استهلال
يبقى الانسان مرتبطا بماضيه,, مرتبطا بالحي الذي ولد فيه,, مرتبطا بصوت الأم الذي علمه الحروف الاولية، الانسان هو ابن ماضيه والماضي هو الجذر، والانسان الذي لا تاريخ له ولا اصول ولا جذور لايكون موضع ثقة, فنحن ننطلق من اصولنا ومن ماضينا ومن تاريخنا وسواء على مستوى الافراد او الدول او المذاهب او الاديان فان التواصل فيما بينها يكون على ارضية المنجز التاريخي لكل منها وما قدمه المؤسسون والغابرون وما يمكن ان يضيفه احفاد هؤلاء الى تاريخهم وفي هذا المناخ تسبح قصتا هذه المناسبة فما الذي تقولانه.
بطاقة عيد
قصة قصيرة ل د, رافدة الحريري من كلية اعداد معلمات الابتدائي وهي فيما اظن تنضم الى كوكبة الاديبات اللواتي يسهمن بنتاجهن الادبي هاهنا وهي قاصة عريقة في طريقة القص ومؤثرة بأسلوبها وتهتم بالشغل القصصي ببراعة وتمكن، واعترف بانني استمتعت بقراءة هذه القصة ومما كان في تأثيرها انها دفعتني للبكاء، انها قصة تفرض عليك ان تنسجم معها واظنها خسارة لمن فاته قراءتها وانصح بقراءة المرة الاولى لهذه القصة لان القراءة الاولى لها ممتعة حقا.
تبدأ القصة بسماع الراوية لآيات من القرآن في الصباح الباكر وهي مقيمة في (دنفركولورادوا الامريكية) فتعود بذاكرتها الى صوت امها في ارض الوطن حتى هتفت بغبطة: (انه صوت امي,, صوتها الذي اعتدت ان اصحو على نبراته الجميلة) ثم تدخلنا الى طقوس البيت عندما كانت طفلة فتصف امها: (فهي ترتل ما تيسر من القرآن الكريم ثم تصلي الفجر وبعدها تبدأ نشاطها اليومي المضني فتطحن وتعجن وتخبز,, الخ).
والزمن هو برد كانون فتخرج الراوية من بيتها بعد ان ترتدي الثياب الصوفية وهي عموما ام كذلك ولها ابن يدرس في المرحلة الجامعية وكذلك لديها محاولات شعرية فتكتب ابياتا الى امها بمناسبة عيد الاضحى تقول فيها
سلام الورد ابعثه سخيا ينفث بزهوه عطرا نديا دعوت الله عودة كل عام بافراح تسودكم مليا | |
ولدى خروجها تخطط للذهاب الى مكتبة لتبتاع بطاقة معايدة وتهديها لامها في العيد وبالفعل تهتدي الى مكتبة وتبحث بعينيها عن بطاقة لتكتب عليها الابيات الشعرية وتعايد بها امها وبعد بحث مضنٍ تقع على البطاقة المناسبة الانيقة والمزركشة بالورد الابيض والاصفر مكتوب عليها: (امي,, اشراقة العيد تطل من عينيك) (اهديها لامي التي ستطير فرحا,, سأكتب الى امي التي حملتني وارضعتني ورعتني ثم دفعت بي لخدمة جيل كامل لاحذو حذوها واعلمهم الحب ليكون مردود ذلك حبا) وهناك تصطدم الراوية بالواقع الذي يقول بان امها غائبة عن العالم منذ سنوات طويلة وليس بوسع اي بريد في العالم ان يوصلها البطاقة ويطفر الدمع من عينيها كطفلة تائهة وتنسحب يدها ببرودة العالم عن البطاقة الجميلة وتخرج بمائتمية من المكتبة وتتعلم ان الانسان قدرته محدودة وعليه ان يكون هادئا ويتعلم الصبر على الشوق ويدرب نفسه لتحمل ومواجهة خسارات كبرى غير متوقعة تقع بغته عليه.
بعد قراءة هذه التحفة الرائعة حقا تثبت القصة النسائية من جديد تألقها وبراعتها وتثبت كذلك خصوصيتها, انها تكتب قصتها كما تقوم بتربية ابنتها المدللة، تضع فيها كل شيء وكأنها القصة الاخيرة التي تكتبها وقد شاءت هذه القصة ان تكون بضمير المتكلم الكلاسيكي المتجدد وبلغة مرهفة شفافة معبرة تستحق بالفعل القراءة واتمنى ان اكون محظوظا فاقرأ مرة اخرى شيئا كهذا الادب الصادق وايضا احب ان اشير الى جمالية الاخلاق التي تظهر في الوصف فهي تعطي صورة عن واقع المرأة التي تريد ان تحذو حذو امها وحذو تاريخها وتريد ان توصل تلك الرسالة للاجيال التي تعلمها، انها رسالة الام الخالدة انها دعوة مفتوحة للنزاهة وللتمسك بالجذور الطيبة.
لوحة رمضان
للقاص حسن بن سعيد الدوسري ولاندري ان كان يقرب الاديبة القاصة امل الدوسري وفيها يقدم صورة عن جمالية شهر رمضان من خلال تأمله لوحة معلقة على حائط احد الرجال المسنين وقد اتقنها منذ سنوات طويلة وعلقها على حائط بيته وهي لوحة بانورامية بعنوان (لوحة رمضان) فيها: فناجين قهوة منقوشة,, بيالات الشاي,, دلة القهوة.
وتوحي بكرم الضيافة وبصوت طواحين البن الصغيرة وصدى النجر وهو يتخلل وسط طرقات الحي وسفرة الخوص في الزاوية البعيدة,, وابو عثمان يجلس في بيته بجانب هذه اللوحة وكأنه يصر على اتباع ومواصلة هذه التقاليد العريقة ففي رمضان تتكاثر انواع الطعام والشراب ويعم الخير حتى ان اصحاب البيوت يبعثون الطعام والشراب الى المسجد الذي يحوي بعض المسافرين والمقطوعين والمعوزين حتى يكون الفرح عاما ومشتركا ففي رمضان يتحول الناس الى عائلة واحدة تأكل في وقت وتجوع في وقت ويتم تبادل انواع الطعام فيما بين الناس وتكون خيمة رمضان التي تجمع الوجهاء بالفقراء والعلماء بالاميين انها كذلك دعوة للتمسك بالماضي في هذه القصة التي تعطي لوحة يومية عن شهر رمضان الكريم, وفي النهاية ندرك كم اننا نخسر قيما وجماليات كبرى عندما يرحل رمضان وعندها نتمنى ان (يكون الدهر كله رمضان) وقد صاغها القاص باسلوب مؤثر تفوح منه روائح طقوس رمضان وهي تعلن في فكرتها بان لوحة رمضان بواقعيتها تزداد تألقا من عام لعام وهي لوحة خالدة ابد الدهر تبقى مشرقة وتحمل تاريخا من النور والرحمة والمحبة والسماح والبهجة.
هامش:
1 - بطاقة عيد - قصة القاصة د, رافدة الحريري منشورة في العدد /9594/ ص 23.
2 - لوحة رمضان - ل حسن بن سعيد الدوسري في ذات العدد والصفحة.