الناقدة د, أمينة رشيد تكسر الحدود بين النقد والإبداع والعمل الأكاديمي
|
،** الناقدة الادبية الدكتورة أمينة رشيد شخصية مختلفة للغاية، تدركها منذ الوهلة الأولى، فرغم رئاستها
لقسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب بجامعة القاهرة إلا ان طلابها لا يشعرون بفارق عمري بينهم وبينها،
فيعتبرونها من الرواد ليس فحسب في مجال النقد الأدبي والأدب المقارن وانما في تكسير الصورة الفولاذية
المصطنعة لأستاذ الجامعة تلك التي تضعه في برج عاجي على مستوى الفكر والعلاقات الانسانية، ومن ثم في
احداث قطيعة بين جيله والجيل الجديد، وهذا الانفتاح نفسه جعلها تكسر الحدود ما بين النقد والابداع
الأدبي وتشرع في كتابة سيرتها الذاتية الخاصة لتخترق هذا الحاجز الوهمي بين المجالين، كما اخترقت من
قبل الحاجز بين دراسة الأدب الغربي والعربي بعد أن تخصصت في حقل الأدب المقارن وحصلت فيه على الدكتوراه
من جامعة السوربون بفرنسا,
في هذا الحوار تتحدث عن سيرتها الذاتية وكيفية اختراقها للحواجز الأدبية الوهمية وقضايا الأدب المقارن
وغيرها,
السيرة الذاتية همي العميق
،* بمناسبة العام الجديد، ما هي أحدث دراساتك النقدية الآن؟
،- أحدث دراسة انتهيت منها تدور بالطبع في مجال الأدب المقارن، وتعقد الصلة بين السيرة الذاتية الغربية
والعربية، وذلك من خلال نصوص فرنسية مثل رواية طفولة لنا تالي ساورت، والعاشق لمارجريت دورا، وروايات
عربية مثل حملة تفتيش للطيفة الزيات، ونوافذ مفتوحة لشريف حتاتة، ورحلة جبلية,, رحلة صعبة والرحلة
الأصعب لغدوي طوقان, وقد بدأت فكرة هذا المشروع من خلال تدريس نصوص السيرة الذاتية لطلبة السنة
التمهيدية للماجستير بقسم اللغة الفرنسية بآداب جامعة القاهرة، وفي اطار مادة الأدب المقارن، وتحديدا
الرواية المقارنة، وبعد ذلك شرعت في تحليل تلك النصوص ودراستها بشكل شخصي اثناء تدريسها، ففي الحقيقة
ان دراسة السيرة الذاتية يشكل هما عميقا بداخلي أبعد من حدود المادة الاكاديمية ولذلك عكفت على دراستها
والبحث فيها، بل إنني منذ وقت طويل وانا استشعرها جس كتابة سيرتي الخاصة، واحيانا اجلس بالفعل وأكتب
مقاطع منها، وفي احيان اخرى احبسها حتى يجيء الحين للانخراط فيها تماما، وعلى أية حال فإنني أعتقد ان
السيرة الذاتية هي أهم محور في اهتماماتي الآن مما يفسر بها بجميع الاشكال سواء في العمل الاكاديمي أو
الدراسات النقدية أو الكتابة الابداعية التي هي أحدث مجال أطرقه الآن,
،* ومتى ترى تلك الدراسة النور؟
،- في الحقيقة إنني أنجزت المرحلة الأولى منها فحسب، وهي مرحلة تضم ثلاثة اجيال متعاقبة من السيرة
الذاتية، الجيل الأول تمثله رواية طه حسين الأيام ومعها السيرتان الذاتيتان للدكتور شكري عياد
والدكتور لويس عوض، وتمثل الجيل الثاني روايتا الدكتورة لطيفة الزيات والدكتور شريف حتاته، أما الجيل
الثالث فنراه من خلال دنيا زاد وقميص وردي فارغ , وسوف تنشر هذه الدراسة بمجلة قضايا فكرية على
اعتبار ان اكتمال دراساتي في هذا الموضوع سوف تشمله دراسة واحدة ربما تصدر في كتاب في المستقبل، وذلك
بعنوان ارتباك الذات ، فقد وجدت ان مشروع هذا الكتاب سيكون طويل المدى ويلزمه متتالية من الدراسات
بدأتها بسرديات السيرة الذاتية التي شاركت بها في مؤتمر الرواية العربية الأول الذي عقده المجلس
الاعلى للثقافة في العام الماضي,
،* وكيف أسهم اطلاعك على النقد الغربي في هذه الدراسة؟
،- لقد اعتمدت بالطبع على كتاب المرأة المتكررة في مجال النقد، كما راجعت الأعمال التي تنظر الى السيرة
الذاتية بوصفها عودة الى الماضي لاستخراج وحدة حياة منه، انتقالا الى الاعمال التي تطرح الذاتية
التشظية من خلال السيرة الذاتية، وبشكل عام فإنني لا افصل بين المناهج النقدية الغربية التي اقوم
بتدريسها ايضا في مادة النقد، وبين عملي كناقدة وباحثة، بل اضع معرفتي ونشاطي بأكمله في دائرة واحدة,
تجربة التدريس في فرنسا
،* وكيف كانت فترة عملك بالتدريس في فرنسا مؤخرا؟
،- بعد فترة طويلة من استقراري بمصر زرت فرنسا في فبراير عام 1996م لتدريس برنامج دراسي هناك لطلبة
أقسام اللغة العربية وآدابها, وقد استمتعت كثيرا بهذه التجربة، أولا لقلة عدد الطلبة الذي يتيح تركيزا
اكبر وحوارا اعمق، فقد كان عددهم يتراوح بين 15 و30 طالبا، وثانيا لأنني تمكنت من فتح وعيهم على
الابداع الادبي الحديث في العالم العربي، فهؤلاء الطلبة الفرنسيون لا يتقنون العربية وكان ينبغي ان
ادرس لهم اعتمادا على الفرنسية والعربية سويا، لكنهم ايضا توقفوا عند مرحلة قديمة من الانتاج الأدبي،
أي عند جبران خليل جبران مثلا، وكانوا مندهشين عندما قدمت لهم نصوصا حديثة وجدوا فيها متعة حقيقية
وتواصلا,
،* وما الفرق في نظرك بين الطالب هناك وهنا؟
،- الطالب الفرنسي يتمتع بقدر أكبر من المساعدة الادارية - ومعه الاستاذ طبعا- فهناك جهاز سكرتارية كامل
يعد النصوص الخاصة بالمواد ويوزعها على الدارسين ويسهم في تنظيم حصولهم على المعلومات والأوراق،
والطالب هناك أكثر التزاما في الاستذكار والحضور والمناقشة فالنظام الجامعي شديد الصرامة، إلا انني اجد
ان هذا الالتزام احيانا ما يقيد ابداع الطالب ويقمعه فيتفتت منه ذكاؤه الفطري، اما في الجامعات المصرية
فأعتقد ان الطالب العادي أو المتوسط الأقل التزاما من قرينه الفرنسي يظهر قدرا اكبر من الذكاء
والملحوظات المدهشة بل ربما يكون اكثر اطلاعا على النظريات النقدية الغربية الحديثة لكنه لا يستطيع
المشاركة بثقة أو حرية,
،* هل هناك حوار حقيقي في الحقل النقدي بيننا وبين الغرب؟
،- لا، ليس هناك حوار، وانما هناك نوع من الاتباعية للنقد الغربي، واحيانا لا نفهم هنا احدث الاتجاهات
التي وصلوا اليها، فما زلنا مثلا نحتفي بالبنائية بالرغم من ان النقاد الغربيين مهتمون الآن بالعودة
الى التحليل استنادا الى التاريخ، وهو ما لايوجد لدينا في هذه المرحلة, مازلنا ايضا نمجد فكرة الناقد
العملاق، وهي فكرة مرتبطة بحقبة الستينيات، كما اختفت من لدينا روح النظرية الغربية التي نستعيرها
والتي تعد غاية في الأهمية، لذلك فلا يوجد حوار بيننا وبين الغرب فنحن نتلقى ما ينتجونه، وعندما نطرحه
عليهم هناك يتساءلون لماذا نقلدهم ولاسيما اذا كنا نعتمد اسلوبا قد تجاوزوه منذ فترة,
واعتقد ان الأمر الى درجة بعيدة في مجال الكتابة فهناك نوع من استلهام الوصفات الغربية الحديثة من جانب
المبدعين لكنها تدمج في النهاية في روح مختلفة، ومنها مثلا مسألة الكتابة عن الكتابة الرائجة الآن هنا
والتي بدأت منذ كتاب اندريه جيد المشهور,
حواجز وهمية
،* كيف تستطيعين الجمع بين كل هذه الأعمال في وقت واحد؟
،- أحاول الا اقسم بين مجالات عملي، فكل مجال يساعد الآخر، لكنني أعمل بايقاعات مختلفة يحتل فيها
التدريس الموقع الأساسي فأنا اعطي له جهدي الأكبر فأتضايق عندما اهمل ابحاثي من اجل الاشراف على
الرسائل الجامعية مثلا, واعتقد ان الصلة وطيدة بين عملي بالتدريس والاشراف والنقد فهي صلة تنبع من
شخصيتي نفسها حيث لا اشتغل بعقل بارد وانما بدافع من همي الشخصي, من هنا ارى ضرورة ترجمة الرسائل
المقدمة بالقسم الفرنسي بعد ايجازها، الى اللغة العربية، حتى يتاح دمجها في انتاج العقل النقدي وحتى
يزول ذلك الحاجز الوهمي، فهناك من الباحثين من يهتم بتوصيل كلمته الىالناس، ومن يعي أهمية البحث خارج
مقتضيات المهنة فلا يستسلم مثلا للمسمى الاستفزازي الشائع لبحوث الترقية التي يراها البعض مجرد مسوغات
للحصول على لقب استاذ ,
،* كيف ترين الكتابات الأخيرة في مجالي النقد والأدب؟
،- لقد قرأت مؤخرا كتابا لبيير بورديو، بعنوان السيطرة الذكورية وهو يتناول بالتحليل السوسيولوجي سلوك
السيطرة الرجالية على المرأة، تلك السيطرة التي سجلت في جسدها ولم يعد بامكان الوعي وحده ان يمحوها،
فالمؤلف متشائم بالنسبة لامكان التغيير ويرى انه يستلزم قرونا طوالاً كي يتحقق، كما يلجأ ايضا الى نصوص
ادبية لبلورة رأيه، مثل رواية رحلة الفنار لفيرجينيا وولف,
أما الكتابة الأدبية الجديدة فأعتقد انها تعكس حال فئة خاصة من المجتمع، ربما نطلق عليها النخبة، لكنه
انعكاس طبيعي لاتساع الفجوة بين طرفي جميع الأشياء، كالفجوة بين الغني والفقير، والعامل والعاطل،
والمركزي والمهمش، فهناك قطيعة واضحة في التواصل، ويبدو لي اننا غير مقبلين على تفتح وازدهار في
الأعوام القادمة,
نورا أمين
|
|
|