Al Jazirah NewsPaper Sunday  11/03/2007 G Issue 12582
الاقتصادية
الأحد 21 صفر 1428   العدد  12582
القانون والإصلاح في منتدى جدة الاقتصادي

من إشراقات الأمل التي حفل بها منتدى جدة الاقتصادي أن تتناول إحدى جلساته حتمية مواكبة الإطار القانوني للإصلاح، ومن بواعث الغبطة أن يتبارى المتحدثون في أهمية وضع التشريعات كأداة هامة وحاسمة وأساسية في التنمية الاقتصادية.

ولا شك أن تلك الجلسة التي اهتمت بإبراز ضرورة الاهتمام بالقانون والقضاء وأنه لا غنى عنهما في دفع مسيرة التنمية الاقتصادية تعتبر إضافة عظيمة بارزة تسجل كعلامة مضيئة للمنتدى الاقتصادي مهما توالى انعقاده.

ولعل صلاح المجتمعات في استمرار إصلاحها بما يضمن استقرارها، وأول اللبنات في الإصلاح هي المبادئ والأسس التي يقوم عليها والتي يجب أن تصب في قوانين وتشريعات نظامية ملزمة للكافة وتتمتع بالوضوح والشفافية والعدالة والتي يكون مصدرها شريعة الله الغراء وتطبيقها ومصبها ما ينفع الناس جميعا فيجب أن تراعي صالح المجتمع وصالح الفرد وتحافظ على مصالح الدولة في منظومة العالم بأسره.

وسن القوانين ووضع التشريعات على هذا المنوال من شأنه أن يخلق بيئة قانونية نظامية تذخر بالحقوق والواجبات فيعرف القاصي والداني ما له وما عليه ويعرف الصغير والكبير ما يعطي وما يأخذ ويعلم القاضي والمتقاضي ما يحكم وما يُحكم وتبقى القوانين والتشريعات مرجعاً للجميع عند الاتفاق والاختلاف.

وتطبق هذه القوانين على فترة من الزمن وتظهر محاسنها ومزاياها وعيوبها ونواقصها، وهذا شأن كل قانون وضعي تتغير حاجات الناس واحتياجاتهم وينضح الفكر الإنساني بالمبتكرات والمخترعات وتتقارب وتتباعد المجتمعات الإنسانية ويدب بينها الوفاق والخناق ويعيش الناس في عالم متغير، فإن لم توجد قوانين وتشريعات تغطي كافة الجوانب السياسية والدولية والاقتصادية والاجتماعية تخلف المجتمع بأسره عن الركب وتعرض للأزمات، وإن وجدت قوانين وتشريعات تنظم وتحدد وترسم العلاقات الدولية والاقتصادية والاجتماعية وما يتفرع عنها سابق المجتمع الركب وسبقه وأصبح نموذجا يحتذى به.

والقوانين والتشريعات في المجتمع هي ما يطلق عليه البيئة القانونية أو المناخ النظامي التي يستظل بها ليس فقط الدولة ومواطنيها ولكن أيضا كل أجنبي يتعامل مع المجتمع سواء كان مقيما أو زائراً أو مستثمراً.

ولعل أكثر ما يتأثر بالبيئة القانونية الوضع الاقتصادي والمالي في المجتمع، فالتجارة والصناعة والزراعة والمال والعقار والاستثمار أولئك جميعاً لا يهنؤون إلا في بيئة مستقرة هادئة قوانينها واضحة المعالم والحدود فيبنون صروحهم العالية ويضاعفون استثماراتهم المتكاثرة ويروجون تجارتهم المتزايدة وينشئون صناعاتهم المتعاظمة ويتداولون الأموال في أمن وأمان وطمأنينة، وسبب ذلك أنهم هدوا إلى بيئة قانونية مستقرة عرفوها واستظلوا بها وشجعتهم على البقاء والاستمرار فحققت كل هذه المجالات المكاسب الجماعية والفردية ودارت عجلة التنمية الاقتصادية، وتشجع المستثمرون من أقطاب الدنيا وهوت أنفسهم إلى الاستثمار والعمل في البلد الذي ينعم بالبيئة المستقرة وتحقق الرخاء للوطن والمواطن والمستثمر من أي بلد جاء.

وإذا كانت القوانين والتشريعات هي التي تنظم وتحدد البيئة القانونية المستقرة فإن القضاء هو الذي يضمن لهذه البيئة الاستقرار والاطمئنان، فالقضاء هو الذي يطبق القانون وكلما نجح القضاء في تطبيق القانون في عدالة وإنجاز كلما زادت البيئة القانونية ثباتاً واستقرارا وكلما كان القضاء رقيباً على تطبيق القوانين كلما اطمأن الجميع على أموالهم واستثماراته.

إن وضع القوانين والتشريعات قبل الشروع في الإصلاح الاقتصادي أمر لازم وواجب، فلا يمكن تصور أن تكون هناك نشاطات إنسانية أو اجتماعية أو اقتصادية ليس هناك نظام لها تخضع له ونتحدث عن إصلاح، ولا يمكن تخيل أن تكون هناك نشاطات لها نظام ناقص أو مبتور ويكون هناك سبيل للإصلاح، ولا يمكن أن تخضع بعض النشاطات إلى نظام عتيق بالٍ وننتظر إصلاح.

إن تنظيم القضاء قبل الشروع في الاصلاح الاقتصادي أمر واجب، فكيف للقضاء أن يطبق القوانين والتشريعات والأنظمة على مختلف النشاطات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية القديمة والمعاصرة والمستجدة وهو قضاء غير متخصص، وكيف يمكن له ذلك وهو فقير العدد والعُدة وينقصه الكثير من التأهيل والتدريب والكل يعلم أن إصلاح القضاء هو إصلاح الشأن كله وليس فقط الإصلاح الاقتصادي.

إن الإصلاح يبدأ وينتهي دائما وأبداً بالقانون والقضاء فالقانون ينظم البدايات والنهايات والقضاء يحكم بمقتضى القانون، وكافة الأنشطة الإنسانية وخاصة الاقتصادية لا بد لها من قانون صائب ينظم علاقاتها وقضاء عادل يفصل في خلافاتها، فالقانون والقضاء إذا ما صلحا صلح المجتمع كله.

المحامي الدكتور ماجد محمد قاروب - رئيس لجنة المحامين بغرفة جدة


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد