Al Jazirah NewsPaper Tuesday  30/01/2007 G Issue 12542
مقـالات
الثلاثاء 11 محرم 1428   العدد  12542
 
الفوضى الخلاقة (1)
أنور الجبرتي

 

* هذا، ليس مقالا في السياسة، وإن كان من الصعب، وغير المتوقع أن يتمكن عربي، تجاوز المرحلة الابتدائية من تجنب الحديث في السياسة، والفتوى فيها، فنحن، قد كتب الله علينا، أن نرضع السياسة، وأن نمتصها مع حفاضاتنا ونلعبها مع كراتنا، ونتهَدهَد بها عند نومنا في أمهادنا.

* فوضى.. وخلاقة.. فوضى.. إبداعية.. فوضى مدهشة، ومثيرة للانبهار.

* الفوضى.. كلمة تعطي انطباعاً.. أولياً.. سلبياً. تحضر إلى ذهنك، غرفة (مكربكة) متناثرة الأثاث، متسخة، أو مكتباً.. مبعثراً، أو، هنداماً خلقاً، متسخاً، غير متناسق الألون والأجزاء. أو قد يتبادر إلى ذهنك، أوضاع اجتماعية، أو سياسية، أو اقتصادية، يختلط فيها الحابل بالنابل، لا تعرف لها بداية أو نهاية، أو اتجاها. الفوضى تعني انعدام النظام، أو الانتظام الذي يعطيك سياقا، أو اتساقا للموقف، أو الوضع وبذلك يصعب عليك فهمه أو إدارته، أو التنبؤ به.

* ولكن كيف تكون الفوضى خلاقة، أو غير خلاقة، عنوانا لسياسة خارجية، لدولة عظمى، أو صغرى، أو نصف مقاس.

* ولكي نبتعد عن السياسة، ربما، نلجأ إلى علم التحليل النفس، لتفسير التفكير، والدوافع، والدلالات، ولا أتفق مع هذا الاتجاه؛ لأن معنى ذلك، أن نقول إن الكلمة هي غلطة لسان، فرويدية، ثم نغوص، إلى ما لا نهاية، في تحليل طفولة الشخص ونشأته، وعقده الكامنة، ودلالات اللاوعي، ولن ننتهي إلى شيء حاسم، خاصة وأن مدرسة التحليل النفسي عانت وتعاني من كساد سوقها في العقود الأخيرة، ولن تكون أساساً معقولاً وعملياً لتحليل السياسات الخارجية للدول والتنبؤ بتصرفاتها، والتعرف على نواياها، ولا يمكن إحالة قضايا العالم الكبرى، وسياسات دوله العظمى إلى استشاري التحليل النفسي، وكنبته، حتى ولو كان التاريخ القديم، والمعاصر يقول إن بعض السياسيين في العالم، محتاجون إلى العلاج بالصدمات الكهربائية، وربما حتى إلى حفلات (زارْ) لتخليص العالم، من الكائنات الشريرة التي تلبستهم، وأطلقتهم على شعوبهم وعلى العالم يعيثون فيه فساداً.

* ولكن رجال السياسة الدوليين، والمتحدثين الرسميين، باسم السياسات الخارجية، لا يعانون من سقطات اللسان، ولا يتكلمون عن عفو الخاطر، ولا يلقون الكلام على عواهنه.

* هناك دائماً جمل محددة وعبارات دقيقة يجري إعدادها وتكرارها ومناقشتها، وخلف هذه العبارات هناك نظريات وتصورات يجري تداولها وتحليلها وتكمن خلف تلك العبارات، والنظريات، والمفاهيم، إطارات فكرية عميقة عن التاريخ والعالم والمصالح والأهداف.

* هناك فلسفة للسياسة الخارجية، ونظريات للسياسة الخارجية وعبارات، وشعارات، وكلمات يتم عن طريقها إبلاغ العالم، برسائل محددة، تهدف إلى وضعه في الصورة. فتصريحات المسؤولين العالميين ليست فهلوة لغوية، أو استعراض لمفردات شاعرية، أو مناظرة مدرسية في مادة النصوص، أو التعبير. ربما يحدث هذا في العالم الثالث عموماً أو العربي خصوصاً ولكن ليس في مجال السياسة الخارجية للدول الغربية العظمى.

* هذه الخلفية ربما أكون صادِراً فيها، عن خطأ غير مقصود أو فهم محدود؛ لأنني لست متخصصا في السياسات الدولية، أو ممارسا لها لكنها هي التي أثارت اهتمامي، في موضوع الفوضى الخلاقة ودلالاتها.

* عندما كنا ندرس الاقتصاد في مرحلة الدراسات العليا، وقعت أنظارنا على نظرية في الرياضيات والفيزياء اسمها نظرية الفوضى أو chaos theory وكانت مفاجأة لنا أن تكون هناك نظرية للفوضى.

وقد تسربت هذه المعالجة الرياضية والفيزيائية كالعادة إلى فروع العلوم الأخرى، كعلم الأحياء، والكمبيوتر، والهندسة، والنظرية المالية، وعلم النفس، وديناميكية علم السكان، والفلسفة والسياسة، وعلم الاقتصاد، وعانينا، نحن الدارسين للاقتصاد في ذلك الوقت من الإغراق النظري الذي يحاول تقريب النظرية الاقتصادية وصياغتها في معادلات رياضية معقدة تحاول وصف العلاقات الاقتصادية عند الأفراد، أو على مستوى الاقتصاد الكلي في إطار رياضي وفيزيائي، ومن هنا جاءت نظرية الفوضى، وتسللت إلى انتباهي.

* الدكتورة كونداليزا رايس، أكاديمية محترمة وجادة، ولا بد أنها لامست في جامعة (ستانفورد) حواف هذه النظرية، وهي تلتقي مع زملائها، من التخصصات الأخرى في ندوات ولقاءات علمية، أو على فنجان قهوة في كافيتريا الجامعة.

* ولكن مع احترامي لمكانتها العلمية، وبعد مناقشة مختصرة ومبسطة لنظرية الفوضى، فإنني أظن أنها كانت تقصد شيئا آخر، ومفردة أخرى، يصعب على متحدث رسمي أن يستعملها.

* نظرية الفوضى تقوم على أن العلاقات بين المتغيرات والأجزاء هي علاقات غير خطية لا يمكن التعبير عنها في شكل خط مستقيم، وأن هذه العلاقات المعقدة وغير المستقيمة والديناميكية، تجعل أي تدخل بتغيير بسيط وتافه للغاية، تنتج عنه نهايات هائلة، لا يمكن التنبؤ بها. الشرح الذي يعطي لهذه الفوضى قيمة نظرية، يقوم على أن هذه النتائج الهائلة التي تحدث لأسباب تافهة للغاية، تتم في إطار نظام ديناميكي يمكن التعبير عنه رياضياً. وهذا بالطبع يدخل السرور على علماء الرياضيات والفيزياء، ولكنه قطعاً يجب ألا يبعث على الرضا عند مديري السياسات الخارجية الدولية، أو المسؤولين عن المجتمعات واطمئنانها وحياة أفرادها.

* هل سمعتم عن ظاهرة رفيف الفراشة التي تعبر عن نظرية الفوضى؟ البروفيسور (اداورد - لورينز) كتب في عام 1972، بحثا علمياً شهيراً عن (نظرية الفوضى) واختار له العنوان التالي (هل يتسبب، رفيف جناحَي فراشة في البرازيل بإعصار في تكساس؟) وماذا يقول هذا عن إمكانية التنبؤ بالأحداث الطبيعية الكبيرة، عندما تنتج عن أسباب تافهة وصغيرة، كرفيف جناحي فراشة؟

* يقوم أكبر كمبيوتر لحسابات الطقس في العالم في المركز الأوروبي للتنبؤ بالطقس بحوالي 400 مليون عملية في الثانية، ويستقبل 100 مليون قراءة مستقلة للطقس، كل يوم من جميع أنحاء العالم، ويجري عملياته في ثلاث ساعات متواصلة، ولكن كل تنبؤ للطقس يزيد على يومين أو ثلاثة بعتبر نوعاً من التخمين، وأي تغيير طفيف في إحدى القراءات سينتج عنه تنبؤ مختلف جداً، ولو كان ذلك يجري في إطار معادلات رياضية معقدة؛ لأن نظرية الفوضى تحكم هذه المعادلات.

* هذا عالم الطقس الغريب المحايد، فكيف بعالم الإنسان القائم على المصالح والمشاعر والأفكار والعُقَد، حيث كل فرد، ومجتمع، ودولة، وكيان، يعتبر عالمَ طقسٍ معقد منفرد بذاته.

* كيف ندير العالم وسياساته الخارجية، وفقاً لنظرية الفوضى إذا كان هذا حقاً ما تقصده الدكتورة كونداليزا رايس، وبعيدا، بالطبع عن السياسة.

***

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب«5853» ثم أرسلها إلى الكود 82244


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد