا الوقت هو العميد سير ستانلي مودي قائدالقوات البريطانية وكانت مناطق بغداد والبصرة هي أولى المناطق التي حررتها القوات البريطانية من السيطرة العثمانية ثم كانت فلسطين ثاني المناطق التي«حررتها» هذه القوات البريطانية تلتها سوريا ولبنان ولم تمر سوى سنوات قليلة حتى انتفض العرب في فلسطين ضد الاحتلال البريطاني ثم ثار العراقيون ضد الاحتلال أيضا.
ففي العراق انتفض أكثر من مائة ألف مسلح من أبناء القبائل ضد القوات البريطانية ثم اجتاحت ثورتهم كل مناطق العراق في صيف عام 1920.
وكان قائد القوات الجوية البريطانية قد رد على التمرد العربي في فلسطين بالقول بأن الشيء الوحيدالذي يفهمه العرب هو القبضة الحديدية وأنهم سوف يرضخون للقوة إن عاجلا أوآجلا وبذلك تدخلت القوات الجوية الملكية البريطانية في قمع التمرد العراقي حيث قصفت المناطق العراقية مما أسفر عن مقتل أكثر من تسعة آلاف عراقي ولكن المخاوف في لندن تصاعدت الآن تكاليف قمع الثورة العراقية تجاوزت تكاليف احتلال العراق وغيره من الأراضي العربية لأول مرة عندما ثار العرب ضد الإمبراطورية العثمانية عامي 1917 1918.
لذلك اقترح وزير الدولة البريطاني لشئون الحرب وينستون تشرشل استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المتمردين العرب كتجربة لهذه الأسلحة.
أسلحة الرعب
ويقول أحمد فاروقي: اقترح تشرشل تحديدا استخدام الغازات السامة ضد القبائل غير المدنية لنشر الرعب بين العراقيين وقد جاءت هذه الثورة العراقية والثورةالفلسطينية في توقيت سيئ للغاية بالنسبة للإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغرب عنها الشمس في يوم من الأيام فقد كان الاقتصاد البريطاني ينهار ويحتاج إلى حشد كل الموارد لإنعاشه ولكن هذه الموارد كانت مستنزفة في محاولة قمع الثورات في الدولة التي تحتلها القوات البريطانية.
وقد كتب تشرشل إلى حكومته الموقرة يقول انه ينفق ملايين الجنيهات الإسترلينية لكي تحتفظ بلاده بالجلوس على فوهة بركان وعن الموقف في فلسطين كتب تشرشل يقول ان القوات البريطانية عندما دخلت هذه البلاد كانت السجاجيد والبسط مفروشة تحت أقدامها ولكن لم يلبث الأمر أن انقلب رأسا على عقب وانتهى البساط الذي يسير عليه البريطانيون ليجدوا بعد ذلك أحجارا صلبة تدمي أقدامهم ولم يكدالقرن العشرون ينتصف حتى انتهت تلك الامبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس لتصبح مجرد دولة لا تمتلك من العظمة أكثر من أسمها الذي ظلت محتفظة به وهو«بريطانيا العظمى»
ويتابع فاروقي: الآن غزت جيوش الأمبراطورية الجديدة التي تطل بوجهها القبيح على العالم بغداد متحالفة مع جيوش الامبراطورية القديمة بنفس الدعاوى وهي الحرية والديموقراطية ورغم تغيير تكتيكات التحرير بتغيير مكان الإمبراطورية فإن الأهداف ظلت كما هي فقد ظل العراق محور التحرك نحو الشرق الأوسط على أساس أن من يسيطر على بغداد سوف يسيطر على الشرق الأوسط بالكامل.
وكما يقول المثل الفرنسي «كلما تغيرت الأشياء أكثر كلما ظلت كما هي».
المستعمرون الجدد
ويعود الكاتب إلى الوراء مستذكرا ما حدث في العام الذي دخلت فيه القوات البريطانية بغداد عام 1917 عندما أصدر الزعيم الشيوعي فلاديمير لينين كتيبه الشهير الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية.
وفي هذا الكتيب قال لينين أنا واثق من أن هذا الكتيب سوف يساعد القارئ في الوصول إلى فهم شامل للمسألة الاقتصادية المتعلقة بالجوهرالاقتصادي للاستعمار فبدون دراسة هذه المسألة فإنه من المستحيل فهم أو تقدير أسباب الحروب الحديثة.
والآن يتابع فاروقي وفي نفس العام الذي قامت فيه القوات الأمريكية «بتحريرالعراق» للمرة الثانية أصدر نيل فيرجسون المؤرخ وأستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك وأكسفورد كتابا يحمل رسالة مختلفة تماما. يقول فيرجسون أن الإمبراطورية البريطانية كانت العنصر الرئيسي فيما شهده العالم من تقدم طوال القرنين التاسع عشر والعشرين وأضاف أن العالم في حاجة إلى إمبراطورية جديدة تحل محل الإمبراطورية البريطانية حتى يمكن الحفاظ على النظام العالمي والحقيقة أن «إمبراطوريةالخير» التي يتحدث عنها جيفرسون هي بالضبط تلك التي يتحدث عنها المحافظون الجدد ويريدون إقامتها على أنقاض النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية.
ويقول فيرجسون إن على أمريكا أن تواصل العمل على إقامة شبكة تبادل تجاري واستثماري على مستوى العالم تشبه تلك التي كانت الأمبراطورية البريطانية تقيمها خلال سنوات مجدها البائد ويجب أن تتم الإطاحة بالدول المارقة ومساعدة الدول الفقيرة للحد من مخاطرها سواء بالمساعدات الاقتصادية أو بالتدخل العسكري إذا لزم الأمر.
الشرطي الدولي
ويرى فاروقي أن ما يتحدث عنه فيرجسون ومن يردد وراءه ليس سوى «الاستعمار» الذي لا يجدون الشجاعة اللازمة للإعلان عنه صراحة بل إن بعض دعاة الاستعمارالجديد ممن يعملون في إطار منظمات غير حكومية يزعمون أنهم مناهضون للاستعمار.وفي ذات الوقت فإن شبكة التعاون التي يدعو فيرجسون أمريكا إلى إقامتها مع دول العالم لا تختلف كثيرا عن تلك الشبكة التي أقامتها بريطانيا مع الدول التي كانت تحتلها من قبل مثل أستراليا والهند وكندا وجنوب إفريقيا مع ملاحظة أن هناك تراثا ثقافيا مشتركا يربط بين بريطانيا التي كانت عظمى وتلك الدول وهو ما لا يتوفر للإمبراطورية الأمريكية الجديدة.
من السر للعلن
وفي خطابه المثير للجدل الذي ألقاه المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية جيمس ويلسي في جامعة كاليفورنيا ووجهه إلى القادة العرب قال: إننا نريد أن يشعر الزعماء العرب بالقلق والعصبية وأشار ويلسي بفخر كبير الى أن الولايات المتحدة تخوض حاليا الحرب العالمية الرابعة ولم يتجاهل القادة العرب والمسلمون هذه الملاحظات التي أدلى بها ويلسي فقد قال ان هناك تغييرا كبيرا في أساليب تغيير أنظمة الحكم في البلاد العربية والإسلامية وأن ما كان يتم في الماضي بطريقة سرية سوف يتم حاليا بطريقة علنية صريحة وربما من خلال عمليات عسكرية معلنة.
ومن المتوقع أن تصل موجة تغيير أنظمة الحكم في العالم العربي خلال المستقبل القريب إلى أنظمة الحكم غير المنتخبة التي تمتلك أسلحة دمار شامل ثم تتجاوزها إلى أي حكام يحاولون الوقوف في وجه محاولات المحافظين الجدد فرض أجندتهم على العالم.
توسيع نطاق الحرب
وفي هذا السياق يشير فاروقي إلى التحذير الذي أصدره دانيال بيبس عام 2000من قيام دمشق بتطوير أسلحة دمار شامل ودعوته إلى شن عملية عسكرية ضد سوريا وكان تقرير دانيال قد صدر عن فريق عمل شاركه في رئاسته زياد عبد النور وهو مصرفي من أصل لبناني يقود منظمة في أمريكا منذ عام 1997 تسمى لجنة الولايات المتحدة من أجل لبنان حر وقال التقرير انه إذا كانت هناك ضرورة لعمل شامل ضد سوريا فيجب أن يكون اليوم قبل الغد وقد وقع على التقرير أعضاء فريق العمل الذي شارك في إعداده ويصل عددهم إلى 31 عضوا بينهم عدد كبير ممن يشغلون حاليا مناصب مؤثرة في الإدارة الأمريكية الحالية وقد خرج عدد من كبار الصحفيين الأمريكيين الذين عايشوا المحافظين الجدد في واشنطن عن قرب ليقولوا ان انتشار الجماعات المتشددة في العالم العربي هو الشيء الوحيد الذي يريده هؤلاء المحافظون الجدد.
فانتشار مثل هذه الجماعات يبرر توسيع أمريكا لجبهة الصراع بحيث تشمل دولا أخرى في المنطقة العربية حتى يتم إجراء التحولات التي يحلم بها هؤلاء الصقور في المنطقة بأكملها وعلى نفس الموجة يقول فاروقي نجد ان هناك كورال الإنجيليين الذين يرون أن انتشار وتصاعد الفوضى والاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط عموما وفي المنطقة العربية بوجه خاص مقدمة لتحقيق الحلم الإنجيلي والسيطرة الكاملة على هذه المنطقة والحقيقة من الصعب تحديد أي من الفكرتين أكثر خطورة.
حروب باهظة
ويطرح كاتب المقال سؤالا مفاده: هل سينجح المحافظون الجدد في تنفيذ السيناريو الذي يحلمون به؟ ويتطوع بالإجابة قائلا :من المهم أن ندرك حقيقة أنه على الرغم من أن الخسائر الأمريكية المباشرة في الحرب ين التي خاضتهما في أفغانستان والعراق كانت قليلة إلا أن التكلفة الحقيقية لهذه الحروب كانت باهظة بالفعل فإذا ما كانت هذه الحروب قد أسفرت عن خسائر بشرية قليلة جدا في صفوف الأمريكيين فإنها أسفرت عن خسائر بشرية هائلة في صفوف كل من الأفغان والعراقيين وهذه الحقيقة تؤجج مشاعر الكراهية لأمريكا وللأمريكيين في كل أنحاء العالم.
ثانيا يتابع الكاتب: الانتصار الأمريكي في هاتين الحربين تم بتكلفة اقتصادية باهظة تحملها دافع الضرائب الأمريكي على الرغم من أن العدوين في الحربين كانا من دول العالم الثالث الأشد تخلفا وضعفا لأسباب مختلفة ففي الحرب ضدالعراق فإن الجزء الأكبر أو كل القوات العراقية كانت متمركزة في مواقعها أو مستعدة للتحرك إلى تلك المواقع في حين أن خمس حاملات طائرات من بين أسطول حاملات الطائرات الأمريكية البالغة قوته 12 حاملة طائرات شاركت في الحرب وكل هذه القوات الأمريكية تم حشدها لمحاربة نظام حكم لم تكن تزيد ميزانيته العسكرية عن4 ،1مليار دولار سنويا مقابل ميزانية الدفاع الأمريكية البالغة قيمتها 400 مليار دولار سنويا.
ميزانية مثقلة
ويتوقع المحلل الاقتصادي في بنك يو بي إس واريبورج السويسري جورج ماجنوس أن يؤدي استمرار الحروب التي تخوضها أمريكا حاليا إلى زيادة نسبة الإنفاق العسكري الأمريكي من أربعة في المائة من إجمالي الناتج القومي الأمريكي حاليا إلى تسعة في المائة منه خلال السنوات القادمة.
والحقيقة أن مثل هذه التقديرات لن تسعد أسواق المال الأمريكية التي تشعر حاليا بقلق بالغ بسبب العجز القياسي في الميزانية الأمريكية في ظل الإدارة الأمريكية مع استمرار تصاعد معدلات البطالة.
أما المحلل الاقتصادي دافيد هول فيقول انه من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة بالفعل للقيام بدور إمبراطوري على أساس قوي أم لا وعلى الرغم من هجمات الحادي عشر من سبتمبر فإن التهديد الإرهابي الذي يواجه الولايات المتحدة مازال أقل وضوحا من التهديد الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي أثناء سنوات الحرب الباردة.
محاولات فاشلة
أما المؤرخ الاقتصادي بجامعة هارفارد دافيد لانديس فيرى أن المصاعب الاقتصادية التي واجهت الأمبراطورية البريطانية في أواخر أيامها هي التي دفعتها إلى تفكيك أصولها في الهند والشرق الأوسط بعد الحرب العالم الثانية ويضيف أنه بمجرد أن يشعر الشعب الأمريكي بالعبء الاقتصادي لتنفيذ استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي تتبناها إدارة الرئيس بوش فإن رغبته في تنفيذ هذه الاستراتيجية سوف تتراجع.
وعن رغبة المحافظين الجدد في تغيير العالم العربي يذكر بول كيندي الأمريكيين بأن بريطانيا فشلت خلال عشرات السنين في تحقيق ذلك وأن الولايات المتحدة لن تكون أفضل من بريطانيا في هذا المجال.
ويرد على هؤلاء الذين يمكن أن يقولوا ان أمريكا ليست بريطانيا فيقول ان هذاصحيح بالفعل ولكن أمريكا فعلا أثبتت فشلا ذريعا في محاولتها إحداث تغييرات جذرية في مجتمعات أمريكا الوسطى التي كانت بمثابة الفناء الخلفي لأمريكا ولم تكن تواجه أية منافسة من أي قوى أخرى فيها ويضيف أن أمريكا احتلت كوبا والفلبين على مدى أكثر من قرن من الزمان ومع ذلك لم تستطع إحداث أي تغييرات في مجتمعات هذه الدول فلماذا يظن المحافظون الجدد أنهم يستطيعون النجاح في سوريا والعراق فيما فشلوا فيه في الفلبين وكوبا؟
كبح جماح القوة
وفي عشية الغزو السريع للعراق خرج قادة الحرب الأمريكيين ليقولوا إن هذه الحرب كانت أنجح حرب في التاريخ العسكري فعلى سبيل المثال قال العميد بحري إيرل هيلستون من مقر قيادته في البحرين لقد حاربنا كما لم نحارب من قبل.
ومثل هذه التصريحات تساند دعاوى المحافظين الجدد بأن القوة العسكرية الأمريكية تمثل رأس الحربة للولايات المتحدة الأمريكية خلال القرن الحادي والعشرين.
أما المؤرخ والمحلل السياسي الأمريكي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما فيقول ان الغزو الأمريكي للعراق يمثل ذروة القوة الأمريكية على الصعيدين السياسي والعسكري ويدعو الإدارة الأمريكية إلى استثمار هذه القوة ليس بالتفكير في التحرك العسكري ضد سوريا أو إيران أو كوريا الشمالية ولكن بتثبيت أركان الامبراطورية الأمريكية بدون النزعة العسكرية.
وفي نفس الاتجاه يقول سيوم براون الأستاذ في جامعة برانديز الأمريكية أن القوة العظمى الوحيدة في العالم في حاجة إلى أن تكبح جماح نفسها بنفسها.
وأضاف أن على الولايات المتحدة أن تقلص إمكانية اللجوء إلى خيار الحرب في التعامل مع الأزمات الدولية في ضوء انفرادها بالقوة في العالم بدلا مما يحدث حاليا وهو تخفيف القيود المفروضة على اللجوء إلى هذا الخيار.
انتخابات مرفوضة
ويختتم أحمد فاروقي حديثه بالقول: الحقيقة أن الولايات المتحدة رغم انفرادها بالقوة في العالم لن تستطيع أن تقيم نظاما سياسيا وفقا لتصوراتها في العالم الإسلامي ففي ديسمبر الماضي نشرت صحيفة «فايننشال تايمز» افتتاحية قالت فيها أن إلقاء حجر كبير في مياه العراق لن يؤدي إلى تحريك موجات ديموقراطية في العالم العربي والإسلامي ولكن أي هجوم عسكري ضد العراق سوف يكون في نظرالشعوب العربية والإسلامية مجرد حرب أمريكية من أجل البترول العراقي وليست محاولة لتحرير الشعب.

..... الرجوع .....

اعرف عدوك
قضية العدد
الجريمة والعقاب
تكنولوجيا الحرب
الطب البديل
الفن السابع
الفن العربي
عالم الاسرة
المنزل الانيق
رياضة عالمية
عواصم ودول
داخل الحدود
الصحة والتغذية
الملف السياسي
فضائيات
الفتاوى
السوق المفتوح
العناية المنزلية
الاخيرة
الصفحة الرئيسة

ارشيف الاعداد الاسبوعية


ابحث في هذا العدد

للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2002, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved