Tuesday 1st March, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الثلاثاء 14 ذو القعدة


يارا
عبدالله بن بخيت
صانع المطر

عنوان لكتاب لا يعطي أي انطباع عن موضوعه, يميل إلى العناوين الحداثية ولكن إذا كان حداثيا فهو بالتأكيد ينتسب إلى حداثة الماضي اي قبل ان تشرق شمس العناوين الحداثية غليظة القوام التي تحتاج ان تحلها بماء وزيت علشان ما تلطس مناسم دماغك, أما موضوعه فلا علم به لانني لم اقرأه ومع ذلك فقصته معي قصة عجيبة كما ان له مكانة خاصة في قلبي باعتبار انه أول كتاب اشتريته بحس حداثي.
عندما كنت في المرحلة المتوسطة بدأت تهب علينا رياح الحداثة فقد شرعت الصحف المحلية في طرح الاسماء الاجنبية ومن اهمها كولن ولسن فقد بدأ اسم هذا الكاتب يلعلع في كل صفحات الجرائد وفي كل الزوايا والاعمال الادبية، ويستشهد بأقواله حتى في الصفحات الرياضية فما ان تفتح الجريدة إلا وتطالعك كلمة اللامنتمي وهذا المصطلح هو اسم لأهم كتاب صدر لهذا الكاتب البريطاني وأكسبه الشهرة التي اوصلته لجريدة تصدر في قلب منطقة من مناطق المملكة وقد اصبح جزءا من الثقافة السعودية المتداولة كما يحدث هذه الايام مع رولان بارت وجاك داريدا وطقتهما (فمن الواضح اننا لا نستطيع ان نعيش ثقافيا بدون اسماء اجنبية نصنمها في كل مرحلة من حياتنا) من مارجليوث إلى داريدا .
حل مصطلح اللامنتمي أو زاحم في حينها مصطلحي (الغثيان والعبث) لسارتر وكامي , وكان امرا طبيعيا لمراهق صغير يتطلع ان يكون حداثيا ان يجري خلف هذه الثقافة فلم يعد نجيب محفوظ ويوسف ادريس واحسان عبدالقدوس وجبران وتوفيق الحكيم وغيرهم تشبع الفضول للادب فهذه الاسماء لم يعد لها ذكر في الصحافة في تلك الايام ربما تسمعها على ألسنة المسنين والتقليديين او من أفواه مدرسي اللغة العربية, ولكن ان تسمع بالكتاب شيء وان تحصل عليه شيء آخر ففي تلك الايام كان الحصول على الكتاب شيئا قريبا من المستحيل فالوضع اختلف هذه الايام ولله الحمد فالمرء يستطيع ان يسافر الى البحرين او القاهرة بل إلى لندن او اي مدينة في العالم لشراء الكتاب الذي يريد او ببساطة ان يوصي احد الاصدقاء ليزوده به من الخارج اما في الماضي فقد كان عليك ان تقرأ الجرائد وتتعرف على الكتب من خلال ما يكتب عنها في الصحف واعتقد ان الحداثة في المملكة نهضت على هذا النوع من التزود بالمعرفة.
في احد الايام وقعت عيني على هذا الكتاب (صانع المطر) في مكتبة في شارع الثميري اسمها مكتبة الحياة, وتلفت يمينا وشمالا لكي لا يراني احد ثم نقدت البائع المبلغ المطلوب وجريت بأسرع ما استطيع الى البيت لقراءته فعنوانه يشي بأنه من تلك العناوين الحداثية المتشددة (في تلك الايام طبعا) ولا أعرف ما الذي منعني من قراءته عندما وصلت الى البيت (على كل حال لو كنت قرأته في حينها لما كتبت هذه الحلقة من يارا) وبعدها بدأت بالتسويف في قراءته, ثم اختفى من مكتبتي ونسيته ولكن اثناء النقل من بيتنا الطيني إلى بيتنا الجديد ظهر امامي فجأة وتذكرته وقررت ان اقرأه ووضعته في مكان بارز استعدادا لقراءته وعندما عدت إليه لم اجده ومرت الايام ونسيته حتى جاء ذلك اليوم وأنا أرص مقتنياتي من الكتب في كراتين استعدادا للنقل مرة اخرى، فأطل من بين الكتب وفي هذه المرة قررت ان أقرأه ولكني كنت على وشك السفر فخشيت إذا أخذته معي خارج المملكة ربما يصادر مني في المطار اثناء العودة فأجلت قراءته لحين عودتي من السفر وعندما عدت كنت قد نسيته وبعد سنوات اخرى انتقلنا إلى بيت آخر واثناء النقل والكتب تتبعثر هنا وهناك شاهدته وقد فقد غلافه الاخير وبدأت أوراقه تميل إلى الاصفرار فنظرت إليه بحزن حقيقي فقلت لابد ان في هذا الكتاب سرا من الاسرار وان هناك قوى خفية تمنعني من قراءته فألتقطته وقررت هذه المرة قراءته ولكي لا يحدث ما حدث له في الماضي نقلته الى مكان بارز لكي اتذكره بسهولة ولكن لانني لا اميل إلى ممارسة اي نشاط ثقافي في نهاية الاسبوع اجلت قراءته إلى يوم السبت وقد نسيت عامل اتلاف جديد نشأ في حياتي: أطفالي،, ولكني لا أحمل أطفالي كامل المسؤولية فقد كان هناك اتفاق بيني وبينهم ان اي كتاب لا يكون في غرفة مكتبي او في غرفة نومي لهم الحق في الاغارة عليه، وخاصة إذا كان عنوانه يميل إلى الحداثة المتشددة وقد سبق ان حدثتكم عن فوائد الكتب الحداثية لحماية مقتنياتي من الكتب, وعندما جاء يوم السبت ذهبت إلى المكان الذي تركته فيه فلم اجده وعلى الفور ساورني القلق فتذكرت مصائر الاشياء في البيوت برميل الزبالة وجريت إلى برميل الزبالة لا ألوي على شيء وفتحت الكيس وأطل على غلافه بعنوانه الحزين (صانع المطر) فسألت عن بقية الكتاب فلم يستطع احد ان يجيبني فكدت أبكي.
ثلاثون سنة من رحلة مشتركة من بيت إلى بيت ومن مرحلة ثقافية الى اخرى ومن عمر إلى آخر لم تتح لي اي فرصة لقراءته هل كان قصة؟ هل كان كتابا نقديا هل كان كتابا فلسفيا؟ الله وحده هو الذي يعلم.
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
ملحق البكيرية
منوعــات
شعر
عزيزتي
الرياضية
الطبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved