الفقر: مشكلة القرن القادم 1 |
* يرى البعض ان الفقر أحد التحديات التي ستواجه العالم في القرن القادم والتي يحتاج الى بذل الكثير من الجهد والمال لتخفيف وطأته وينتشر الفقر بصورة رئيسية في الدول النامية التي تعاني من انخفاض مستمر في دخولها الفردية وفي مستويات معيشتها، ويرجع نشوء الفقر الى الزيادة المطردة في عدد السكان والى سوء استغلال الموارد الاقتصادية المتاحة للعالم والى استغلال الدول الصناعية لمقدرات وثروات الدول النامية والى سوء توزيع الدخل داخل الدولة الواحدة ولا شك ان الفقر يدخل المجتمع في دوامة من المشاكل الاجتماعية والسياسية والأمنية والاقتصادية يصعب الخروج منها وتعمل على نشر الفقر واستفحاله وتمتد الآثار السيئة للفقر الى المجتمعات الغنية التي تصبح مطالبة باستيعاب عدد كبير من النازحين من الدول الفقيرة الباحثين عن العمل, كما تصبح الدول الغنية مطالبة ايضا بتخصيص مبالغ اكبر لمساعدة الدول الفقيرة ولذا فان وجود هذه الآثار السلبية وغيرها يعد مبرراً كافياً لأن تتبنى الدول الصناعية وضع الحلول التي تراها مناسبة للتخفيف من هذه المشكلة والتي ربما كانت سبباً في وجودها بطريق او بآخر.
ويمكن تحديد مجموعة من الأسباب المباشرة التي ساعدت وتساعد على تفشي الفقر وذلك لتسهيل عملية العلاج ولعل منها تدني اسعار صادرات الدول النامية بشكل كبير بحيث تنخفض عوائد الصادرات الى درجة تصبح الحكومات عاجزة عن الوفاء بكثير من المتطلبات الضرورية لمجتمعاتها وكحل لهذه المشكلة تعمد حكومات الدول النامية الى زيادة صادراتها رغم انخفاض الاسعار للحصول على عوائد مناسبة، الأمر الذي يعني المزيد من انخفاض الأسعار، وبهذه الطريقة لا تستطيع الدول المحافظة على مستوى معيشة عال لأفراد مجتمعاتها الحاليين ولن تكون قادرة على توفير مستوى معيشة مماثل للأجيال القادمة نتيجة لاستنزاف مواردها الاقتصادية لتغطية احتياجات الجيل الحالي، وقد تضطر الدول الى اقتراض مبالغ كبيرة بأسعار فائدة عالية، الأمر الذي يحد من قدرة الاقتصاد على استخدام موارده المالية في الانفاق على ما يحتاجه اذ سيكون ملزماً بتوجيه جزء من هذه الموارد لسداد الديون وفوائدها التي تتعاظم مع مرور الوقت، ومن الواضح ان الازمات السياسية والصراعات العسكرية التي تنشأ من حين لآخر وفي اماكن متعددة في العالم النامي تعمل على نشر الفقر وتوطينه في أجزاء من العالم وذلك لان برامج التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية ستتضرر حتماً من هذا الوضع الذي يستوجب توجيه جزء لا يستهان به من موارد المجتمع لتغطية الانفاق على الجوانب العسكرية والأمنية كما ان هذه المشاكل تتسبب في اضعاف أو تدمير البنية التحتية والهياكل الاقتصادية للمجتمعات التي تعاني من الأزمات وستكون هذه الأزمات مبرراً كافياً جداً لهروب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية إلى خارج البلاد وكذا لهجرة العقول والخبرات والكفاءات المحلية.
وللفقر في بعض الدول النامية بعد اجتماعي يعمل على انتشاره فاحتقار بعض الأعمال والحرف لا يزال شائعاً فربما يكون الشخص قادراً على العمل وفرصة العمل موجودة لكنه لا يعمل نظراً لأن المجتمع ينظر الى هذا العمل نظرة دونية، والأخطر من هذا ما هو منتشر في المجتمعات النامية من عدم احترام للوقت وادراك لأهميته وعدم استغلاله فيما يعود بالفائدة على الفرد وعلى المجتمع فالعامل في كثير من الاحيان لا يعمل بجدية الا مضطراً ولا يعمل الا ساعات قليلة في اليوم ويضيع بقية اليوم سدى ولا يعد عدم احترام العمل والوقت احد اسباب الفقر بل سبب رئيسي للتخلف حتى ولو وجدت جميع مقومات التنمية الاخرى، اذ ان هذه المقومات بحاجة الى من يوفق بينها والى من يستغلها ولا يكون ذلك الا بالعمل الجاد والطويل, ومن الطبيعي ان يستشري الفقر في اوقات الركود الاقتصادي والأزمات الاقتصادية حيث تنتشر البطالة وتنخفض الدخول ومعدلات الأرباح وتتزايد حالات الافلاس يتزامن هذا مع عدم قدرة الحكومة على دعم برامج الرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي بدرجة كافية نتيجة لأنها تعاني ايضاً من سلبيات الركود الاقتصادي والمشاهد ان هذه الاسباب وغيرها من اسباب تفشي الفقر موجودة وبقوة في عالمنا المعاصر، الأمر الذي يدعم النظرة بأن العالم سيجد نفسه في السنوات القليلة القادمة ملزماً بالتعامل مع هذه المشكلة على نطاق واسع .
* قسم الاقتصاد الإسلامي - جامعة الإمام .
د, محمد يحيى اليماني *
|
|
|