مرض السل وعودة إلى الانتشار
|
بدأ مرض السل في الانتشار والتوسع مرة اخرى على مستوى العالم بعد ان كانت الآمال في القضاء
عليه منتعشة الى وقت قريب، الا ان الاحصائيات التي وثقتها منظمة الصحة العالمية لا تنبىء عن
تحقيق تقدم في السيطرة على مرض السل بل للاسف لوحظ زيادة من 20% الى 30% خلال العشر سنوات
السابقة وحسب التقديرات المتحفظة هناك فان واحدا من كل ثلاثة اشخاص يقطنون هذا العالم يعاني
من الاصابة او التعرض لبكتيريا الدرن مما يجعل حوالي ثمانية ملايين شخص يصابون بالسل سنوياً،
وثلاثة ملايين وفاة تحدث سنوياً بسبب مرض السل رغم ان المرض يمكن الوقاية منه وعلاجه,
ويرجع هذا الانتشار غير المتوقع لمرض السل الى عوامل عديدة اهمها الاصابة بمرض الايدز، حيث
صاحب انتشار الايدز في البلدان المتقدمة مثل الولايات المتحدة الامريكية وايطاليا واسبانيا
وفرنسا ارتفاع في معدل الاصابة والعدوى بمرض السل وهذه الحقائق تحذر بخطر مماثل لانتشار مرض
السل في قارة افريقيا وجنوب شرق اسيا بسبب استيطان السل لتلك المناطق والانتشار المخيف لمرض
الايدز في تلك المجتمعات,
والسل من الامراض التي تسببها بكتيريا خاصة، ولان الجسم عادة يعجز عن القضاء على هذه
البكتيريا يقوم ببناء تحصينات حولها لمنعها من غزو الانسجة المجاورة فتكون عقد متعددة تحتوي
على بكتيريا الدرن والخلايا التي تحاول مقاومتها، محاطة بجدران من الانسجة المتعددة التي
افرزها الجسم كتفاعل مضاد لبكتيريا السل, ونتيجة لهذه الاستجابة من الجسم فان حوالي ثمانية
بالمائة من الذين يتعرضون لبكتيريا السل لا يصابون باعراض المرض، الا انه من العشرين بالمائة
المصابين بالبكتيريا نصفهم فقط تظهر اعراض المرض عليهم خلال الاشهر الثلاثة الاولى من تعرضهم
للبكتيريا اما البقية فانهم يظلون في منأى عن المرض واعراضه لسنوات طويلة، ومتى ما تعرضوا
لامراض تقلل من مناعة الجسم لديهم فان بكتيريا السل تنشط وتتغلب على التحصينات الدفاعية في
جسم الانسان بعد بقائها هناك احياناً لسنوات طويلة، فتبدأ بالانتشار وتظهر اعراض المرض على
الشخص المصاب,
وعادة ما يصيب السل الرئتين الا انه يصيب احياناً اجزاءً اخرى من الجسم مثل العمود الفقري
والكلى والامعاء وغشاء التامور المغطي للقلب ,
ويتعرض الشخص للاصابة بالسل عن طريق استنشاق الرذاذ الملوث بالبكتيريا نتيجة تعرضه لسعال او
عطاس شخص مصاب بالمرض ويحتوي رذاذه على البكتيريا, فهو مرض معد خاصة للاشخاص الذين يعيشون في
اماكن مزدحمة مثل المعسكرات والثكنات والسجون والاحياء المزدحمة واكثر الناس عرضة للاصابة
بالسل اولئك الذين يعانون من قلة في التغذية او يعانون من امراض مزمنة او حديثو السن او من
هم في سن الشيخوخة او العاملون في المستشفيات او الذين لديهم نقص في المناعة لاي سبب من
الاسباب مثل مرض الايدز، كما ان الاشخاص المخالطين لمرضى السل اكثر من غيرهم عرضة للاصابة
بالمرض,
ومن العلامات المبكرة للاصابة بالسل حدوث ارتفاع في درجة الحرارة خاصة في الليل مصحوب برعشة
وقشعريرة وتعرق وخمول وفقدان الشهية ونقص في الوزن,
واذا لم يتم العلاج مبكراً قد يتطور المرض الى مرحلة متقدمة يبدأ خلالها المريض بالسعال وقد
يصحب ذلك بلغم مختلط بدم وآلام في الصدر وضيق في التنفس الا ان هذه الاعراض تشابه اعراض كثير
من الامراض غير السل وليست بالضرورة خاصة بمرض السل لذلك لتمييز سبب هذه الاعراض يجب اجراء
تحاليل وفحوصات عدة للتأكد من وجود السل من عدمه, فمثلاً يتم فحص تفاعل الجلد مع بكتيريا
السل الحساسية وفي حالة كون الفحص ايجابيا بظهور احمرار وانتفاخ وربما تقرحات في الجلد بعد
يوم او يومين فان ذلك احد الادلة على ان الشخص تعرض يوماً ما لبكتيريا السل فتعرف عليها
الجسم ولذلك لا يوضح هذا الفحص هل هذا التعرض نتيجة لاصابة قديمة ام حديثة وهي لبكتيريا في
جسم الانسان حية ونشطة ام ميتة وخاملة، عندها لابد من ان يتم اجراء فحص اشعاعي للصدر وتحليل
للبلغم وفي حالة كون هذين الفحصين سلبيين، فلابد من انتظار نتيجة مزرعة البلغم والتي قد
تتأخر الى شهرين تقريباً وحديثا تمكن العلماء من تطوير بعض الفحوصات حتى يمكن معرفة نتيجة
فحص البلغم خلال يومين فقط او اقل,
وفي حالة عدم استطاعة المريض اعطاء بلغم للفحص، يلجأ الاطباء الى اما اخذ عينة من افرازات
المعدة عن طريق ادخال انبوب الى المعدة او اجراء منظار للرئة وسحب العينات مباشرة من الرئة
مما يجعل فرص تشخيص السل اكبر,
ومتى ما تأكدت الاصابة بالسل يمكن علاج ذلك بأدوية خاصة كفيلة باذن الله بالسيطرة على المرض
والقضاء على بكتيريا السل، الا انه لابد من تناول مجموعة منها لان كل دواء منها يقضي على جزء
من بكتيريا السل ولا يمكن لوحده القضاء على البكتيريا، كما ان مدة تناول العلاج يجب ان
تتراوح ما بين ستة اشهر الى سنة ونصف احياناً حسب استجابة المريض للعلاج وحسب نوع الادوية
المأخوذة,, كما انه لتجنب انتشار العدوى للأخرين يجب تناول العلاج في الاسبوعين الاولين داخل
مستشفى وتحت ظروف عزل تام حتى يتم القضاء على البكتيريا التي تظهر في البلغم، ثم يستمر الشخص
في تناول العلاج حسب المدة المحددة,
وقد يعاني بعض الاشخاص من الاعراض الجانبية المتوقعة لادوية السل مثل اختلال مؤقت في وظائف
الكبد او السمع او النظر حسب الادوية المستعملة لذلك يحرص الاطباء على متابعة المريض شهرياً
على الاقل في بداية العلاج ثم كل شهرين مع اجراء فحوصات لوظائف الكبد بشكل متكرر، كما يعطى
للمريض فيتامين ب 6 لوقاية الاعصاب الطرفية للمريض من آثار بعض الادوية الجانبية,
ومن سبل الوقاية من هذا المرض اعطاء الاشخاص الذين خالطوا مرضى السل دواءً معيناً لمدة ستة
اشهر تحت اشراف طبي بعد اجراء الفحوصات اللازمة لمساعدة الجسم على القضاء على البكتيريا قبل
غزوها لانسجة الجسم واعضائه,
ومن نافلة القول تكرار ان مرض السل يمكن السيطرة عليه وعلاجه متى ما تعاون المريض مع الطبيب
في تشخيص وعلاج المرض والوقاية منه، حيث تتوفر الادوية القادرة باذن الله على تحقيق ذلك,
د, حمدان حميد الجحدلي
استشاري الامراض الصدرية بمستشفى الملك فهد للحرس الوطني
|
|
|