دقات الثواني الزيجات في المدينة المنورة |
قرأت في جريدة الرياض يوم 29/10/1419ه خبراً مفاده ان الجمعية الخيرية للخدمات الاجتماعية بالمدينة المنورة اقامت نموذجاً لما سيتّبع في ولائم الزيجات يقضي على مشكلة الاسراف ليتقيد بها المواطنون، فرأيت ان اشارك بهذه الافكار في هذا الموضوع الذي لا يخص المدينة وحدها، بل هو شائع عند معظم المواطنين الا من رُزق فهماً وحزماً، ولم يبال بكلام الناس مدحاً وذماً.
ومنذ سنوات طبّقت في المدينة المنورة فكرة تحديد حجم الوليمة بما لا يزيد عن خمس ذبائح، وتحديد الوقت بما لا يزيد عن الواحدة او الثانية ليلاً، ولكن ما لبث ان عُدل عن ذلك لأسباب لا أعرفها، وأتوقع انها كانت بحاجة الى دراسة اجتماعية قبل تطبيقها.
تحديد كمية الطعام في الولائم يختلف من شخص لآخر حسب عدد المدعوين، كما ان النوعية المقدمة تختلف حسب نوعية المدعوين، وأذكر انه عندما بدأ الناس يقدّمون الرز البخاري في الزيجات قبل سنوات كان بعض الناس يحجم عن مد يده للطعام إحجام من يقدّم له دجاج في ذلك الوقت، فهو يرى في ذلك انتقاصاً من قدره، فقد اعتاد ان يرى أمامه ذبيحة برأسها، وان لم يكن الرأس موجوداً فهي مثل من يقدم الرز البخاري، وقد ينصرف قائلاً: (ما يهمني قدري لا بطني) وهذا هو نفسه ما يواجه اليوم ما يعرف بالمائدة المفتوحة (البوفيه) الذي اقترحته الجمعية الخيرية، فالناس ما زالوا يستكثرون ان يمسك احدهم بطبق ثم يقف في طابور ليأخذ الطعام، فهم لم يعتادوا على هذه العادة وهي عادة أوروبية بلا شك، وهي بلا شك أيضاً لها حسنتان: تقليل كمية الطعام المستهلكة إذا أخذ كلٌّ على قدر حاجته، وبقاء الزائد منه نظيفاً ليوزع على المحتاجين.
ولذا ارى ان المائدة المفتوحة (البوفيه) لن تقدم حلاًّ ما لم يزل الحائل الاجتماعي من نفوس الناس، فهم لم يألفوا هذا النوع من المآدب، فقد نشأوا على ان من كرم الضيافة ان يُخدم (بالضم) المدعو، لا ان يخدِم نفسه بنفسه، وبخاصةٍ كبار السن الذين اعتادوا على الالتفاف على المائدة جماعياً، واعتادوا الا يقوم احد عن المائدة حتى يأكل الناس جميعاً، وأرى ان البديل لكل ذلك هو تشجيع الناس على إقامة الزيجات العائلية المختصرة التي تقلل كمية الطعام المقدم سواء أقدّم على شكل مائدة مفتوحة ام بالطريقة التقليدية الشعبية، فالنتيجة واحدة.
ثم إن الاسراف في الزيجات ليس في الولائم وحدها، بل هو فيما يسبقها او يلحقها فيما يعرف بالشّبكة (عقد القران) في بعض المناطق، وما يعرف بالزوارة في بعضها (حفلة بعد الزواج بأسبوع) وواحدة من هذه الحفلات تُغني عنها كلها ومصدر كل ذلك هو التفاخر امام الناس مع ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير النساء بركة اقلهن مؤونة، فأين نحن من هدية، ولن يتم ذلك الا بأن يبدأ من هم قدوة.
ومن الاسراف ايجارات قصور الافراح التي تتفاوت من منطقة الى اخرى، ففي المدينة مثلا معدل الايجار 15 ألفاً دون ان يقدم القصر سوى أماكن الجلوس وفي الرياض يشمل ذلك الطعام والشراب والطبخ وغيره ما عدا الذبائح والطيب، والحل لذلك هو في الزيجات العائلية المختصرة.
ومن مشكلات الزيجات في المدينة الاسراف في السهر طوال الليل وبخاصةٍ للنساء حيث يبدأ الحضور بعد الثانية عشرة ليلاً ولا ادري لماذا لا يبدأ بعد العشاء لينتهي في الساعة الواحدة او الثانية وان يكون ذلك بالاقناع وضرب الأسوة الحسنة ممن يقتدى بهم.
ثم اين المعالجة للإسراف في المهور، وفي التأثيث ومظاهر التفاخر المرهقة للشباب حين يدخل منزله ممسكاً بعروسه في يد، وفي اليد الاخرى بالديون المرهقة,, ومن العجيب ان الناس ينتقدون عدم الاسراف في الطعام ولا ينتقدون الاسراف في الديون.
د, عائض الردادي
|
|
|