Tuesday 1st March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الثلاثاء 14 ذو القعدة


الأسرة العربية ومواجهة البث الفضائي الأجنبي
د, محمد شومان *

في ضوء الآثار والتداعيات السابقة لعولمة الاعلام، ومع الاتجاه في المستقبل القريب خلال 10 سنوات لمزيد من العولمة، من المتوقع ان تتطور وتنخفض اسعار وسائل الاعلام خاصة تكنولوجيا استقبال البث التليفزيوني المباشر الدش ، وبالتالي من المنتظر ان تدخل تكنولوجيا البث المباشر بيوت اغلبية الاسر العربية ويتزايد دور الاعلام- خاصة المرئي- في التنشئة الاجتماعية داخل الاسرة مقارنة بادوار المدرسة والاسرة ودور العبادة والحي وجماعة الرفاق
ولما كانت هناك نسبة كبيرة من البرامج والمضامين الاعلامية والترفيهية ستصل الى افراد الاسرة وتحمل افكارا ومضامين وصورا لا تتناسب وبعض الاوضاع الثقافية والاجتماعية للاسرة العربية، فانه من الضروري ان يقوم الاب والام داخل الاسرة بدور توجيهي لترشيد استقبال الاطفال والشباب للبث الاجنبي الوافد، بل وللمضامين الاعلامية والترفيهية والاعلانات التي تقدمها القنوات الفضائية العربية، علاوة على ما تقدمه وسائل الاعلام الاخرى.
بعبارة اوضح اذا كان من الصعب من النواحي التكنولوجية وضع ضوابط او فرض نوع من الرقابة الحكومية على البرامج والمضامين التي تصل الى افراد الاسرة من خلال البث الفضائي المباشر او شبكة الانترنيت، ولا تتناسب مع الثقافة السائدة في المجتمع فان البديل المتاح هو تفعيل دور الاسرة في القيام بادوار توجيهية وارشادية، تصل الى درجة من درجات منع الصغار من مشاهدة قنوات او برامج لا تتناسب مع اعمار الصغار وادراكهم لامور اخلاقية او اجتماعية.
والواقع ان قيام الآباء والامهات بدور توجيهي وارشادي يتطلب درجة من الوعي والخبرة باحتياجات ابنائهم وبظروف العصر الذي يعيشون فيه، بمعنى حرص الآباء والامهات على معاملة الابناء وفق المعايير والضوابط التي تربوا عليها مع مراعاة ظروف العصر ومستجداته، في الوقت ذاته فان مسألة وعي وخبرة الآباء والامهات لا ترتبط بالمستوى التعليمي فقط، وانما يدخل فيها جوانب اخرى كالثقافة والخبرة، والانفتاح الفكري والقدرة على الحوار وتقبل الرأي الآخر، في هذا السياق قد نجد من بين الآباء والامهات امين لكنهم على درجة من الوعي والفهم لمتطلبات ابنائهم تفوق بعض المتعلمين.
ونعرض فيما يلي لبعض الادوار التفصيلية لعملية التوجيه والارشاد التي يمكن للآباء والامهات القيام بها تجاه ابنائهم، وتتضمن هذه العملية مجموعة من القواعد والآداب التي ترشد وتنظم تعرض واستخدام ابناء الاسرة لوسائل الاعلام المختلفة، ولعل اهم هذه القواعد والآداب ما يلي:
1- الحرص على تحديد اوقات تعرض الصغار والشباب لوسائل الاعلام المختلفة خاصة القنوات الفضائية والكمبيوتر والانترنيت، فمن الثابت ان بعض البرامج والمضامين الاباحية او غير الملائمة لمنظومة القيم الاسلامية والتقاليد العربية تبث في ساعات متأخرة من الليل، وبالتالي يجب منع الاطفال من مشاهدة التليفزيون في هذه الاوقات، كذلك فان بعض الافلام والمسلسلات قد تحفل بجرعات من العنف المبالغ فيه، وفي العادة تبث هذه الافلام والمسلسلات في اوقات متأخرة يفترض فيها نوم الاطفال والصغار، من هنا يجب ان يراعي الآباء والامهات تنظيم ساعات نوم الاطفال في اوقات مبكرة، مع مراعاة فروق التوقيت بين توقيت البث التليفزيوني لبعض القنوات الفضائية الاجنبية والتوقيت المحلي، اذ قد تعرض هذه القنوات مسلسلات او افلاما في اوقات متأخرة من الليل بالنسبة لبلدانها، بينما تكون هذه الاوقات في العصر او المغرب بالنسبة للتوقيت المحلي, وعموما فان تحديد اوقات مشاهدة الصغار للتليفزيون المحلي او الفضائي او حتى استخدام الكمبيوتر والانترنيت هو اجراء بالغ الاهمية في اطار التوجيه والاشراف والارشاد الاسري.
2- وضع سقف زمني لعدد ساعات تعرض الاطفال والشباب لوسائل الاعلام، فمن غير المقبول ان يترك الاطفال والشباب ساعات طويلة امام اجهزة التليفزيون او الفيديو او الكمبيوتر او حتى قراءة الصحف والمجلات، لان انفاق مثل هذه الساعات عادة ما يكون على حساب انشطة اجتماعية جماعية بين افراد الاسرة، كتبادل الحوار او تقديم المساعدة في اعمال المنزل وغيرها من الانشطة ذات الطابع الاجتماعي الايجابي.
ان استغراق الاطفال والشباب في التعرض لوسيلة اعلامية واحدة او اكثر قد يدعم من الاتجاهات الفردية لديهم، كما يخلق نوعا من العزلة وعدم التوازن في خبراتهم ومعارفهم، فالعالم الذي يقدم اليهم عبر وسائل الاعلام لا يكفي لتشكيل وعيهم وخبراتهم لانه عالم يختلف بدرجة ما عن العالم المعاش والواقع الحي من حولهم.
ان على الآباء والامهات فتح حوارات مع الاطفال والشباب لاقناعهم بجدوى واهمية التعرض المتوازن لوسائل الاعلام، وكذلك تحقيق توازن بين التعرض لوسائل الاعلام والتعامل مع الواقع الحي من حولهم.
علاوة على الحوار والاقناع يمكن وضع حوافز تشجيعية معنوية ومادية لحث الاطفال والشباب على تنويع استخداماتهم لوسائل الاعلام لان انفاق ساعات طويلة في مشاهدة مضامين ترفيهية سطحية عبر التليفزيون او الفيديو تمثل على المدى البعيد سنوات ضائعة من عمر الانسان.
ولا يوجد اتفاق بين الباحثين على العدد المناسب من الساعات التي يمكن فيها للطفل او الشاب التعرض للتليفزيون، او الكمبيوتر، او حتى التعرض لوسائل الاعلام، الا ان كل اسرة يمكنها تحديد الزمن المناسب او المسموح فيه في ضوء الانشطة التي تمارس داخل الاسرة، والواجبات الملقاة على عاتق الابناء.
3- توجيه وارشاد الاطفال والشباب داخل الاسرة نحو التدقيق في الاختيار بين القنوات التليفزيونية والبرامج المختلفة، بحيث يتعلم الطفل او الشاب الموازنة بين مشاهدة البرامج والمضامين ذات الطابع الترفيهي، والبرامج والمضامين ذات الطابع التثقيفي والاعلامي، فاغلب البرامج تتجه نحو الترفيه من اجل الترفيه ولا تهتم بالتثقيف ونقل الخبرات والمعلومات، وهنا يأتي دور الوالدين في تشجيع الابناء على مشاهدة ومتابعة البرامج والمضامين الجادة جنبا الى جنب مع المضامين الترفيهية.
4- التحكم في نوعية القنوات الفضائية التي يسمح باستقبالها داخل المنزل بحيث يتم حجب القنوات الاباحية او غير الاخلاقية او التي تقدم جرعات هائلة من العنف غير المبرر، ويمكن تنفيذ هذا التحكم من خلال برمجة اجهزة الاستقبال، مع الحرص على مراجعة نظام البرمجة من فترة لاخرى.
5- الحرص على ان تكون مشاهدة التليفزيون المحلي والفضائي والفيديو في اطار جماعي داخل الاسرة، بمعنى الحرص قدر الامكان على عدم ترك الطفل او الشاب بمفرده امام التليفزيون او الفيديو، بل العمل على تحويل فعل المشاهدة التعرض لنوع من الممارسة الاسرية التي يشترك فيها كل افراد الاسرة او على الاقل احد الوالدين، حيث اثبت كثير من دراسات التأثير الاعلامي ان المشاهدة الجماعية التي تقترن بالنقاش والحوار تقلل من تأثير مضامين العنف والجريمة على سلوك الاطفال وترفع من درجة وعيهم بمخاطر تقليد مشاهد العنف.
من هنا لابد ان يعقب المشاهدة الجماعية في اطار الاسرة حوار ونقاش هادىء يتطرق للعناصر الاتية:
أ- مدى واقعية المشاهد والاحداث التي تعرضوا لها، ودور الخيال والحيل التكنولوجية في تصميم وتنفيذ المشاهد، وبطبيعة الحال لا يتطلب ذلك من الآباء والامهات الوعي الكامل بهذه الاساليب الفنية المعقدة، لكن يكفي قدر من الادراك والفهم لتوضيح مدى واقعية المشاهد والاحداث وحجم المبالغات امام الاطفال الصغار، لانه في كثير من الحالات يصعب على الطفل الصغير التمييز بين الواقع والخيال، بين الممكن، وغير الممكن في الصور والرموز التي تقدم له عبر شاشة العرض.
ب- مدى علاقة المشاهد والاحداث بالثقافة العربية الاسلامية والعادات والتقاليد السائدة في مجتمعنا وهل تتفق ام تتعارض مع عاداتنا وتقاليدنا، وآثار نقل او تقليد ما تحمله تلك المشاهد والاحداث على ثقافتنا وعاداتنا.
ج- ماهي الجوانب الايجابية والسلبية في المواد والبرامج التي شاهدها افراد الاسرة، وكيف يمكن الاستفادة منها في حياتنا العملية.
باختصار هذه هي ابرز آداب التعرض لوسائل الاعلام التي يجب ان يحرص عليها الاباء والامهات، ويجتهدوا في اتباعها وترسيخها بين افراد الاسرة، مع ملاحظة ان يكون سلوك الوالدين، وعادات استخدامهم لوسائل الاعلام نموذجا يحتذى امام الصغار، بالاضافة الى الالتزام بالنقاش والحوار الهادىء، وتشجيع الصغار على التعبير عن آرائهم وانطباعاتهم تجاه ما يتعرضون له من مضامين اعلامية وترفيهية.
ولاشك ان آداب وقواعد التعرض لوسائل الاعلام ستكون اكثر فاعلية وتأثيرا في حياة الصغار اذ اعتمدت على اساليب تربوية سليمة تبتعد عن العنف والاكراه، مع التقليل قدر الامكان من استخدام المنع او الحجب.
* استاذ العلوم بجامعة عين شمس
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
ملحق البكيرية
منوعــات
شعر
عزيزتي
الرياضية
الطبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved