طباق وجناس أيام في بلاد أحمد سيكوتوري!، محمد أحمد الحساني
|
كانت رحلة جوية مرهقة استمرت حوالي اربع وعشرين ساعة وبشكل متواصل في حالة اضافة ساعات
التوقف في باريس لتغيير الطائرة تلك هي رحلتنا الى غينيا كوناكري التي قمنا بها خلال الأسبوع
الماضي وكان زميلي في الرحلة المهندس علي السلمان من وزارة المالية والاقتصاد الوطني قد وصل
العاصمة الفرنسية قبلي بليلة واحدة فارتاح هناك يوما كاملا اما أنا فقد فضلت مواصلة الرحلة
جدة باريس كوناكري لوجود ارتباطات خاصة مسبقة,
وفي مطار باريس الذي وصلته فجرا اسعدني ان ارى أخا مسلما من مالي يصلي الفجر فانضممت إليه
وأصبحنا جماعة تصلي فحمدا لله على ذلك!,
وبعد انتظار خمس ساعات أخذتنا الخطوط الفرنسية الى غينيا كوناكري مع توقف في مطار باماكو
المالي لمدة ساعة وقد احتاجت هذه الرحلة ثماني ساعات حتى وصلنا الى العاصمة الغينية في أقصى
غرب افريقيا، وهي رحلة تزيد ساعة واحدة عن زمن الرحلة من باريس الى نيويورك وعندما تنظر الى
الخريطة تجد ان كوناكري الواقعة على ساحل الأطلسي في أقصى نقطة غربا منه وتجد مقابلها غربا
الولايات المتحدة الامريكية وأمريكا الوسطى وليس بينهما سوى البحر!،
في المطار أسعدنا ان يكون في استقبالنا عدد من المسئولين في السفارة السعودية وفي الرابطة
الوطنية الإسلامية الغينية وكان من السفارة الشاب السعودي النشيط الأخ مازن الحملي وسعادة
الأمين العام المساعد للرابطة الغينية الحاج سيكو بنجورا ورهط من زعماء المسلمين في غينيا
ومندوب من وزارة الخارجية الغينية هو الاستاذ موسى سيس,
وعندما وصلنا الفندق وجدنا سعادة السفير السعودي الاستاذ يوسف صابر الحباب في استقبالنا حيث
هنأنا بسلامة الوصول وأبدى مشاعر فياضة لتقديم المساعدة لانجاح مهمتنا التفقدية لمركز ومسجد
الملك فيصل في كوناكري وهو أعظم وأكبر مسجد في غرب افريقيا وشرقها وتعتبره الحكومة الغينية
والشعب الغيني مصدر فخر واعتزاز لها ويذكرون بالخير زيارة الملك فيصل لغينيا في عهد الرئيس
الراحل أحمد سيكوتوري والأعمال الجليلة التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن
عبدالعزيز لإنهاء منشآت المسجد والمركز في عهده الميمون,
وفي غينيا الآلاف من الشبان والرجال الذين تخرجوا من جامعات المملكة وعلى وجه التحديد من
الجامعة الإسلامية على مدى العشرين سنة الماضية وهم يعتزون بالمملكة وبأنهم يعتبرون أنفسهم
من ابنائها وقد اصبحوا حاليا من العاملين المنتجين في بلادهم في شتى المجالات الإدارية
والتعليمية,
وغينيا كوناكري من أجمل دول افريقيا من حيث الطبيعة وأمطارها تستمر 6 أشهر في العام وتعتبر
خزان مياه وافر للدول المجاورة وبها عدة انهار وأرضها خصبة يمكن ان تنتج أنواعا عديدة من
المحاصيل الزراعية بما فيها الأرز بل انها تختزن معادن ثمينة كالألماس والنحاس والحديد
والذهب وعدد سكانها حوالي ثمانية ملايين 95% منهم مسلمون ومع كل هذه الخيرات والأمطار وجمال
الطبيعة واعتدال المناخ الذي يجذب اليها السياح من فرنسا وغيرها إلا انها تعتبر من أفقر دول
القارة الافريقية وذلك مما يدعو الى التعجب والأسف الشديد,
وشعبها بصفة عامة مسلم محافظ متمسك بدينه والمساجد عامرة بالمصلين والأذان يرتفع في الجوامع
والمساجد والمصليات ولكنها هدف أساسي للمستعمرين الذين تمتلىء بهم الطائرات القادمة يوميا
الى كوناكري تحت شعار الاغاثة وتقديم المساعدات الطبية والعلمية والتعليمية ويجد هؤلاء مناخا
مناسبا لنشاطهم في أوساط الفقراء البعيدين عن المدن في الأدغال مستغلين فقرهم وجهلهم بدينهم
او في اوساط اللادينيين والوثنيين ويتحدث زعماء المسلمين بتخوف من نشاط هؤلاء ويناشدون
اخوانهم في الشرق العربي مساعدتهم على مواجهة هذه الأخطار لانهم لا يملكون الامكانات المادية
المقابلة لما يملك المنصرون,
إن مسجد الملك فيصل الإسلامي يتسع لاثني عشر الف مصل في وقت واحد ولحوالي ألفي امرأة في
طابقه الثاني وحوله ساحات تسع الآلاف وهو يكتظ بالمصلين في رمضان والأعياد حيث يأتي الناس
إليه من جميع أنحاء العاصمة وربما من المدن والقرى المجاورة ويقع على الطريق الى المطار في
قلب حديقة غناء وهو بالفعل معلم إسلامي بارز هناك اما المركز فهو يشتمل على قاعة للمحاضرات
ومدرسة ومكتبة ومكاتب ادارية ويمكن في حالة تنشيطه ان يكون مصدر اشعاع إسلامي لغينيا كوناكري
ولدول غرب افريقيا والمسجد والمركز ومرافقهما بحاجة الى صيانة وترميم نظرا لما فعلته الأمطار
الشديدة فيهما من أفاعيل!،
ولقد وجدنا أمامنا في سعادة السفير الاستاذ يوسف صابر الحباب صورة مشرقة للعمل الدبلوماسي
المتقن الذي يمثل دولتنا التي تحتضن الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة خير تمثيل وسمعنا
ثناء عليه ممن قابلناهم من المسؤولين وقد صنع لنفسه مكانا في قلوب الغينيين على الرغم من أنه
لم يمض على وجوده في كوناكري سوى ستة اشهر ولديه حماس كبير للعمل الإسلامي وثقافته الإسلامية
والعامة عالية جدا وبابه مفتوح للمراجعين تسع ساعات في اليوم وكذلك داره في المساء يقابل
فيها زعماء المسلمين وصلاته بالسفارات الإسلامية جيدة وهناك تعاون معهم لما فيه خير المسلمين
ويوجد بجواره شاب ناشط مخلص هو الأخ مازن الحملي الذي يعمل في السفارة منذ ثلاث سنوات حتى
اصبح لديه إلمام واسع باحوال المسلمين في غينيا وبالحياة العامة فيها وهو مرجع جيد في هذا
المجال وقد استفدنا من معلوماته كثيرا في مهمتنا التي جئنا من أجلها,
وقد أبلغنا مندوب وزارة الخارجية الغينية ان فخامة الرئيس الغيني الحسن كونت رجل مسلم يكن
تقديرا خاصا لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده ولحكومة المملكة العربية السعودية ويعتبرها
خير من يرعى الإسلام والمسلمين في العالم وان فخامته يعبر في كل مناسبة عن مشاعر فياضة نحو
المملكة العربية السعودية ويتطلع الى زيادة توثيق أواصر الاخوة والصداقة بين الشعبين
المسلمين في المملكة وغينيا ويسره جدا ان يكون للمؤسسات الإسلامية السعودية مشاريع إنمائية
وتعليمية وتنموية وصحية في أوساط الفقراء من أبناء بلده وان فخامته قد اعطى اوامره بتقديم كل
مساعدة لمن لديه مشاريع من هذا النوع لما تمثله من تواصل وخدمة أساسية للمجتمع الغيني المسلم,
ولرابطة العالم الإسلامي دعاة في غينيا والدول المجاورة ويوجد ممثل رسمي لها يشرف على الدعاة
وهو الشيخ الحاج حسين ساكوسيكو وهو من خريجي الجامعة الإسلامية أيضا ويذكر بعض هؤلاء
الخريجين بالخير استاذهم مدير الجامعة الإسلامية السابق الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي
معالي الدكتور عبدالله بن صالح العبيد يذكرونه بالخير ويقولون لقد كان فضيلته حازما معنا
وكان بعضنا يكره منه هذا الحزم والشدة والمتابعة في التحصيل ولكننا بعد ان تعلمنا وتخرجنا
ووجدنا في أنفسنا كقادة العمل الجاد حمدنا له ذلك الحزم والعزم وفهمنا الحكمة منه وقد سمع
هذا ,, أحد المتخرجين القدامى من جامعات المملكة هو الشيخ الإمام احمد بدوي المترجم بالسفارة
فتمثل بالبيت التالي:
وقسا ليزدجروا ومن يك حازماً
فليقسُ أحياناً على من يرحم
ويتحدثون في كوناكري عن الزيارة التي قام بها لبلدهم فضيلة الشيخ محمد السبيل إمام وخطيب
المسجد الحرام الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي منذ سنوات طويلة بدعوة من
الرئيس الراحل احمد سيكوتوري شخصيا وكيف ان فخامته ترك قصر الرئاسة مدة أسبوع واخذ يصحب
الشيخ السبيل في زياراته للولايات الغينية الأربع ويقول له مرحبا أهلا وسهلا بإمام الكعبة'
ويقصد إمام المسجد الحرام,
وعندما أراد الشيخ مغادرة غينيا خصص له طائرة رئاسية وأرسل معه وفدا رفيع المستوى يرافقه الى
جده ومن ثم الى مكة المكرمة حتى اوصلوه الى منزله كنوع نادر وخاص من التكريم لأحد أئمة الحرم
المكي الشريف وتأكيدا لحب الرئيس الغيني وشعبه لبلادنا المقدسة التي تضم بكل فخر أرض الحرمين
الشريفين والمشاعر المقدسة فانظروا كيف تكون الحفاوة والمحبة والتكريم!،
ومن طرائف رحلتنا ان المهندس الاخ علي السلمان وجد له من ينافسه في الاسم فبينما نحن في صالة
الفندق نودي بالفرنسية ان على المسيو باسلمان الحضور الى الاستقبال فظن المهندس علي انه
المُنادى فأسرع اليهم ليجد ان المطلوب هو شخص عربي أصله من اليمن ومن مدينة حضرموت على وجه
التحديد ولذلك فهو قد يتميز بحرف الباء الزائد فعاد صاحبنا الى أدراجه بعد ان عرف انه غير
مطلوب، وبعد ذلك وجد مع مفتاح غرفته رسالة مكتوبة بخط اليد بالانجليزية تدعوه الى الحضور
صباحا الى القاعدة العسكرية البريطانية للانتقال بطائرة عمودية الى سيراليون وبالذات الى
العاصمة فريتاون فتعجب من الرسالة ومن الدعوة الغريبة ثم صعد الى غرفته فاذا به يتلقى اتصالا
هاتفيا من شخص مجهول يؤكد له الموعد ولما استفسر منه عن الأمر لاحظ محدثه ان لكنة الأخ علي
السلمان تدل على انه ليس الشخص المطلوب ثم اتضح من خلال المحادثة ان هناك صحفيا بريطانيا
اسمه سلمون ينزل في الفندق نفسه وان موظف الاستقبال اخطأ في رقم الغرفة فوصلت الرسالة الى
سلمان ولم تصل الى سلمون وهذا هو كل شيء,
ونعود الى مركز ومسجد الملك فيصل بكوناكري الذي يعتبره الغينيون بمثابة جامعهم الأزهر فنؤكد
انه عمل جليل يستحق الاشادة والثناء وما أروع مآذنه الأربع التي ترتفع في عنان السماء شاهدا
ورمزا على اعلاء كلمة التوحيد في هذه البقعة النائية من غرب افريقيا عمل قامت به دولتنا ضمن
الآلاف من أعمالها الجليلة المسخرة لخدمة الإسلام,
ونختتم هذه السطور بصورة رائعة وجدناها على متن طائرة الخطوط السعودية في رحلتها الدولية
باريس جدة فقد تم تخصيص مصلى رحب جيد في آخر الطائرة لأداء الصلاة وهو نهج جديد وموفق يميز
السعودية من غيرها من خطوط الطيران وقد رأينا اعدادا من المصلين يؤدون في ذلك المصلى صلاة
الظهر والعصر قصرا وجمعا في راحة وطمأنينة داخل ستار تقي به يفصلهم عن بقية الركاب والمضيفين
فالحمد لله على نعمة الإسلام والى اللقاء,
|
|
|