Al Jazirah NewsPaper Monday  04/02/2008 G Issue 12912
الأثنين 27 محرم 1429   العدد  12912
حسن صيرفي.. شاعر.. وألف معنى..

المدينة المنورة - محمد الدبيسي

كان شاعراً واحداً.. وألف معنىً..

ولم يكن إنساناً واحداً.. بل (بقية الناس).. كما سحَّت أحداق صفيه وخليله الأول (نايف فلاح).

كل الناس تعرفه.. وكل البسطاء والصعاليك يؤمونه قلباً كبيراً ومكاناً يخفف عنهم وجل الحياة.. ويرش على وجوههم طمأنينة الصادقين..

فليس بوسعه إلا أن يكون لكل الناس.. الحفيين به خارج تقاليد المتعارف عليه من إكبار (الكبار والنبلاء) وخارج القوانين العفوية لتبادل معاني حميمية الإنسان..!

فقد كان لهم: المعنى.. وأي معنى....!

ذلكم هو حسن صيرفي.. الذي فاضت روحه إلى بارئها مساء الأربعاء 21-1- 1429هـ.. ووري جثمانه بقيع الغرقد.. بالمدينة المنورة..

لتفيض على غيابه عبرات المسكونين به.. ألفة وجلالاً وأبوة.. لا يستطيعها (الكلام).. ولا تحيط بها التعابير.!

** أي (كلام).. يمكن أن يحتوي ما لا يمكن أن يكون وارداً للخاطر.. ومتأتيا للتعبير..؟

وأي (كلام).. يمكن أن يوجز حضور التسعيني العظيم.. أو يتخطف لغة الجوارح.. التي عمر بها مسافة من العمر والحياة.. بينه وبين المتيمين بحياة كان هو معناها..؟!

يرحمك الله يا (عم حسن)..!

ذرفتها ألسنتهم وهم يتقصون المساء الأخير.. لإنسان.. أحال مساءاتهم دفئاً يعبق بسنى الإنسانية الأبقى.. حتى وإن تبرعم (الغياب) عتمة تتفتق عنها فجيعة ذرَّت ملحها في عيون من هجعوا يستيقنون خبر الغياب..!

** (غيابه) كان الحاضر الأوكد في عيون أولئك الأطهار.. الذين ما فتئوا يستمدون منه بهجة الحياة..

وما فتئوا.. ينشرون على ضفاف حضوره بقية الذكرى..

(غيابه).. أَكَّد جدارة الحقيقة الإنسانية الأعظم (الموت).. وقد كتب مطولة شجية للحياة يقاسمها غناء موغل في العذوبة.. وشجن يند للخلود..!

يغيب العم حسن.. وقد أنجز شعراً قليلاً.. سائغاً للترداد.. تلذُّه ذوائق العارفين.. وتلهج به عفوية خواطر كثيراً ما أصاخت له يندلق كعطر ذكرى...

(شعر) خلَّد طفولة الأمكنة وأعراس الأزقة.. وحكايا البساتين والنخيل - قبل أن تُذبح ويُسفك دمها قرباناً للضمير الغائب -.. سيرة الحارات والدارات والناس..

فواصل الحياة ومقاطعها.. وسلاسل معاصمها وخطواتها المنحوتة في ذاكرته الريا.. ولسانه العف.. وسمته البهيج.. !

** خلَّد شعراً.. يدوزن عليه المدنيون إيقاعات خلواتهم العامرة بالفرح النبيل..

(شعر) كان دون الفن وفوقه.. بعضه وجوهره الأنصع.. إذا ما كان (المعنى) أجلَّ من تخوم ما إن تتجاوزها باتجاهه.. حتى تستيقن بعضا من (فلسفة حياة...).. ما كان لها أن تغيب.. حتى وإن حدّ الموت من حيوية خطواتها.. وتخطف أنفاسها جذلاً وهو يعانق حياة لم تعرف لحظةً خذلان القوى أوانكسار الكيان..!

**يغيب (العم حسن).. ويبقى ذكره ندياً بأنبل الأفعال.. وأجلَّ الصنائع وأسمى معاني المروءة.. التي رسمها طوال تسعين عاماً في وجدان الناس وفي أعماق الحفيين به وبالحياة..!

يغيب (العم حسن).. وقد ورثَّ (مدينته) ما يتمنى أن الأحياء يُذكروا ببعضه.. وأعقب محبيه من أهلها غصة.. لم يحسبوا حسابها يوماً... وكأنهم من فرط التئاذهم الأبدي به.. معصوم من الغياب..!

** (قيم فعل) لا تبدأ بتأسيسه وريادته لحركتها الرياضية والأدبية والفنية.. ولا تنتهي بيد سخية يمدها في حلك الليل لمن لا يُعنى بهم غيره.. ولا يعلم كربهم إلا الله..

** يغيب رائد الرياضة والصحافة والشعر.. وقد جذَّر في تراب المدينة (حضوراً) يذكره الصادقون.. ويشكره العارفون..!

** ليس - هذا - نعياً للعم حسن.. ولكنه ومض الكلام.. الذي يكابد استجماع أطراف من (سيرة رجل) كنا نجلس بين يديه.. لنتعلم منه فن الحياة.. ونجلس بين يديه.. ليرش على جوارحنا يقين التجربة.. ويحدثنا عنّا بما يليق به.. ويحنو علينا بما يليق بعظمة أبوه.. وتحنان صديق..

ويؤلف بين فراغنا العميق.. واحتشاد المعنى.. (معنى) لا يطاله إلا العم حسن.. (معنى) أعجزنا إدارك تفاصيله وكنهه.. فإذا بالشيخ يربت على أرواحنا بنبله الحميم.. يشدنا نحوه.. وهو يرفض الاعتراف بهوان قوانا على خوض نهره المهيب!

** ليس نعياً للعم حسن..!

لأن نعيه يتطلب كلمات بحجم حضوره.. وهذا ما تقتصر قدرتنا على اقترافه..!

هو ومض الكلام.. يسير وجلاً مرتاباً بمحاذاة ذكرى يؤسسها غيابه على فجيعة تهز جنبات الروح..!

فلله ما أخذ.. ولله ما أعطى..!

** ولد حسن صيرفي بالمدينة المنورة عام 1333هـ تقريباً..

درس في الكتاتيب.. وفي حلقات المسجد النبوي الشريف..

** أسس الحركة الرياضية بالمدينة المنورة.. وكذا الحركة الفنية..

** شارك السيدين الراحلين علي وعثمان حافظ في تأسيس جريدة المدينة المنورة

عام 1356 هـ

** أسس مع عبدالعزيز الربيع ومحمد العيد الخطراوي ومحمد هاشم رشيد (أسرة الوادي المبارك) الجماعة الأدبية التي نشأت بالمدينة المنورة في السبعينيات الهجرية من القرن الماضي

** طالب بتأسيس نادٍ أدبي بالمدينة المنورة في التسعينيات الهجرية واستجيب لطلبه.. فتأسس النادي..

** أسس جمعية الثقافة والفنون بالمدينة المنورة..

أصدر ديوانه الشعري الأول دموع وكبرياء قبل خمسين عاما تقريبا في القاهرة..

وأصدر بعدها دواوين: قلبي، وشبابي..

وقد أعاد نادي المدينة المنورة الأدبي طباعة ديوانيه: دموع وكبرياء، وشبابي..

** كُرم من قبل الرئاسة العامة لرعاية الشباب كأحد رواد الحركة الرياضية بالمملكة..

وكُرم من قبل وزارة الثقافة والإعلام كأحد رواد الحركة الشعرية في بلادنا..

تناول شعره عدد من الباحثين والدارسين..

** وشارك في ملتقيات أدبية وثقافية طوال حياته داخل المملكة العربية السعودية..

** أسس فيمن حوله.. ما لا يمكن أن يوصف أو يحدد أو يترجم كلاماً أو بياناً.. قيماً ومثلاً ومنهج حياة..

أسس فيهم الحياة.. التي ما إن غاب عنها.. حتى تحسس أولئك شيئاً ينسل من أطرافهم.. وأجزاء تتهدم.. .. . وقد كان عَمَرها بما لا يدركون فداحة فقده إلا ساعة الغياب..!

رحم الله حسن مصطفى صيرفي وأسكنه فسيح جناته.



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد