وجهة نظر التجارة الحرة,, من المستفيد؟ د, محمد يحيى اليماني*
|
ينادي الكثيرون بما يسمى بالتجارة الحرة والتي تعني قيام تجارة دولية خالية من كافة اشكال
القيود بحيث تنتقل السلع والخدمات من دولة الى أخرى كما تنتقل من منطقة الى أخرى داخل الدولة
الواحدة, والسبب في المنادات بهذه الدعوة هو النظرة التقليدية للتجارة الدولية الحرة على
انها تعمل على تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية المتاحة للعالم ككل وذلك لأن كل
دولة في ظل التجارة الدولية الحرة ستتخصص في انتاج وتصدير السلع والخدمات التي تستطيع ان
تنتجها بتكلفة اقل من بقية دول العالم وتستورد جميع أو بعض احتياجاتها من السلع والخدمات
التي تكون تكلفة انتاجها محليا أعلى منها في بقية دول العالم وبناء على هذا التصور فإنه من
المتوقع ان تزداد كميات السلع والخدمات المتاحة للعالم بدون الحاجة الى التوسع في استخدام
موارد اقتصادية جديدة, الأمر الذي يعني الاقتصاد في استخدام الموارد الاقتصادية واطالة أمد
الاستفادة منها, ينتج عن هذا من جوانب ايجابية على البيئة, ولكن السؤال المثير للجدل في كثير
من الأحيان هو من سيستفيد من هذه الزيادة في السلع والخدمات أو كيف ستوزع هذه الزيادة بين
دول العالم, إذ ان وجود زيادة في السلع والخدمات لا تنتفع بها إلا مجموعة صغيرة من الدول قد
يكون أمرا ضارا ببقية دول العالم التي لن تستفيد من هذه الزيادة ولن تتغير مستويات معيشة
افرادها,
يعتقد الكثيرون ان المستفيد الأكبر من التجارة الحرة هي الدول الصناعية الغنية التي ستوفر
لها التجارة الحرة اسواقا ضخمة لمنتجاتها وفي نفس الوقت ستمكنها من الحصول على المواد
الأولية والخام بدون عوائق وبأسعار متدنية وفي المقابل ستكون الدول النامية عاجزة عن تطوير
قواعدها وهياكلها الصناعية التي تحتاجها في عملية التنمية نظرا لوجود المنافسة القوية من
منتجات الدول الصناعية والتي تمتلك القدرة على السيطرة على السوق والاستحواذ على الجزء
الأكبر منه, ولا يمكن فصل دعوة التجارة الحرة عن موجة العولمة التي تجتاح العالم الآن والتي
تتضمن الغاء كثير من القيود والحواجز والحدود الثقافية والفكرية والتجارية وغير ذلك الأمر
الذي يساعد على تمازج الحضارات والتيارات الفكرية,لكن المشكلة تكمن في وجود دول تهيمن على
هذا التيار ويراد لقيمها ومدنيتها واقتصاداتها ان تسود العالم, ومما يعزز هذا التوجه ما
يشهده العالم في هذه الأيام من موجة اندماجات بين كثير من الشركات المهيمنة على مختلف
الأنشطة الاقتصادية والتي هي شركات أوروبية أو أمريكية, فوجود مثل هذه الشركات الضخمة يتطلب
سوقا كبيرا جدا تتمكن من خلالها من تسويق منتجاتها بكل حرية وايضا تظل بحاجة الى الحصول على
مدخلات انتاج رخيصة الثمن والى انشاء وحدات انتاجية موزعة في جميع انحاء العالم ولا يأتي مثل
هذا الشيء إلا في ظل وجود تجارة حرة تلغي القيود امام انتقال السلع والخدمات بين الدول,
وعليه فإنه ربما تشكل التجارة الدولية الحرة احد مظاهر العولمة الاقتصادية التي يمر بها
العالم اليوم وتسوُّق لدى الدول النامية على انها شرط ضروري لعملية النمو الاقتصادي وبالتالي
لعملية التنمية الاقتصادية, وتتجاهل حقيقة هامة بالنسبة للدول النامية مؤداها ان كثيرا من
هذه الدول يصعب عليها الاستفادة بشكل معقول من وجود تجارة حرة نظرا لوجود اختلالات كبيرة في
هياكلها الانتاجية وكذا قصور مؤسساتها المالية والانتاجية الامر الذي يجعلها في وضع تنافسي
غير جيد في ظل وجود تجارة حرة فلا هي تستطيع النفاذ الى الاسواق الخارجية ولا هي قادرة على
الحفاظ على حصتها في السوق المحلية,
ان الشعارات البراقة والانسياق وراءها قد لا يكون مجديا دائما لكن الوقوف في مواجهتها يستوجب
تظافر الجهود والتنسيق والتضامن بين الدول ذات المصالح المشتركة لتقوية جانبها واعطاء
مطالبها قوة تجعلها قادرة على الخروج الى عالم الواقع, ولو نظرنا الى واقع الدول الصناعية
التي تنادي بالتجارة الدولية الحرة لوجدناها تضع العديد من الحواجز والقيود التجارية لحماية
انشطتها الاقتصادية التي تحتمل ان تتضرر من التجارة الحرة,
وفي تصوري فإنه يمكن للدول النامية ان تستفيد بدرجة اكبر من التجارة الدولية متى ما وجدت
مجموعة من الضوابط والقواعد والقيود الحامية لمصالح هذه الدول ولا تكمن مصلحتها في جعل
اقتصاداتها عرضة للتقلبات والهزات الدولية ولا في التخلي عن بعض الآليات التي تمكنها من ضبط
وتيرة سير الاقتصاد الوطني,
،* قسم الاقتصاد الإسلامي- جامعة الإمام محمد بن سعود
|
|
|