اقتصادنا بعد المئوية تحديات تستلزم إعطاء عنصر الإنتاج الوطني الدور الاكبر الدكتور/ مفرج بن سعدالحقباني *
|
تشهد بلادنا في هذه الايام احتفالات متعددة وعلى مستويات مختلفة بمناسبة مرور مائة عام على
توحيد اركان هذا البلد الكبير على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه,
ومما لا شك فيه فان التاريخ قد اخذ على عاتقه فتح صفحات من ذهب لتخليد ذكرى كل بطل وكل شجاع
وكل قائد على غرار موحد هذه البلاد مما جعل الاحتفال بهذه المناسبة مناسبة طيبة لاسترجاع
الخطوات والمآثر التي خطها البطل عبدالعزيز لتكون نبراساً لابناء هذا البلد الابي في
المستقبل ولتكون دليلاً على عدم وجود المستحيل عندما تتوفر عزيمة الرجال الابطال, ومما لا شك
فيه ايضا فان الاحتفال بهذه المناسبة لا يندرج تحت قائمة الاحتفالات الوطنية العادية لكونه
يتجاوز كل المعاني العادية ليرقى الى مستوى الحدث الذي ترتب عليه وجود دولة ذات اركان وحدود
ثابتة وذات مكانة ووجود فاعل على الساحة الدولية وذات سياسة ومنهج محلي ودولي متميز, ومن هذا
المنطلق يأتي الاحتفال بهذه المناسبة كفرصة لاستقراء الاحداث واسترجاع الماضي من اجل صياغة
المستقبل لهذا البلد الحديث على اساس علمي حديث يتواكب مع طموح القادة ابناء المؤسس الكرام
ومع طموح المواطن السعودي الذي اكتسب مكانة اجتماعية واقتصادية وفكرية مرموقة في فترة زمنية
هي في عمر الدول قصيرة جداً, وحتى نستطيع المحافظة على هذه المكانة وتفعيل اجزائها المختلفة
بالشكل الذي يساهم في صياغة المستقبل المرتبط بعظمة الماضي نحتاج الى استغلال هذه المناسبة
لرصد الخطوات التنظيمية والاجرائية والتطبيقية في فترة ما بعد التوحيد من اجل تطويرها
التطوير المناسب الذي يتوافق مع النهج العالمي الحديث ويحافظ على الشخصية السعودية المتميزة
بتقاليدها الاسلامية الشاملة, نحتاج الى استقراء الاحداث التي تعرض لها كل مجال من مجالات
الحياة المختلفة لنستفيد من الماضي الحقيقي لهذا البلد في صياغة المستقبل عبر القرن الجديد,
ومما لا شك فيه فان المجال الاقتصادي يعتبر من اهم المجالات التي لها دور كبير في رسم شخصية
المملكة العربية السعودية وبالتالي فان من المفيد استعراض اهم الملامح الرئيسة لهذا المجال
وبشكل مختصر للتعرف على مكونات ومعوقات الماضي وللتعرف على الوجهة المستقبلية المطلوبة لهذا
المجال المهم في حياة المواطن والوطن السعودي,
لقد اختصت الحياة الاقتصادية في الفترة التي صاحبت جهود التوحيد وحتى بداية الطفرة
الاقتصادية بالعديد من الخصائص اهمها:
،1- البدائية المطلقة نتيجة للتركيز على الجانب الامني لحياة المواطن السعودي الذي كان يعيش
في حياة حبلى بالمشاكل الامنية والنزاعات القبلية وبالتالي فقد انصب الاهتمام على العمل على
اقامة جهة مركزية قوية تشرف على شؤون البلاد وتتولى مهمة تطبيق النظام,
،2- عدم وجود كادر وطني متعلم قادر على وضع الضوابط اللازمة لرسم الحياة المستقبلية لهذه
الدولة حديثة الولادة مما دفع بالمسؤولين آنذاك الى الاستعانة بالخبرات العلمية والمهنية من
الخارج والتي كان لها من دون شك دوراً بارزاً في تحديث وتطوير الانظمة ورسم السياسة
الاقتصادية للمملكة العربية السعودية,
،3- الاعتماد على الذات في تأمين معظم متطلبات الحياة اليومية حيث كان المواطن السعودي
مثالاً
لعنصر العمل القادر على المشاركة الفاعلة في العملية الانتاجية وبالشكل الذي مكنه من مواكبة
التطور الكمي والكيفي في متطلبات الحياة اليومية, فلم يكن المواطن السعودي كسولا ولا
متكاسلاً ولم يكن عبئاً مضافاً الى اعباء التنمية المتشعبة بل كان ساعداً قوياً ورافداً
متيناً من روافد التنمية الاقتصادية والسياسية لبلده وخلف قيادته الموحدة,
،4- ضحالة الايرادات الحكومية وتنامي المصروفات مما دفع بالدولة الجديدة الى البحث عن مصادر
جديدة للدخل والى فتح آفاق جديدة من التعاون الاقتصادي مع الدول والشركات ذات القدرة
الاستثمارية العالية خاصة في مجال التنقيب عن النفط بعد ان تأكد وجوده وبكميات كبيرة في محيط
المملكة العربية السعودية وضمن حدودها الموحدة, ومما لاشك فيه فقد كان هذا الاجراء اساساً
قوياً لما تبعه من مكتسبات تنموية هائلة حيث تزايدت الاستثمارات الحكومية في هذا المجال حتى
اصبحت المملكة العربية السعودية ذات صوت سياسي واقتصادي مسموع على الساحة العالمية, ولقد
ساهمت الاحداث الاقتصادية والسياسية التي شهدتها منطقة الخليج العربي خلال ما يعرف بسنوات
الطفرة الاقتصادية 1973-1981م في زيادة الاهمية العالمية للنفط حيث اصبحت سلعة اقتصادية ذات
صبغة سياسية, فقد استطاع الملك فيصل بن عبدالعزيز يرحمه الله اقناع اهم الدول المنتجة للنفط
على مقاطعة الدول التي وقفت بجانب اسرائيل في حربها مع العرب مما ادى الى ارتفاع اسعار النفط
الى مستويات غير مسبوقة,
كما ان الاحداث التي شهدتها المنطقة بعد قيام الثورة الايرانية واعلانها النية لتصدير الثورة
الى الدول المجاورة قد ساهم وبشكل كبير في زيادة الطلب على النفط لاغراض استهلاكية وتخزينية
مما ادى الى ارتفاع مضاعف في اسعار النفط وبالتالي في ايرادات الدول المصدرة له وفي مقدمتها
المملكة العربية السعودية, ولقد ادت هذه الزيادة الى فتح قنوات وآفاق جديدة من قنوات وآفاق
التنمية والتي انعكست ايجاباً على المواطن السعودي الذي اصبح في وضعية اقتصادية جديدة تميزت
بارتفاع الدخل وزيادة القدرة الشرائية, لقد تحقق الكثير من المعجزات الرقمية في المجالات
الاقتصادية المختلفة كالزراعة والصناعة والتجارة والخدمات وغيرها من مجالات الحياة مما ساهم
في تبديل نمط الحياة الاقتصادية من البدائية الى التقدمية ومن الركود الى النمو السريع, وعلى
الرغم من ان المجال لا يسمح بسرد المنجزات الا ان ما تحقق يعتبر في عرف الزمن معجزة قد لا
تتحقق مرة اخرى على ارض الواقع, ولكن يجب ان نشير هنا الى ان هذا النمو وهذا التقدم لم يكن
مجرداً من السلبيات التي يأتي في مقدمتها:
،1- انعدام القدرة التخطيطية الجيدة التي تساهم في توجيه السياسات الاقتصادية الوجهة
السلمية
حيث نلاحظ ان الاقتصاد السعودي لازال يعتمد اعتماداً كبيرا على النفط كمصدر رئيس ان لم يكن
وحيدا للدخل على الرغم من التقلبات الخطيرة والهزات الكبيرة التي تعرضت لها اسواق النفط خلال
العقدين الاخيرين,
،2- انعدام القدرة التخطيطية الجيدة القادرة على تحديد المجالات الاقتصادية التي تتمتع فيها
المملكة بميزة نسبية, اعتقد ان من غير الممكن تحديد الوجهة المستقبلية لاقتصادنا الوطني في
ظل عدم قدرتنا على تحديد مواطن قوتنا, هل نحن دولة صناعية ام دولة زراعية؟ هل نحن دولة خدمات
ام دولة تجارة؟ هل آن الاوان للتركيز على الصناعات النفطية والتحويلية المعتمدة على النفط ام
ان المجال مازال مفتوحا للتجارب والبحث عن المفقود؟ لقد ساهمت الطفرة الاقتصادية غير الصحية
في تنمية قدرتنا على شراء الصناعة لا ابتكارها وعلى شراء المباني لا تشييدها وعلى الاستهلاك
لا الانتاج مما ساهم وبشكل غير مرغوب في تغيير ذهنية المواطن السعودي الذي اصبح مستهلكا بعد
ان كان منتجاً وعبئاً من اعباء التنمية بعد ان كان رافداً من روافدها,
،3- الضعف الكبير لدور المواطن السعودي في تحقيق المكتسبات التنموية مما جعل من الصعوبة
صيانة
هذه المكتسبات والمحافظة عليها, اعتقد ان المجالات الانتاجية التي يعج بها اقتصادنا الوني
لازالت في قبضة العنصر الاجنبي على الرغم من الملكية او العطاء الوطني والذي بدوره يعني بعد
المواطن السعودي عن مواطن العمل وبالتالي عجزه عن اكتساب الخبرة اللازمة لاستمرار العجلة
التنموية بمعزل عن العنصر الاجنبي, كما ان استمرار سيطرة العنصر الاجنبي يعني بالضررة
استمرار وضع العراقيل امام عودة المواطن السعودي لميدان الانتاج,
،4- انعدام القدرة الادارية القادرة على صياغة انظمة عامة وخاصة تتصف بالديناميكية وتتواكب
مع
المتغيرات والمستجدات المحلية والدولية, ومما لاشك فيه فان هذا لا يعني عدم وجود الانظمة
ولكن اعني عدم قدرة هذه الانظمة على التطور لمواكبة التغيرات الجذرية في اقتصادنا الوطني,
نظام العمل والعمال، نظام الخدمة المدنية، نظام خدمة الضباط والافراد، نظام الاستثمار
الاجنبي وغيرها من الانظمة تحتاج الى اعادة نظر عاجلة خاصة وان البلد يكتظ بالمختصين
القادرين على صياغة او اعادة ما تخضع لاعتبارات تختلف عن اعتبارات المصلحة العامة,
واخيراً: ماذا نريد ونحن على مشارف القرن الجديد؟ نريد ببساطة ان نعيد رسم مستقبلنا
الاقتصادي بكل دقة ووضوح اخذين في الاعتبار اعطاء عنصر الانتاج الوطني الدور الاكبر والرئيس
مع التركيز على مواطن القوة التي يتمتع بها اقتصادنا الوطني بعيداً عن مؤثرات الطفرة
الاقتصادية, نريد انظمة تحكم الافراد لا افراد يحكمون الانظمة حتى يبقى الوطن قوياً بغض
النظر عن الافراد, نريد ان نتعامل مع الواقع بمعطياته لا مع الواقع بمعطيات الطفرة التي
صورتنا كأغنياء واقنعتنا واقنعت غيرنا بذلك فاصبحنا نعطي ولا نأخذ, نريد ان نعيد النظر في
سياساتنا التعليمية والتربوية والاقتصادية والادارية لنربطها بالواقع الصحيح لا بالواقع
المتصل بمؤثرات الطفرة, نحن دولة اسَّسها وضحَّى من اجلها بطل يستحق منا التكريم واعتقد ان
المحافظة على الوطن قوياً كما وحده البطل هو ابلغ صور التكريم لكونه امتداد لتاريخ ناصع
وماضي تليد,
،* استاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الامنية
|
|
|