الرئة الثالثة عبد الرحمن بن محمد السدحان هل بات إنكارُ المنكر,, منكراً؟!! |
ما اكثر المواقف التي يُستفز فيها المرء العاقل، حساً وبصراً واحساساً وتنتشر هذه المواقف عبر مساحة عريضة من سلوكيات الناس، تشدك شواهدها في الطريق العام والمسجد والمكتب والبيت والمدرسة! ويزداد الموقف حرجاً اذا كان المرء الغيور لا يملك ازالة الأذى، لابيده,, ولا بلسانه، لكن بقلبه، وذلك أضعف الإيمان!.
* * *
وأضرب لذلك أمثالاً:
* تُوقفك اشارة حمراء، فتمتثل لها ومعك آخرون,, ثم تفاجأ بسائق المركبة المجاورة لك,, أو راكب فيها يقذف بنفاياته او يفرغ ما في أنفه أو صدره في الطريق العام أو على الرصيف,, فإذا استنكرتَ عليه فعله,, باللسان او الإشارة، اسمعك ما تكره من لغو الكلام! حينئذ تتمنى لنفسك السلامة,, وتندم على فعل معروف لم تجزَ عنه إلا منكراً! وتلتفت يمنة أو يسرة طمعاً في تأييد موقفك,, فلا تجد إلا عيوناً شامتة,, توشك ان تبوح لك بكلمة (ملقوف)!.
* * *
* وتأتي الى مسجد,, لأداء فريضة، فتستقبلك شواهد ينكرها خشوع المؤمن، وتستنكرها فطرة الانسان السوي,, فمثلاً:
* يحل يوم الجمعة، فتسعى الى ذكر الله ثم يصدمك خطيب المسجد بموعظة عالية النبرة، شديدة اللهجة، قاسية المعنى,, تلوّح بالويل والثبور وعظائم الأمور للخطاة العصاة الخارجين على صراط الحق والفضيلة, ثم يعرض الخطيب انماطاً من خطاياهم,, فإذا هي أمور يؤاخذ فاعلها ديناً وخلقاً، لكنها ليست من كبائر الأثم التي يطرد بسببها من رحمة الله وتتمنى في تلك اللحظة وانت تستقبل قذائف هذا الواعظ المجتهد لو ترد عليه رداً جميلاً يعظه ويبصّره بأدب الخطاب الذي يبلغ القلوب,, ويشد النفوس، وتتحقق به الغاية الروحية المنشودة من خطبة الجمعة!.
* * *
* ليت هذا الخطيب يتذكر ان مسلم اليوم حريص على سماع الدعوة الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، عبر خطاب ديني عاقل يخترق اسوار عقله ووجدانه,, فيجذبه ولا ينفره، ويدنيه ولا يقصيه من رحمة الله، وليت وزارة الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد تتدخل فتوقف نزيف الكلام الذي تُرجَم به الأسماع احياناً تحت مظلة خطبة الجمعة, فتحاسب من يستحق الحساب وتجزي فاعل الاحسان إحساناً!.
* * *
* ويجاورك في المصلى انسان يرتدي رداء النوم، فتصفع انفك روائح تشكو هجر هذا الجار للنظافة، وينالك شيء من أذى، وشيء من غيظ، وشيء من حرج وانت تجهد نفسك على الصبر حتى تنتهي الصلاة، ثم تغادر المسجد ركضاً! ولو كان هذا الرجل على موعدٍ مع ذي جاه يرغبه او يرهبه لتزين وتطيب بأحسن ما لديه!.
* * *
* وهذا طفل لم يبلغ الحلمَ بعد يقف في الصف الى يمينك او شمالك، او امامك (متظاهراً) بالصلاة,, وهو لا يحسنها أدباً ولا شعائر، يلهو بالحركة، فيخدش خشوعك، ولا يكف عن العبث بيديه او رجليه، وكأنه في سيرك لا في بيت من بيوت الله! ولستُ ضد حضور الطفل الذي لم يبلغ الحلم بعد صلاة الجمعة او الجماعة اذا كان مصحوباً بولي أمر يرشده ويردعه في آن, وإلّا فبقاؤه في بيت اهله افضل وابقى!.
* * *
وبعد,,فتلك شواهد قليلة مما يؤذي الحس والاحساس والبصر,, سقتها تأكيداً لفتنة المؤمن الغيور الذي يرى الأذى,, فلا يملك له ردعاً! والأنكى من ذلك والأمرّ انك اذا رويت الحدث لمن لا يعنيه الأمر، ظناً منك انه قد يشاطرك انكار الأذى ولو بقلبه، رد عليك ببرود: (ما شأنك وهذا؟) وتهتف في نفسك بأسى: سبحان مغير الأحوال,, فقد بات إنكار المنكر,, منكراً!!.
|
|
|