Friday 19th February, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الجمعة 3 ذو القعدة


أعده وأخرجه من جديد الشيخ منصور السماري
المنار المنيف لابن القيم يضع القواعد لمعرفة الصحيح من الضعيف في الأحاديث

،* كتب - محرر الصفحة
بقراءة للواقع العربي والاسلامي نستطيع ان ندرك تماما ان السبب الاول والاهم لحالة التمزق السياسي
والتخلف الثقافي والحضاري هو البعد عن الشريعة الاسلامية السمحة والمنهاج القويم، المتمثل في كتاب الله
الكريم والسنة النبوية الشريفة، وأنه لا سبيل إلى رأب الصدع واستعادة الامة الاسلامية لمكانتها إلا
بالاعتصام بحبل الله، والعمل بما أمرنا به في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فإن أصدق الحديث
كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -,
ومن فضل الله علينا انه تكفل سبحانه وتعالى بحفظ القرآن العظيم في قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له
لحافظون)، أما السنة النبوية، وما جاء أو نقل عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فقد تعرضت على مر
العصور الاسلامية إلى محاولات الدس عليها، ووضع كثير من الاحاديث المكذوبة على رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -,
وقد تصدى إلى هذه المحاولات الدنيئة كثير من علماء السلف الصالح لتنقية الاحاديث النبوية مما شابها من
الضعيف والموضوع، ووضعت الكتب في تبيين ذلك، ككتب تواريخ الرجال وكتب العلل وغيرها,
ومن هذه الكتب - والذي يعد لبنة في هذا التراث الضخم - كتاب المنار المنيف في الصحيح والضعيف للامام
ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751ه، حيث بيّن فيه مؤلفه رحمه الله قواعد كلية تعرف بها الاحاديث
المكذوبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -,
وقد طبع هذا الكتاب مراراً إلا انه صدرت طبعة حديثة مدققة من اعداد وإخراج الشيخ منصور بن عبدالعزيز
السماري، نقلا عن الطبعة التي حققها العلامة الشيخ عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني عام 1386ه، وقد
اثبت عليها تصحيحات المعلمي رحمه الله وما نبه عليه مما وقع في الاصل من الخطأ في الحاشية وكذلك
تعليقاته، وقام بحذف كل ما نبه عليه المعلمي انه ليس من الاصل المخطوط، كما قام بالتعليق على ما رأى ان
يحتاج إلى ذلك,
وقد تضمن الكتاب الذي جاء في 135 صفحة من الطباعة الفاخرة الرسالة المطبوعة باسم النار تصنيف الامام
العلامة المحقق ابي عبدالله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية رحمه الله والتي جاءت في عدة فصول اجتهد
المؤلف في الاجابة عن كثير من الاحاديث ومدى صحتها، وكذلك اجابته عندما سئل: هل يمكن معرفة الحديث
الموضوع بضابط من غير ان ينظر في سنده؟ وقد بلغت الآثار الواردة في الكتاب من الاحاديث الثابتة
والباطلة اكثر من 250 حديثا,
أربع مسائل
وقد استهل الامام بن القيم رسالته بالرد على سؤال اشتمل على اربع مسائل تضمنتها اربعة احاديث أولها:
صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك وكيف يكون هذا التضعيف؟، وكذلك قوله في حديث جويرية: لقد قلت
بعدك اربع كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن ، وصيام ثلاثة ايام من كل شهر يقوم مقام صيام الشهر
، وحديث: من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي
لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف
ألف درجة !،
ثم تطرق الى كل مسألة على حدة حيث أبان ان تفضيل الصلاة بالسواك على سبعين صلاة بغيره غير مستبعد ،
مدللا على ذلك بما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن السواك وفضله، وإكثاره صلى الله عليه وسلم
على الامة فيه ومبالغته فيه، مشيرا إلى ان السواك مطهرة لمجاري آي القرآن وذكر الله ومرضاة للرب واتباع
للسنة، وان الصلاة بعده اتى بها المصلي توددا وتحببا إلى الله واتباعا لسنة نبيه فلا يبعد ان تكون صلاة
به أحب الى الله من سبعين صلاة تجردت عن ذلك,
ثم أورد الامام ابن القيم المسألة الثانية ما أسماه بالذكر المضاعف وانه اعظم ثناء من الذكر المفرد،
لما فيه من معرفة بالله والثناء عليه بالتنزيه والتعظيم مع اقترانه بالحمد، مما يجعل للعبد من المزية
والفضل ما ليس لغيره,
أما مسألة كون صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام شهر فأشار ابن القيم إلى ان ما ذكر في هذا الحديث
سببه ان الحسنة بعشر امثالها، وان نظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: من صام رمضان
واتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر ,
مشيرا إلى ان تفاضل الاعمال ليس بكثرتها وعددها وإنما هو بإكمالها واتمامها وموافقتها لرضا الرب وشرعه،
وعن المسألة الرابعة حول حديث السوق أشار الامام بأنه حديث معلول، اعلّه ائمة الحديث,
ضوابط تضعيف الحديث
ثم انتقل ابن القيم للاجابة عن السؤال: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير ان ينظر في سند؟
فقال: هذا سؤال عظيم القدر، ،إنما يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة وخلطت بدمه ولحمه وصار له
فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار ومعرفة سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم وهديه,
مشيرا إلى ان الاحاديث الموضوعة يلاحظ عليها الظلمة والركاكة والمجازفات الباردة واستدل على ذلك بسرد
عدد كبير من هذه الاحاديث المكذوبة منها حديث من صلّى الضحى كذا وكذا ركعة اعطي ثواب سبعين نبيا وكأن
هذا الكذاب الخبيث لم يعلم ان غير النبي - صلى الله عليه وسلم - لو صلى عمر نوح عليه السلام لم يعط
ثواب نبي واحد,
ثم نبه الامام ابن القيم الى امور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعا منها:
،1- اشتماله على امثال هذه المجازفات التي لايقول مثلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي كثيرة جدا
كقوله في الحديث المكذوب من قال لا إله إلا الله، خلق الله من تلك الكلمة طائرا له سبعون ألف لسان، كل
لسان سبعون ألف لغة يستغفرون له وأمثال هذه المجازفة الباردة لايخلو حال واضعها من احد أمرين: إما ان
يكون في غاية الجهل والحمق، وإما ان يكون زنديقا قصد التنقيص بالرسول - صلى الله عليه وسلم -,
،2- تكذيب الحس له كحديث الباذنجان لما أكل له وكذلك حديث إذا عطس الرجل عند الحديث فهو صادق وحديث
اشربوا على الطعام تشبعوا لان الشرب على الطعام يفسده ويمنع استقراره بالمعدة,
،3- سماجة الحديث مثل لو كان الرُّز رجلا لكان حليما ما أكله جائع إلا اشبعه فهذا من السمج البارد
الذي يصان عنه العقلاء فضلا عن سيد الانبياء وحديث: لا تسبوا الديك فإنه صديقي ولو يعلم بنو آدم ما في
صوته لاشتروا ريشه ولحمه ,
،4- ومناقضة الحديث لما جاءت به السنة مناقضة بينة، ومنها أحاديث كثيرة علقت بالنجاة من النار بها مثل
أحاديث مدح من اسمه محمد وأحمد وان كل من يسمى بها لم يدخل النار ,
،5- ان يُدعى على النبي صلى الله عليه وسلم انه فعل أمراً ظاهراً بمحضر من الصحابة كلهم وانهم اتفقوا
على كتمانه ولم يفعلوه مثل الادعاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم اخذ بيد علي بن ابي طالب رضي الله عنه
عند عودته من حجة الوداع بمحضر الصحابة كلهم وقال: هذا وصيي وأخي والخليفة من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا
فلعنة الله على الكاذبين,
،6- ان يكون الحديث باطلا في نفسه، فيدل بطلانه على انه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم مثل ما
من مسلم دنا من زوجته وهو ينوي ان حبلت منه ان يسميه محمدا إلا رزقه الله ولدا ذكراً
،7- ان يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا مثل قوله: إذا كانت سنة كذا وقع كيت وكيت,,, وكذلك ان يكون
الحديث بوصف الاطباء والطرقية اشبه وأليق كحديث: أكل السمك يوهن الجسد ، أو الهريسة تشد الظهر وحديث
الذي شكا للنبي صلى الله عليه وسلم قلة الولد، فأمره ان يأكل البيض والبصل,
وأيضا احاديث العقل كلها كذلك كقوله: لما خلق الله العقل قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر،
فقال: ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ، وبك أعطي ,
الأحاديث عن الخضر باطلة
كما قدم ابن القيم عشرة ادلة تؤكد أن الاحاديث التي ذكر فيها الخضر وحياته كلها كذب، ولا يصح في حياته
حديث واحد منها، ذلك انه لو كان الخضر ولد آدم لصلبه - كما يدعي بعض الناس - لكان عمره الآن ستة آلاف
سنة وهذا بعيد عن عادات البشر، ولو انه قبل نوح لركب السفينة ولم ينقل هذا أحد، كما انه لو كان هناك
بشر يعيش من حين يولد لآخر الدهر لكان خبره في القرآن مذكوراً، كما ان الخضر فارق موسى بن عمران كليم
الرحمن فكيف يدور على صحبه الجهال ومن لا يعرف كيف يتوضأ أو يصلي ممن أخبروا بلقائه,
وتطرق ابن القيم ايضا الى بطلان الحديث اذا كان مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه او ان يكون مخالفا
لصريح القرآن مثل التنبؤ بموعد قيام الساعة، وكذلك كل ما فيه شبه ظاهر من النصارى الذي غلوا في المسيح
اعظم الغلو وخالفوا شرعه ودينه اعظم المخالفة مثل حديث خلق الله التربة يوم السبت,, وحديث ان الصخرة
في بيت المقدس عرش الله الادنى ,
ومنها ايضا أحاديث صلوات الايام والليالي كصلاة يوم الاحد وليلته، وليلة الاثنين إلى آخر الاسبوع كل
احاديثها كذب، وكذلك احاديث صلاة الرغائب اول ليلة جمعة من رجب، وأحاديث صلاة ليلة النصف من شعبان كذلك
ايضا,
ومن الاحاديث الباطلة احاديث ذم الحبشة والسودان، وذم الترك والخصيان والمماليك، وما يقترن بالحديث من
القرائن التي يعلم بها انه باطل مثل حديث وضع الجزية عن أهل خيبر,
ثم انتقل ابن القيم الى فصل في ذكر جوامع وضوابط كلية منها احاديث طائر الحمام والدجاج وانه لا يصح
منها شيء، وأحاديث ذم الاولاد والتواريخ المستقبلة، والاكتحال يوم عاشوراء والتزين والتوسعة والصلاة
فيه وغير ذلك من فضائل لايصح منها شيء، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء شيء غير
احاديث صيامه، وما عداها باطل,
ذكر فضائل السور
ومن الاحاديث الباطلة ذكر فضائل السور وثواب من قرأ سورة كذا فله أجر كذا، من اول القرآن إلى آخره، كما
يذكر ذلك الثعلبي في اول كل سورة والزمخشري في آخرها، قال عبدالله بن المبارك: أظن الزنادقة وضعوها,
وأخبر ابن القيم أن الذي صح في احاديث السور حديث: فاتحة الكتاب وانه لم ينزل في التوراة ولا في
الانجيل ولا في الزبور مثلها وحديث البقرة وآل عمران: أنهما الزهراوان وآية الكرسي سيدة آي القرآن،
والآيتين من آخر سورة البقرة: من قرأهما في ليلة كفتاه، وحديث سورة البقرة: لا تقرأ في بيت فيقربه
شيطان، وحديث الآيات العشر من اول سورة الكهف: من قرأها عُصم من فتنة الدجال، وحديث قل هو الله أحد
وانها تعدل ثلث القرآن، ولم يصح في فضائل سورة ما صح فيها، وحديث إذا زلزلت,, تعدل نصف القرآن ، وحديث:
قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن وحديث تبارك الذي بيده الملك هي المنجية من عذاب القبر,
أقوال بعض الواضعين
أما سائر الاحاديث الاخرى كقوله: من قرأ سورة كذا أعطي ثواب كذا فموضوعة على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقد اعترف بوضعها واضعها، وقال قصدت ان اشغل الناس بالقرآن عن غيره، وقال بعض جهلاء الوضاعين من
هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نكذب عليه ,, ولم يعلم هذا الجاهل انه من قال
عليه مالم يقل، فقد كذب عليه واستحق الوعيد الشديد,
واتهم ابن القيم بالجهل ما وضعه جهلة المنتسبين إلى السنة في فضائل ابي بكر الصديق رضي الله عنه وما
وضعه الرافضة في فضائل علي بن ابي طالب رضي الله عنه وما وضعه الكذابون في مناقب ابي حنيفة والشافعي،
وكذلك احاديث الذم مثل: احاديث ذم معاوية وعمرو بن العاص وبني أمية، وكل حديث في مدح المنصور والسفاح
والرشيد، وايضا مدح بغداد ودجلتها والبصرة والكوفة والاسكندرية وأنطاكية وغيرها فهو كذلك، وكل حديث فيه
ان الايمان لايزيد ولا ينقص هو كذلك مختلق، وكل حديث في التنشيف بعد الوضوء لا يصح، وكذلك حديث مسح
الرقبة في الوضوء باطل، والحديث الموضوع على الذكر على كل عضو اثناء الوضوء باطل، وأيضا تقدير اقل
الحيض بثلاثة ايام وأكثره بعشرة ليس فيها شيء صحيح، وأحاديث الحناء فيه جزء لا يصح منه شيء، وحديث: لا
يدخل الجنة ولد زنا لمعارضة قول الله: (ولا تزر وازرة وزر أخرى),،
،
المهدي المنتظر
وفي ختام رسالته تناول ابن القيم ما يتعلق بالحديث عن المهدي المنتظر وعلاقته بالمسيح عليه السلام، وما
ورد في ذلك من السنة الصحيحة، وما روي في المهدي على مر العصور الاسلامية، وما اختلف الناس فيه على
اربعة اقوال احدها انه المسيح ابن مريم وهو المهدي على الحقيقة، وقد دلت السنة الصحيحة عن النبي صلى
الله عليه وسلم على نزول المسيح على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وحكمه بكتاب الله، وقتله اليهود
والنصارى ووضعه الجزية، وإهلاك اهل الملل في زمانه,
أما القول الثاني فيؤكد انه المهدي الذي وُلي من بني العباس وقد انتهى زمانه، والقول الثالث انه رجل من
اهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من ولد الحسن بن علي، وجميعها وان كان في اسنادها بعض الضعف والغرابة
فهي مما يقوي بعضها بعضا,
أما الرافضة الإمامية فلهم قول رابع وهو ان المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر من ولد الحسين بن
علي لا من ولد الحسن، اما مهدي المغاربة فهو محمد بن تومرت وهو رجل كذاب ظالم متغلب بالباطل، وكل هذه
الفرق تدعي في مهديها - الظلوم الغشوم - انه الإمام المعصوم والمهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه
وسلم وأخبر بخروجه، وهم ينتظرونه كما ينتظر اليهود القائم الذي يخرج في آخر الزمان لإعلاء كلمتهم،
والنصارى تنتظر المسيح ليقيم النصرانية، فالملل الثلاث تنتظر إماما قائما يقوم في آخر الزمان، والله
أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب,
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
فروسية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved